dark_mode
  • الإثنين ٢٥ / أكتوبر / ٢٠٢١
سيرة

سيرة "بدون" منهك - محمد سعد

منذ أن خُلقتُ على هذه الأرض وأنا لا أشعر بإنسانيتي. لم أحس يوماً بأنني إنسان لديه حقوق وعليه واجبات مثل كل البشر في هذا العالم. في بلاد تسمى "بلد الإنسانية" لم أشعر يوماً أنني إنسان، وفي هذا المعنى تناقض وقح بين الحقيقة التي تُعامل بها فئة كبيرة من الشعب وبين ما يروجه الإعلام الرسمي.

لطالما تساءلت في نفسي ماذا يعني أن تكون "بدون"، أو لماذا أصبحت "بدون" ولا أجد لدي إجابة عن هذا السؤال الذي التهم أعمارنا يومًا بعد يوم دون وضع حد لهذا الوضع الشاذ. وكم وددت أن أوجه سؤالًا وحيدًا لمن يمنع عنا الحياة، سؤال بمنتهى البساطة، هو: لماذا؟

لماذا تعذبوننا هكذا، لماذا تنكلون بنا هكذا؟، لماذا تسلطون علينا أنذالكم، لماذا تجهّلون أطفالنا، لماذا تهدورن أعمارنا، ماذا فعلنا حتى نستحق كل هذا؟ نحن لسنا أعداءكم، لسنا مثيري فتن، لسنا أشرار، نحن أهلكم، من لحمكم ودمكم فلماذا تعذبوننا هكذا؟

بدأت حياتي بصدمة قاصمة تمثلت بعدم قبولي في المدارس الحكومية فقط لأنني "بدون". وبسبب ضيق ذات اليد لم يستطع والدي إلحاقي بالتعليم الخاص فمضت حياتي دون تعليم، أي دون اللبنة الأولى التي تصنع من الإنسان شخص نافع في مجتمعه، دون الخطوة الأساس التي يشيد عليها الفرد كل خياراته وتوجهاته ومسار طريقه في الحياة. ما زلت أتذكر تلك الأيام بوضوح كبير حين أصحو في الصباح الباكر مع إخوتي اللذين تجهز لهم والدتي ثيابهم المدرسية وتمشط شعورهم وتعد لهم الفطور ثم تودعهم ليذهبوا إلى مدارسهم بينما أبقى أنا وحدي في المنزل أبكي بحرقة لأنني لست مثلهم.

مثلتْ لي تلك الصدمة تحديًا كبيرًا في حياتي، فكنت أفتح الصحف وأتأمل تلك النصوص الكثيرة المطبوعة وأتسائل عن محتواها وأنا كلي لهفة لمعرفة ما تحويه. وبمساعده أشقائي الذين علموني القراءة تمكنت من فك الخط، فصارت مجلات الأطفال رفيقي الدائم في صباحاتي الوحيدة ومنها تطورت لدي ملكة القراءة وبالتالي تعلمت الكتابة أيضًا وتوسعت مداركي سريعًا لأرى هذه المأساة بروح مجروحة وقلب محبط.

ثم كرّت الأيام محملة بكل صنوف العذاب الشائك نفسيًا واجتماعيًا والنابع من هذا المسمى اللعين "بدون"، وكبرتُ دون فرص حقيقية في أي شيء. لكنني كنت أحمل بداخلي آمال وتطلعات الشباب، ما مدني بأحلام كبيرة بأنني سأستطيع أن أجد طريقي في بلدي وأن أنال حقوقي التي ستجعل مني إنسان مثل بقية الخلق.

تواصلت بعدها الصدمات النفسية لطمة وراء لطمة وتصدعت الآمال وحل اليأس في نفسي مثل ظلام دائم لا مفر منه، فمضيت في الحياة فقط لأنني لا أملك خيارًا آخر، ورحت أحارب وأخوض الصراعات من أجل إجازة قيادة أو هوية شخصية أو فرصة عمل متواضع أو لجنة خيرية علّي أحظى بمساعدة تعينني على شظف العيش وتساعدني في إطعام الأفواه التي تنتظرني في المنزل. هل قلت منزل؟، قصدت جدران الصفيح التي تأويني مع أطفالي.

واليوم أقف على أعتاب الخمسين من عمري وأتامل ملامحي التي انطبعت بقسمات البدون فبرزت الخطوط الجانبية للفم وانعقدت المنطقة بين الحاجبين وراح الشيب يصول ويجول في الرأس والذقن والسوالف، غير أن هذه الملامح المتعبة واليائسة ليست ذات أهمية أمام القلب المثقل بالهموم والروح النازعة نحو الخلاص والسريرة التي أنهكها الجهاد في سبيل حياة انتزعت منا انتزاعًا دون ذنب أو جرم ارتكبناه.

اليوم أرى أطفالي يسيرون على خطاي وتأخذني شفقة محمومة تجاههم وأطلب من ربي ألا يريهم ما رأيته، أطلب من الله أن تصنع بي ما تشاء أقداره فقط مقابل ألا يعاني أطفالي ما عانيته، لكنني أرى كل شيء أمامي، أراهم يقفون خارج الصف لأنني لم أستطع دفع تكاليف الدراسة، أرى بعيونهم نظرة كسيرة لأنني لم أقدر على توفير لعبة أو لباس أو أكله يريدونها.

إنني أفكر ليل نهار في الهجرة لكنني لا أملك المال ولا جواز السفر ولا القلب المستعد للمغامرة ولا الروح القادرة على المقاومة، إنني متعب جدًا ويائس.. هذا كل ما هنالك.

أفكر في الهرب من هذا الجحيم وعليً أجد خارج وطني من يرق قلبه لهذه المعاناة ويمنحني حق العيش بكرامة. هذا كل ما سعيت له وكل ما أريده وكل ما أتمناه لأطفالي، العيش بكرامة، فهل ما أطلبه كثير؟ 

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد