dark_mode
  • الإثنين ٢٥ / أكتوبر / ٢٠٢١
أصحاب الجوازات المزورة.. بدون قفزوا من قارب العدم إلى بحر الظلمات – جاسم محمد الشمري

أصحاب الجوازات المزورة.. بدون قفزوا من قارب العدم إلى بحر الظلمات – جاسم محمد الشمري


·        أكثر من 7000 أسرة تكتوي بمعاناة غير مسبوقة فلا هم إلى أرض هووا ولا إلى سماء ارتقوا.

·        قلق متداخل أوله حسرة وآخره ندم.. وما بينهما جريمة تزوير رعاها البعض وتلظى بنارها عاثرو الحظ.

أكمل أحمد للتو عامه الثامن عشر منهيًا الثانوية العامة بنجاح دون تفوق يذكر.. وعلى مدى العام الذي سبق ذلك كان جل تركيزه مُنصبًا على مغادرة الكويت إلى بلد أوروبي هاجر إليها أخوه الأكبر قبل سنوات قليلة.. بطريقة ما لم يشأ الإفصاح عنها حجز إلى بلد آسيوي يتيح له خروجا آمنا إلى عاصمة تلك البلد دون كثير تدقيق غير أن حظه العاثر قاده إلى مفتش شك بلكنته العربية وعدم إجادته لغة البلد الذي يحمل جوازه بطلاقة ليضعه تحت تحقيق مكثف.

سجن أحمد لمدة سنة تقريبا قبل أن يرحل إلى الكويت.. وليقبع في سجن أكبر يتيح له حرية الحركة شمالا وجنوبا غير أنه يأسره بقيود لا تتيح له أيا من الحقوق التي يفترض قانونا لأي إنسان الحصول عليها.

مثل أحمد كثيرون اختاروا أن يقفزوا من قارب اللاهوية ليحطوا في بحر اللا منتمي.. فلا هم ظلوا على انعدام الجنسية.. ولا هم عدلوا وضعهم إلى مرتبة تتيح لهم الحياة الكريمة التي ينشدونها.

وقبل أكثر من ربع قرن تحصل صديق لي على جواز سفر.. سألته: لم فعل ذلك.. فكانت إجابته أن المستقبل لا يبشر خيرا..

أتاح هذا الجواز لصديقي حرية الحركة والانتقال، وبناء شبكة علاقات واسعة له بحكم عمله في بلاط صاحبة الجلالة الصحافة.. ليغدو أخيرا مواطنا في دولة خليجية.. إلا أن هذه كانت طفرة لا تحسب ضمن التطور الطبيعي للحصول على جواز دولة أخرى غير الكويت.. لم يكن جميع من حصل عليه كصديقي ذاك...

قبل منتصف تسعينيات القرن الماضي بقليل بدأت خيوط هذه الحكاية غريبة الأطوار.. حينما عمدت الحكومة آنذاك إلى استحداث اللجنة التنفيذية لمعالجة أوضاع البدون أو عديمي الجنسية تحت المسمى الرسمي الذي اعتمدته لهم وهو المقيمين بصورة غير قانونية وبدأت تلك اللجنة بتضييق الخناق على هؤلاء معيشيا وقانونيا بعد استحداث ما يسمى القيد القانوني الذي يمنع صاحبه من الحصول على الأوراق الثبوتية له والتي تتيح له العمل أو التنقل أو التعليم أو الزواج أو الطبابة.

القيد القانوني حينها كان يتمحور حول خلط أوراق البدون بعضهم ببعض، إذ يكفي أن يكون لك قريب اختار الهجرة من الكويت إلى بلد مجاور شمالا أو جنوبا لتوصم بأنك من رعايا هذه الدولة أو تلك، ولعل هذا كان السبب المباشر الذي دفع عددًا غير قليل من منتسبي السلك العسكري من البدون إلى طرق أبواب مكاتب وهمية وعدتهم باستخراج وثائق سفر أصلية لهم.. وكان الغريب في الأمر أن ملصقات الإعلانات عن هذه المكاتب الوهمية انتشرت بشكل غير مبرر وكأنها لوائح إرشادية تدل الحائرين إليها.

هاجس خسارة الوظيفة ومخافة التضييق المتشدد ثم الركون إلى رعاية الدولة لهذه المكاتب بدليل هذه الملصقات الإرشادية والإعلانات التي كانت تنتشر في الصحف الإعلانية أعطت بعض الاطمئنان لهؤلاء الحائرين.. وكأن لسان حالهم يقول: لا بأس من الحصول على جواز طالما أن الدولة سوف لن تمنحك المواطنة المستحقة ولن تكون قادرا على مصارعة طواحين الهواء المتمثلة بالتيار اليميني المتطرف، الذي بدأ نجمه بالتصاعد مستبعدا إمكانية إدماج فئات أخرى في المجتمع في سياق الدفاع عن هوية وطنية لم تحدد ملامحها، ولم يحدد لماذا يمكن استبعاد هؤلاء منها ووفق أي معايير لم يكن لهم الحق في ادعاء أنهم ضمن هذا النسيج الوطني.

الجواز المزور وفقا للتعارف المتداول هو جواز نُسخ و/ أو عُدل عليه من قبل أشخاص غير مخولين لوضع هذا التعديل عليه بغرض خداع الجهات المختصة التي تطلب هذه الوثائق. ويضيف التعريف أن المصطلح يشمل أيضا النشاطات المتخلفة للحصول على جوازات سفر من أجل إصدار هوية أو جواز ويمكن استخدامها للهرب إلى المنفى، وسرقة الهوية، وتلفيق العمر، والهجرة غير الشرعية، والجريمة المنظمة... وتحوي قاعدة بيانات الإنتربول لوثائق السفر المسروقة أو المفقودة 40 مليون ملفا لقضية سرقة وثائق من 167 دولة لكن عدد الدول التي تستخدمه غير كاف للحد من الجريمة بحسب مسؤولين في الانتربول.

والتزوير ليس جريمة يعاقب عليها مرتكبوها فحسب، بل ربما أثار أزمة دولية بين عشرات الدول كما حدث على سبيل المثال قبل سنوات قليلة على خلفية اغتيال القيادي بحركة حماس محمود المبحوح في دبي، والذي تقول التحقيقات في دبي والإنتربول إن قتلته حملوا جوازات سفر مزورة لبريطانيا وإيرلندا وأستراليا وفرنسا وألمانيا، مما فتح باب الاتهامات بين هذه الدول. وتعاملت تلك الدول مع تزوير جواز سفرها على أنه انتهاك وتعد على رمز من رموز سيادتها.

وفي تحقيق لطيف رصد موقع فوكاتيف أسعار جوازات السفر المسروقة أو المزيفة المباعة على 13 موقعًا إلكترونيًا في السوق السوداء الإلكترونية، وتبين أن جوازات السفر الدنماركية قد تكون الأعلى سعرًا في السوق، حيث يبلغ ثمنها 4000 دولار كحدٍّ أعلى... إلا أن المفارقة هي أن جواز سفر الدنمارك ليس أكثرها فائدة، إذ يحل في المرتبة الرابعة على سلم جوازات السفر الذي يعد قاعدة بيانات تصنف وثائق السفر بحسب قوتها، ويشمل ذلك عدد الدول التي تخول لحاملها السفر إليها دون الحاجة إلى تأشيرة دخول.

وعلى رأس هذه القائمة تتربع جوازات كل من الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة كأقوى جوازي سفر يتيحان لصاحِبهما السفر إلى 147 دولة بلا تأشيرة دخول.

ومع ذلك، جاء جواز السفر البريطاني المزور خامسًا في قائمة أغلى وثائق السفر سعرًا في سوق الإنترنت السوداء بتكلفة تبلغ 3490 دولارًا حسب تحقيق "فوكاتيف.. أما جواز السفر الأميركي المزور فلم يتجاوز الحد الأعلى لسعره 2057 دولارًا ليحل في المرتبة 13 على قائمة الأسعار، في حين بلغ أقل سعر لجواز السفر الأميركي 938 دولارًا.

وحسب قانونيين.. فإن التزويرَ في مُحرراتٍ رسميةٍ جنايةٌ يُعاقِبُ عليها قانون الجزاء الكويتي بالسجن لمدد تصل إلى سبع سنوات حسب طبيعة التزوير وخطورته.. إلا أن الأمر وعلى عكس المتوقع منطقا وقانونا أضحى تجارة رائجة خلال السنوات العشر الممتدة من 1995 وحتى 2005 حينما بدأ كثيرون ممن حصلوا عليها الشكوى من أنهم لا يستطيعون تجديدها لأن لا أصل لها لا سيما بعد أن أغلقت أغلب هذه المكاتب أبوابها بعدما ربحوا غلتهم المنتظرة وبدأ البدون الأفارقة أو الآسيويون أو اللاتينيون بمراجعة سفارات الدول للحصول على بارقة أمل تعيد لهم اتزانهم القانوني.. يقول أبو عبد العزيز الذي تورط بأحدها إن الأمر بات أشبه بكابوس.. ويضيف: أنا معلق الآن لا أرضا قطعت ولا ظهرا أبقيت مستشهدًا بحديث نبوي في ذلك عن المنطلق على ظهر جواده بأقصى سرعته.. يردف أسرعنا إلى تعديل الوضع القانوني رغبة في إنهاء قلق امتد لأكثر من أربعة عقود.. ولكن ذلك لم يشفع لنا وبات الوضع أسوأ من ذي قبل.

أبو عبد العزيز أحد كثيرين خشي أن يفقد وظيفته فسارع إلى دفع مبلغ يصل إلى خمسة آلاف دينار تقريبا للحصول على جواز من دول أمريكا اللاتينية إلا أنه وبعد خمس سنوات من ذلك اكتشف أن ما دفعه كان قسطا في مديونية قلق جديد لا بد من المرور به فقد كان الجواز مزورًا وليس أصليًا ولا إمكانية لتجديده..

ويسترسل إن الجهاز المركزي تأكد من عدم صحة هذه الجوازات بعد مخاطبة السفارات المعنية وكان أن اتخذ قرار بإعادتنا إلى الوضع السابق كبدون غير أن ما حدث لاحقا شكل انتكاسة حقيقية حينما بتنا في أجهزة الدولة مواطنين لدول أخرى لا نحمل أي إثبات منها ولتقف جميع معاملاتنا عند هذه النقطة.. الأبناء والأحفاد حاليًا لا يملكون شهادات ميلاد ولك أن تتخيل الوضع بعد ذلك.

وعلى غرار أبو عبد العزيز يعيش أبو سالم الأربعيني ذات المعاناة.. هو ليس عسكريا ولم يلتحق بوظيفة حكومية وظل على هامش الرزق سنوات طويلة دفعته إلى التفكير جديا إما بالهجرة من الكويت أو الحصول على جواز يتيح له وظيفة بعائد جيد، و يضحك بمرارة وهو يقول لي: "تعلم أن الوافد الذي يعمل بنفس وظيفتك كبدون يتقاضى راتبا ضعف ما تتقاضاه أنت؟ وعليه وجدت أن من الأسلم البحث عن جواز ألغي معه كل هذا التمييز الذي أشعر به".

أبو سالم ولظروف لم يشأ الإفصاح عنها لم يستطع الهجرة بالجواز الأول الذي اشتراه بمبلغ 1500 دينار والذي لم يتنعم به إلا أشهر قليلة ليكتشف أنه مزور لتطالبه السلطات المحلية بإلغائه أو التعرض إلى ملاحقات جنائية.. فما كان منه إلا البحث عن جواز بديل.. والأخير بات صفته التي لا فكاك له منها والمطالب بتعديل وضعه إليه رغم أنه سلمه بإقرار من السفارة وتوثيق من الخارجية كونه لا أصل له.

أكثر من 7000 آلاف شخص يعيشون دوامة الجوازات المزورة وهو ما حدا بمجلس الأمة المنعقد في 2016 إلى تشكيل لجنة للتحقيق في الجوازات المزورة والتي انتهت في تقريرها إلى التوصية بإعادة أوضاع أصحاب الجوازات المزورة من البدون إلى وضعهم السابق كما كانوا عليه في 2008..

كانت الشركات تضع الإعلانات في عدة أماكن، وتحث الناس على استخراج هذه الجوازات المزورة، لا سيما أنها كانت تلصق هنا وهناك، وكانت تنشر بالصحف، وتبين أن هذه الشركات هي شركات نصب واحتيال.

وكان لافتًا في تقرير اللجنة ما ذكرته حول توجيه سؤال إلى وكيل وزارة الداخلية المساعد لشؤون الهجرة حول مشروعية إصدار إقامة لجواز دون أن يستخرج فيزا وما إذا كان قانون الإقامة يسمح بصدور إقامة لشخص داخل البلد فكانت إجابته بالنفي وأنهم باشروا هذا الإجراء امتثالًا للكتب التي وصلتهم من الجهاز المركزي.

واستدرك التقرير بالنص على أنه قبل 2010 أعاد الجهاز المركزي البدون أصحاب هذه المشكلة إلى أوضاعهم السابقة حينما استفحلت وثبت التزوير لكن بعد 2010 أعادهم الى جنسياتهم المزورة.

وبحسب اللجنة فإن جهة ما كانت تغري من يريد شراء جواز بصرف جزء من مكافأة نهاية خدمته من أجل شراء أحد هذه الجوازات المزورة، وإفادتهم بأنهم لا يعرفون بأنها مزورة، بل وثبت أيضًا أن هذه الجهة ترهب منتسبيها بالفصل من العمل، وعدم منحهم نهاية خدمتهم إن لم يستخرجوا هذه الجوازات، فاضطر بعضهم إلى الإقدام على هذا الأمر.

أمواج تعلوها أمواج تعلوها أمواج يعلوها سحاب في ظلمات لا يستطيع البدون منها فكاكا ولا يكاد يرى يده إن أخرجها من كمه.. وقلق متداخل أوله حسرة على وضع لم يدم وآخره ندم على مأمول لم يتحصل.. وما بينهما جريمة تزوير رعاها البعض وتلظى بنارها عاثرو الحظ.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد