dark_mode
  • الإثنين ٢٩ / نوفمبر / ٢٠٢١
هدوء مريب ربما تلحقه عاصفة - أحمد السويط

هدوء مريب ربما تلحقه عاصفة - أحمد السويط

في هذا التحقيق أود أن أسلط الضوء على موقع قضية البدون في المشهد السياسي الحالي في دولة الكويت. ولكن قبل الدخول في الملابسات السياسية، أود الحديث أولاً عن الهدوء الذي يخيّم على قضية البدون على المستوى الاجتماعي، لا سيما بعد حراك البدون الذي انطلق في 18 فبراير 2011.

هدوء مُريب

لا يصعب على المتمعن في تاريخ قضية البدون أن يرى كيف أن الصمت طالما كان ملاذًا وسمةً عامّة للبدون تجاه قضيتهم السياسية منذ نشأتها عام 1961. ولعل ذلك كان نتيجة مباشرة لعمليات الإقصاء والتهميش الممنهجة التي تعرض لها مجتمع البدون على المستوى الثقافي على مدى عقود من الزمن، فبالإضافة إلى عدم امتلاك غالبية البدون لأدوات التعبير عن أنفسهم والمطالبة بحقوقهم كالتعليم العالي والوعي السياسي، أدّت عمليات تغريب البدون وشيطنة هويتهم الاجتماعية إلى انعزالهم ذاتيًا عن مساحات الحوار العامة، مما زاد تأثير عملية عزلهم عن المجتمع الكويتي بشكل ممنهج لا سيما بعد حرمانهم من حقي التعليم والعمل في المؤسسات العامة. وعلى الرغم من كسر البدون حاجز الصمت منذ تسعينيات القرن الماضي، ونزول الآلاف منهم إلى الشارع للتعبير عن أنفسهم وعرض مطالبهم بدءً من عام 2011، فلا زالت قضية البدون تعاني من ظاهرة ربما يمكننا أن نسميها مجازًا ’الهدوء المريب‘. أعني بذلك، المواقف الاجتماعية من قضية البدون، من قبلنا نحن البدون أو من قبل المجتمع الكويتي ككل. بالنسبة لنا نحن البدون فإن كل المعطيات تشير إلى أننا بحاجة إلى تجاوز حالة الانتظار وردود الأفعال بعد عواصف الاضطهاد التي تعصف بنا من وقت إلى آخر، والتحوّل إلى حالة العمل المنهجي، أي العمل وفق خطط وأهداف وجداول زمنية واضحة ومحددة. أمّا بالنسبة للمجتمع الكويتي، وعلى رأسه ممثلي الشعب الكويتي في البرلمان، وغيرهم من المنخرطين في الحراك الاجتماعي-السياسي، فإن الاستمرار في تجاهل قضية البدون أو تهميشها مقارنة بباقي الملفات السياسية مؤشر على عدم وجود حراك إصلاحي، وأن ما نشهده هو حراك مصلحي مقتصر على فئات معينة لن يجدي يومًا نفعًا في تقويم الاعوجاجات السياسية التي يعاني منها الوطن. وعلى هذا شواهد كثيرة.

التجديد للجهاز المركزي

في 29 أغسطس 2021، أصدرت الحكومة مرسوم رقم 159 لسنة 2021 بتمديد مدة عمل ’الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية‘ لسنتين بدءً من 09 نوفمبر 2021، ومرسوم رقم 160 لسنة 2021 بتعيين صالح الفضالة رئيسًا تنفيذيًا للجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية (بدرجة وزير). المفارقة أن كلاً من التمديد للجهاز المركزي، وتكريم رئيسه ’بدرجة وزير،‘ جاء على الرغم من رفض مجتمع الكويتيين البدون ومنظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية لهما بسبب فشل الجهاز ورئيسه القديم-الجديد في معالجة قضية البدون حتى بعد انتهاء وتجديد مرسومي عملهما لأكثر من 10 سنوات، ناهيك عن أن الدور الذي قاما به فعلياً هو فرض الوصاية على جميع جوانب حياة مجتمع البدون و"حجب حق المواطنة ]الكويتية[ عن أكبر عدد ممكن منهم"، ووضع جنسيات بلا أدلّة، مما أدى إلى إحراج دولة الكويت على المستوى الدولي بعد جلسة مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عام 2020. أمام كل هذا، لم يفِق ممثلو الشعب الكويتي في البرلمان، وغالبية المنخرطين في الحراك الاجتماعي-السياسي، من غيبوبتهم السياسية تجاه قضية البدون، لا على سبيل حماية الإنسان البدون من ممارسات الجهاز المركزي غير الإنسانية، ولا على سبيل حماية وطننا الكويت وأمن مجتمعه من عواقب الممارسات السياسية غير السليمة. هذا أحد أشكال ’الهدوء المريب‘.

قانون رئيس مجلس الأمة

في 05 سبتمبر 2021 أعاد رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم (منفردًا) طرحَ مقترح قانون يهدف إلى تقرير مصير البدون بشكل نهائي، على الرغم من أن القانون المقترح قد سبق وأدانته منظمة العفو الدولية عام 2019 لما يشكله من خطر ترسيخ وإدامة ممارسات التمييز والتهميش التي عانى منها مجتمع البدون لعقود من الزمن، ولأن القانون المقترح فعلياً لا يقدّم حلّاً للبدون، بل يريد أن يُجبرهم على التنازل عن مطالبتهم بحق المواطنة الكويتية مقابل ’امتيازات‘ مؤقتة. وعلى الرغم من تقديم بعض البدون تقريرًا يوضح مثالب القانون التي تجعله يتعارض مع الدستور الكويتي والقانون الدولي، لما يشكّله من انتهاكات جسيمة ضد مجتمع البدون، وضد المنظومتين القانونية والسياسية في الكويت، مما قد يدخل الدولة في ’نفق مظلم‘، فإن هذا الأمر تم تجاهله من قبل عامة المجتمع الكويتي، لا سيما ممن يمثلون الشعب في البرلمان والمنخرطين في الحراك الاجتماعي-السياسي الكويتي.

نعم، إلى الآن تم تجاهل الإشكالات التي يتضمنها القانون الذي يقدمه رئيس مجلس الأمة الكويتي لحل قضية البدون، بما في ذلك التناقضات التي يقوم عليها، باتخاذه من نفس الجهاز الذي يزعم أن لديه أدلّة على أن 90٪ من البدون مواطنون لدول أخرى مرجعية له، ومطالبته البدون باستخراج (أيّة) جوازات أجنبية حتى يتم النظر في أحقيتهم للحصول على الجنسية الكويتية. وفقاً لتجارب سابقة فإن هذا يشكّل شبهة متاجرة جديدة بقضية البدون على غرار ’تجارة الجوازات المزورة‘ التي انتشرت على مرأى ومسمع وزارة الداخلية الكويتية والسلطة التشريعية والمجتمع الكويتي منذ التسعينيات، حيث وقع الآلاف من البدون في مأزق ’الأجانب بأمر الواقع‘، ناهيك عن ’صفقة جزر القمر‘ التي حاول مسؤولون في الحكومة بالتعاون مع مستثمرين أجانب توريط البدون فيها عن طريق ابتزازهم بسياسة الضغط النفسي والاجتماعي، لولا مصادفة تحرك دول العالم العظمى. إن لم توقظنا أخطار الممارسات السياسية المرتبطة بقضية البدون إلى فكر وعمل إصلاحي حقيقي، فأي عاصفة ننتظر حتى نخرج عن هدوئنا المريب؟

الحوار الوطني

أول ما يدعو إلى عدم التفاؤل من الحوار الوطني الذي سمعنا فيه مؤخراً أنه يجسد نهج الحكومات المتعاقبة في إقصاء البدون سياسياً وعدم الحوار معهم فيما يخص شؤونهم، على الرغم من توصيات وطنية ودولية، لا سيما تلك التي تقدمها منصة الدفاع عن البدون في الكويت بشكل مستمر، وما قدمته مجموعة كبيرة من أعضاء البرلمان الأوروبي من تيارات سياسية مختلفة في شهر يوليو الماضي (2021) لحث الحكومة الكويتية على فتح حوار وطني مع مجتمع البدون ووقف الانتهاكات التي يتعرضون لها بشكل فوري. ولعل ما يثير الريبة أكثر هذه المرّة أن الحوار الوطني بشكله الأخير اتخذ منحاً خطيراً يضيّق نطاق مشاركة المجتمع الكويتي في فهم ومناقشة مآلات القضايا والقرارات السياسية التي تتعلق بشؤون حياتهم الاجتماعية والاقتصادية بشكل مباشر. هذا الأمر يقوّض حتى الحد الأدنى من فكرة أن ’الشعب مصدر السلطات‘، ناهيك عن كونه يضفي غموضاً على مصير المجتمع الكويتي. لذا، فبالإضافة إلى أن الحوار الوطني لا يبدو وطنياً من حيث الشكل، أخشى أن الهدوء المريب الذي تعاني منه قضية البدون سوف تتبعه عاصفة يقول حينها المواطنون الكويتيون: ’أُكِلنا يوم أُكِلَ البدون‘.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد