dark_mode
  • الأربعاء ٢٢ / سبتمبر / ٢٠٢١
آثار باقية - عبد المحسن

آثار باقية - عبد المحسن

أمتلك اليوم جواز سفر وجنسية بلد يحترم الإنسان بصفته إنسان لا أكثر، بغض النظر عن اسمرار بشرتي التي لا تشبه الآخرين، وهذا الجواز ملك لي، لا سلطان لأحد أن يسلبه مني مهما كانت الظروف، ويحق لي بواسطته دخول ما يزيد عن ثلاثة أرباع العالم دون تأخير أو تعقيد فيما يحتاج الربع الأخير إلى إجراءات بسيطة لدخوله، وعندما أعود إلى بلد المهجر يرحب بي موظفو الجوازات مع ابتسامة صادقة: أهلًا بعودتك إلى وطنك. 
 
وعلى الرغم من كل ما ذكرته، فإنني أرجف من داخلي عندما أصل إلى أي مطار من مطارات العالم وأشعر أنهم سيأخذون جواز سفري مني. هذه العقدة التي لم أتخلص منها كانت بسبب جواز مادة 17 الذي منحته لي الحكومة على مضض، وتأخذه مني كلما رجعت في إجراءات مهينة ونظرات تقليل من شأن حامله كأنني ارتكبت جرمًا أخلاقيًا أو قانونيًا أعاقب عليه لأبدأ بعدها رحلة بين مكاتب الجوازات في ضجيج- داخلي أكثر منه خارجي- في مكاتبها؛ متكلفًا ابتسامة لكل موظف هناك عله يساعد، أو باحثًا عن واسطة، وكثيرًا ما تنكروا لي أو اعتذروا أن النظام لا يسمح.

لا زلت أتحاشى النظر في عيون موظفي الجوازات خوفًا من نظرة استهزاء كالتي كنت أراها عند ختم جوازي ذي اللون الباهت.

لم أتخلص من عقدة الخوف من سيارات الشرطة، فعندما استوقفني شرطي في نقطة تفتيش بعد منتصف ليل العاصمة ليسألني: هل تناولت مشروبًا هذه الليلة؟ فأجبته متوترًا: لا، وفي داخلي إجابة أخرى أنني شربت المر من أبناء جلدتي وأهلي عندما كنت أقود سيارتي بترخيصٍ منتهٍ منذ خمس سنين مضت، وفي كل نقطة تفتيش هناك أضطر إلى شرح قضية البدون من الستينات، وكأن الشرطي الذي يسألني غافل عنها. لا أزال أتحاشى طرق المدينة التي تمر على مراكز الشرطة ولا أزال أرتبك عندما أرى أمامي زحمة سير خوفًا من أن تكون نقطة تفتيش، ولا أزال أخاف على أوراقي الثبوتية من الفقد؛ لإحساسي أنني لن أحصل على بديل لها.

جروح بقيت ندوبها وإن بدا على الجلد أنها برئت ولكنها تعود ندية مع أي نكأة تشبه تلك التي عانيت منها في وطني الأم.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد