dark_mode
  • السبت ١٩ / يونيو / ٢٠٢١
المعلمات البدون | بدون قلم

المعلمات البدون | بدون قلم

مهنة التعليم مهنة شاقة، فالمعلمة أم وطبيبة نفسية ومربية ومديرة للصف وموجهة لسلوك طالباتها، كل هذه المهن تجتمع في مهنة واحدة، الأمر الذي دفعني لإلقاء الضوء على معاناة المعلمات البدون التي يجهلها الكثير، فقد رأيت في مواقع التواصل استفسارات كثيرة عن حقيقة ما يتم تداوله من ظلم وتحيز، وآخر الأخبار التي تكشف مدى ظلم هذه الفئة تهديدها بإنهاء الخدمات إذا لم يتم تجديد البطاقة الأمنية، فما حقيقة هذا الخبر؟ وهل سبق أن مارس الجهاز ضغوطًا على المعلمات البدون للقبول بالبيانات الملفقة؟ 

تبدأ معاناة الجامعية البدون في كلية التربية، حيث يبدأ العد التنازلي للتخرج، الأمر الذي يتشوق له كل طالب جامعي إلا البدون، يزداد قلق الجامعية البدون مع قرب تخرجها، خاصةً في الوقت الذي تمنح فيه إعانة التخرج دون أن تشمل البدون، ينصحها أفراد عائلتها أحيانًا بتأخير التخرج إلى أن تتحسن الأمور، على أمل أن يصبح التعيين فوريًا دون انتظار يصل إلى سنوات، فالحياة الجامعية أفضل من البقاء في البيت بلا عمل ومواجهة البطالة والفراغ، ثم تمضي كل هذه التأخيرات بلا جدوى، ودون وضع حلول لتسريع عملية تعيين المعلمات.

تتخرج أخيراً وأثناء انتظار الوزارة لتفتح باب التعيين تبدأ الجامعية بطرق أبواب المعاهد لإيجاد وظيفة براتب ١٢٠ دينارًا بحد أقصى، وربما لا يعجبها الراتب فتجلس في البيت، بين أربعة جدران، وتحتفظ بشهادتها حبيسة الأدراج بضع سنوات. 

تتنقل الجامعية من حضانة لأخرى، ومن راتب لا يسد الحاجة لراتب آخر أقل منه، ومن معهد يستغل تقاعس وزارة التربية لمعهد آخر أكثر استغلالًا وجشعًا، فتقرر الجامعية البدون أخيرًا أن توقع على بياض خلافًا لرغبة عائلتها بمقاطعة الجهاز المركزي الذي يلفق جنسيات للبدون، وتوافق العائلة على مضض فقط لتتعين ابنتهم لتسد حاجاتها وتخفف العبء الواقع على كاهل العائلة، وتشارك زميلاتها الجامعيات في العمل وتحقق حلمها في أن تصبح معلمة وتحصل على حياة. 

 بعد سنتين أو ثلاث سنوات من الانتظار قد تتفاجأ بسقوط اسمها من كشف التوظيف، وقد يبرر الأمر بأن الاسم سقط سهوًا، "سقط سهوًا" هكذا بلا اعتذار.. سقط سهوًا وكأن الأمر لا يخص بشرًا يحتاجون حقوقهم في التوظيف والعمل وكسب قوت يومهم، يُعامل البدون مثل معاملة قطع الغيار تسقطهم الوزارة "سهوًا" وتستعين بهم متى شاءت، ويفترض أن يمتنوا ويصمتوا ولا يشتكوا من تدني الراتب لأن الوزارة تفضلت بمنحهم وظيفة، وتناسوا أن البدون لهم حقوق مساوية للمواطن دون أي نقصان.

بعد أن تتعين الجامعية البدون تواجه عراقيل جديدة فتجد أن مكان المدرسة يبعد ٤٥ كليومترًا على الأقل عن سكنها، يضعون المعلمة في أبعد مكان رغم وجود مدارس قريبة بحاجة لمعلمات، ولا يوجد مجال للتبرير في هذه المسألة، فالأمر ضمن سياسة التضييق على البدون، بدليل جعل بعض المعلمات يوقعن على "تعهد عدم نقل" مدة ثلاث سنوات.

من أهم الأمور التي تعاني منها المعلمة البدون قلة الراتب الذي لا يتناسب مع مشقة المهنة، حيث تحصل على راتب أقل من راتب زميلتها الوافدة، الأمر الذي يعكس مدى سوء معاملة أبناء هذا البلد الذي شاركوا في بنائه وتطويره وبذلوا كل نفيس من أجله، فلابد أن يتناسب الراتب مع طبيعة المهنة وغلاء الأسعار ويتم العدل بين المعلمات البدون وزميلاتهن، فالعمل هو العمل ذاته وليس هناك مبرر لتقليل الراتب. 

والجدير بالذكر أن المعلمة البدون لا تحصل على إجازة وضع فإن وضعت يوم الخميس مثلًا يجب أن تذهب لعملها يوم الأحد دون أي معاملة خاصة أو تقدير لحالتها الصحية، بينما تأخذ زميلاتها إجازة وضع قد تمتد لفصل دراسي كامل ويتركن أعمالهن لتستلمها المعلمة البدون وتشرح للصفوف إضافةً إلى صفوفها الخاصة بها، فكيف يقبل إنسان بهذا الظلم...! 

تأتي مسألة ندب المعلمة فتُنقل إجباريًا داخل المنطقة التعليمية، فبعد أن رتبت أمورها واستقرت في مكان عملها، وحصلت على مديرة متفهمة لوضعها الحساس، يجري نقلها إجباريًا لمدرسة مجاورة أكثر حاجة للمعلمات، مجرد فوضى أخرى تخلقها الوزارة لتضيق على المعلمات البدون، ولا يتم اختيار غير المعلمات البدون لهذه الحاجة لأن البدون كما ذكرنا "قطع غيار" تستبدل وتنقل من مكان لآخر دون مراعاة حريتها في الاختيار، وهكذا تستمر في التنقل من مدرسة لأخرى حسب مزاج مسؤولي الوزارة، ولا بد أن تكون ممتنة لبقائها في الوظيفة التي تسد متطلبات حياتها. 

تعاني المعلمات البدون بصمت من انقطاع الراتب المتكرر والمفاجئ، وتظن إحداهن أنها الوحيدة التي تعاني من اضطرارها لمراجعة وزارة التربية عدة مرات. تصور أن المعلمة يُقطع راتبها فجأة دون إشعار مسبق، تنتظر الراتب مثل أي موظف لديه مستحقات وفواتير لابد أن يدفعها، فتتفاجأ بعدم نزول الراتب وتراجع البنك فتكتشف عدم نزول اسمها مع بقية الكشوف ولا بد أن تراجع الوزارة، والأخيرة تطلب بطاقة أمنية جديدة فمن تنتهي بطاقاتهن ينقطع راتبهن دون أي إشعار أو إبلاغ...! 

وكما يعرف الجميع أن الجهاز المركزي يجدد البطاقة الأمنية بحيث تكون مدة صلاحيتها ٣ أشهر إلى سنة لا أكثر، وعقد المعلمة البدون مدته سنة فقط، فتضطر لتجديد البطاقة حتى تجدد العقد تحت بند "استعانة بخدمات" وهذا العقد ظالم ومجحف لا يوفر الأمان الوظيفي للمعلمة ويدعها معرضة للاستغلال، والتهديد بالفصل، وعدم الإنصاف في توزيع المهام بينها وبين زميلاتها، وكما نرى يبدو الأمر منظمًا ومدروسًا حسب خطة تجبر المعلمات البدون على تجديد بطاقاتهن كل سنة وإن تم تلفيق جنسيات عليها وعلى عائلتها بأكملها، إذًا الراتب وسيلة للضغط على البدون ليقبلوا بالمعلومات الملفقة. 

ماذا يحصل للمعلمات اللاتي يزاولن عملهن بلا راتب رفضًا لتجديد البطاقة؟ ينفق الأهالي على بناتهن رفضًا لتجديد البطاقة فينقطع الراتب لشهور عديدة. يُصدر قرار بمنع البدون من سحب أموالهم من البنك، فتضطر المعلمة البدون للاستمرار في العمل رغم عجزها عن التصرف بمالها في البنك وذلك على أمل أن تتغير الأوضاع ولكن للصبر حدود...!  تضطر في النهاية إلى أخذ أموالها من البنك وإغلاق حسابها البنكي كما يشترط البنك، فإذا لم تجدد بطاقتها وتسمح للجنة المركزية بتلفيق جنسية أخرى لها ولعائلتها لن يسمح لها بالتصرف براتبها وإن أرادت أموالها لابد أن تغلق حسابها البنكي، وهذا يعني - طبعًا - ترك وظيفتها، هذه نهاية المعلمة البدون التي ترفض أن تكون أداة ووسيلة للضغط على أهلها البدون لقبول تلفيق الجهاز والعبث بالحقائق. 

سياسة التضييق وصلت إلى حد محاولات سلب كرامة البشر ليروا إلى أي مدى يمكن للبدون أن يصبر، إن الضغط على المعلم يؤثر على عمله وإنتاجه ويكبح جماح طموحه ويثبط المعلم عن السعي للتطور، والتأخر في التجنيس يدع المشكلة تتفاقم وتتفرع مما يجعل معالجتها أصعب، بينما تحقق المساواة تقدم المجتمع وازدهاره ووصوله لأعلى المراتب.  


بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
عرض المزيد