dark_mode
  • الأربعاء ٠٦ / ديسمبر / ٢٠٢٣
قلم حبر - راحيل

قلم حبر - راحيل

أنا لا أجاري الوقت، الوقت يجاريني. لا أقصد بذلك الغرور والتفوق على الزمن، على العكس تماماً أنا متأخرة عن أقراني ودائماً ما أبالغ في التفكير وتستحوذ على عقلي الحيرة؛ مثلاً: حين أعمل على أمر ما يتطلب الكتابة بعيداً عن مشكلة المشتتات التي تعد من أسباب التأخر وهي حجة لمدعي التأني! أجد نفسي أبالغ في التمهل حتى أثناء قراءة نص ما، كأني لا أطيق العجلة. حين أبدأ يكتابة تعليق أو حتى مقال لا أعرف كيف أصف لكم حبي لمشاهدة قلمي وهو يتحرك ببطء مشكلاً كلمة ما، لا أكتب عن طريق النقر على لوحات المفاتيح ولا الشاشة إلا إذا اضطررت وليس لعلة في عيني ولا لشيء سوى حب رؤية القلم أثناء كتابتي البطيئة، أستمتع لجماله حاداً. قلم الصغار المبتدئين.

 سذاجة الطفولة ممتعة ذكراها. حين كنت أستعد للفصل الدراسي الجديد بعمر الثامنة متسلحة بمجموعة ملونة من أقلام الحبر، كنت أردد أنا أكبر اليوم باستخدامي لأداة يستخدمها الكبار. لم أنم جيداً ولم أفكر بالكتابة فور اقتنائي لأقلامي الجديدة لأجرب ذلك الشعور المجهول ربما شعور أن تصبح جزء من عالم البالغين، من شدة حماسي لم أفكر في شي سوى شكلي في الفصل وأنا أتباهى بمجموعتي أمام زميلاتي، مجموعة تخبر زميلاتي أنني أصبحت من العاقلين. هكذا كنت أريد أن أتباهى بنفسي، ثرثارة محبة لنفسها. كل أسبوع كانت لي مهنة، أفكر بمهنتي ومستقبلي دائما وكانت رؤيتي لذاتي المستقبلية محفزة؛ كيف سأكبر كاتبة؟ صحافية؟ مديرة في شركة ما أو طبيبة؟ هل من الممكن أن أكون مذيعة؟ أتوق للمستقبل والمجهول. هذه أحاديثي ولا أملها، أسأل زميلاتي كيف هي أنفسكن في المستقبل؟ أحب شكلي الذي رسمته في صغري كابتن طيار أنيقة! لا أعرف ولا أفهم سبب حماستي المليئة وقتها. ينتهي طابور الصباح ولا تنتهي حماستي. حان الوقت أخيراً لأجرب الكتابة بالحبر وفي الحصة الأولى حصة اللغة العربية كنت أنتظر بفارغ الصبر قول المعلمة "الآن اكتبن الدرس".   اخترت اللونين الأزرق والبنفسجي، احترت بأي لون أبدأ كتابة عنوان الدرس! بتصرف ساذج أغمضت عيني حتى وصلت لعدد عشرة! ووقع الاختيار على اللون الأزرق، ابتسمت فوراً لأن هذا كان مرادي منذ البداية لكن تلك الحيرة اللعينة أعاقتني. في هذه الأثناء معلمتنا كان لها رأي آخر، ثمن السذاجة كان هو دائماً صوتها العالي! وبختني أمام الفصل، أردت المجادلة حول الموقف الذي ذكرته سابقاً هل يستدعي التوبيخ لكن عدت لعالم حماستي بسلام، وحين انتهيت من كتابة الدرس بقلمي الجديد نظرت مراراً وتكراراً، أردت أن أعرف لماذا خاب أملي؟ لماذا لم يتغير شكل خطي؟ بل ولم يضفِ اللون أي جمال على الورقة بل على العكس قبحها بسائله، ولم أعرف أي نوع من الجمال كنت أنتظر؛ لكن أدركت وقتها أن تغيير قلم الرصاص أمر بشع. لم يتحقق شعوري ولم أبدُ مثل الكتّاب!

أريد البحث عن نوع آخر، مجموعة أخرى، هكذا ناقضت نفسي اليوم التالي أول مرة. تلطفت والدي ليأخذني لمكان استطيع أن أجد فيه مجموعة من الأقلام المختلفة، وكان لي ذلك، دهشت لجمال الطريق والأشجار تملؤه، لم تسعفني ذاكرتي باسم المحل، إلا أن المسافة كانت بعيدة قليلاً؛ لأن حينها كان أول سؤال يتبادر إلى ذهني لماذا هذا المحل الجميل بعيد؟ الشخصيات الكرتونية وزينة تلك المتاجر، أضواء كثيرة وألوان في كل مكان، كان هذا كفيل باستدراجي!

كان أبي يقف خلفي حين كنت أجلب له أي منتج تقع عليه عيني مشكلاً بشخصية ما وأتحدث عنها بحماس وأنتظره يخبرني بمدى ذكائي ومعرفتي بدور هذه الشخصية وماهي قوتها الخاصة وماذا فعلت وكيف أنقذت العالم وغيرته.  كنت أتحدث بحماس، وهذا ما أفتقده. ملأت السلة بشخصياتي المفضلة وكانت بيل تتصدرهم ومن لا يعرف بيل جميلة الوحش! وبسبب حبي لها قررت امتلاك مجموعة تخصها. نظرت لأبي فاستغربت صمته، اعتقدت نفسي أنه محرجاً بسبب تصرفي المندفع، رغم فوضويتي إلا أني شعرت به يومها، أنه لا يملك شيء. ذهني مليء بالذكريات والأسئلة التي لا تنتهي. قبل يومين كنت قد وجهت له سؤالاً ثلاث مرات ولم يجب إلا بكلمة: "هل منزلنا الذي نسكنه ملكنا؟"، كان جوابه: "منزلنا". لم يشر إلى امتلاكه. عيناه ونبرة صوته المتوترة كنّ علامات على أن كل ما كان يخبرني به لأطمئن كان زائفاً.  أخذه التوتر ولم يصدق معي. صمته يستحوذ عليه في كل مرة نذهب بسلة ما للمحاسبة، عرفت جزء من حقيقة ما وقلت له وقتها: "هناك شيء نسيناه، أنا لا أحتاج لكل هذا، لم ترضني المجموعة الأولى من أقلام الحبر سنأخذ فقط المجموعة الجافة وهذه الشخصيات صورة لا تتكلم ما الجدوى من امتلاك شخصية صامتة؟ كما أنها أيضا مطبوعة بشكل سيء وقصة بيل تحبها العجائز. أنا الجميلة وليست بيل"، هكذا نسيت أمر تلك السلة. 

الآن وبعد أن أصبحت معلمة كان هذا المصير صعب وبعيد عن مخيلتي، لم أفكر في مجال التعليم يوماً، كان هو الوحيد متاحاً بعد عدد من المحاولات الفاشلة فلم يكن إلا خياري الأخير. أتفهم توتر والدي، أعرف الآن لماذا كان يقضي الكثير من وقته يعمل ويتعب. لم تكن حياته سهلة ولم تكن الظروف يسيرة. أدرك صعوبة هذا الواقع المفروض علينا ومهما عملت لا أتقدم ولا يتغير من وضعي شيء وأفكر مرتين وخمس قبل الشروع في الصرف، أتصرف ببطء وأبالغ في تمهلي. كان هذا المصير معقد جداً لا يمكن تخيله، أن أكبر لأصبح معلمة ولا أزاول مهنتي.  

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد