dark_mode
  • الأحد ٠٤ / ديسمبر / ٢٠٢٢
لن أنتحر .. هرطقة مشروعة - بشار العنزي

لن أنتحر .. هرطقة مشروعة - بشار العنزي

شهدت الكويت عدة حالات انتحار في السنوات الماضية بعدة طرق مختلفة، لابد لنا من التوقف عند بعضها لنلتمس تفاصيل ودواعي أوصلت إسماعيل اليافع إلى أن يقدم على إزهاق روحه قربانًا للوطن.. نستذكر من حرق نفسه أو شنقها أو جرحها وغيرها الكثير والكثير من إناث وذكور من هذه الفئة في الكويت (عديمي الجنسية) البدون.

مارست الحكومات المتعاقبة آلية متبعة من ثمانينيات القرن الماضي؛ وهي آلية التضييق النفسي والمعيشي وسياسة الإفقار، معتقدة بأنها سبيل لبعض أبناء هذه الفئة لتعديل وضعه القانوني، ولكن وجدت في المقابل عدة حالات انتحار بسبب هذه الممارسات غير الإنسانية، فلك عزيزي القارئ أن تقيم.. من يملك وثيقة، تثبت بأنه لا يستحق الجنسية، يقوم بتخبأتها أم ينتحر؟!

أعتقد بأن العاقل سيجيب بكل سهولة.. والأحمق سيُعمي عينه نور الشمس ولن يراها.

عندما يولد هذا الطفل المعدم بلا بطاقة، بلا شهادة ميلاد.. ثم يحتاج إلى العلاج فلا تستقبله الدولة بحجة أنه لا يملك إثبات، والجهاز المركزي لمعالجة أوضاع (البدون) لا يكترث لمآسيهم.. وما يهمه هو التضييق عليهم ، فهو يزيف الحقائق أمام مبعوث مفوضية اللاجئين من الأمم المتحدة بادعاء توفر التعليم والعلاج وغيرها، ولك عزيزي القارئ أن تقوم بزيارة أي صفحة في مواقع التواصل الاجتماعي لتجد المناشدات من أبناء البدون طلبًا للمعونة للعلاج والدراسة، وأحيطك علمًا بأن هناك بعض الحالات ممن رفضت الحكومة علاجهم، لاقوا حتفهم شهداء مظلومين بسبب المرض، فأي هوان للدنيا ها نحن به؟ وأي تجرؤ على روح وجسد هو من صنع إله رحيم حرمة الإنسان لديه أشرف من حرمة الكعبة؟!

نحارب الانتحار كي لا يموت الميت الحي قهرًا!

يا لها من مفارقة تستدعي منا عدم السكوت ولا الخنوع تجاه من تسبب بهذا الهوان وانعدام الطمأنينة في نفوس هذه الفئة.

فها هنا هذا الطفل، بلا علاج.. بلا تعليم، ليكون جاهلًا، وبعد حين يصبح شابًا يافعًا، يبحث عن لقمة عيش يسد بها جوعه و أهله، فنفسه عزيزة وأهله أعزاء، عزةٌ اكتسبها من عرقه وواقع تربيته وانتمائه ونضاله وطبيعة حياته التي لا تخلو من حسٍ لمقاومة حرِّ اليوم أملًا بشتاء الغد منذ الطفولة، فلا يقبل الصدقة تكرما كما يقول الباري عز شأنه في وصفهم {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف}، فيتجه لتجارة الأرصفة أو غيرها لأنه لا يجد وظيفة أو عمل، ولا يمكنه أن يكمل تعليمه إما لعدم توفر بطاقة أو لتكاليف لا يستطيع سدادها.. فيتم القبض عليه بتهمة التجارة بدون ترخيص وتجارة الأرصفة ومخالفة قوانين الدولة، غير مكترثين في ذلك القانون لجوعه، فيدخل السجن لفترة محدودة، ثم يخرج فلا يجد مدخل رزق، ليرى إخوانه جياع، ولا يمكنه الزواج، ولا يملك قوت يومه فضلًا عن سنته، وعندما يذهب إلى أي دائرة يعامل بشكل مهين؛ فيرجع لأمه كرغيف مقطع على حضن يتيم جائع لم ينم، يلجأ إلى جنته إلى حبيبة قلبه، فيضنيه تنهدها على حاله، فيعتصر ألمًا على عجزه وقلة حيلته..

لا ينقصه الوازع الديني ولديه عقل ناضج ولكن قهر الرجال يهد الجبال، فعندما تكون عزيز نفس وعاجز في نفس الوقت، تجد نفسك في طريق مسدود، فها هنا تولد فكرة الانتحار والتسليم للموت، لأنه يعيش الموت البطيء، ولأن حياته أصعب من موته، ولأنه لا يحتمل هذا الكم الهائل من الضغط النفسي الذي يولد حالة شديدة من الأسى والاكتئاب. ولكونه بارًا بهذا الوطن يفكر بالرحيل بهدوء بلا أي صخب وفوضى، بغض النظر عن المشاكل الأسرية التي تنتج من هذه السياسة المتبعة، من حالات طلاق وتفكك أسري ومن حالات الجرائم التي يضطر البعض للانجراف لها نتيجة عدم توفر الرزق الحلال. وانطلاقًا من سياسة (لجنة التضييق على البدون)، فلم تكترث الدولة أو تهتم بمعالجة هذه القضية، مجاملة منها للطبقية العنصرية والرأسمالية المغلفة بالرائحة الكريهة، بل زادت من سطوتها حتى على من يطالب بحقه بالطرق السلمية التي كفلها الدستور، فلم يلتزموا بما ألزموا به أنفسهم في مواد الدستور من قانون الجنسية أو الاعتصام السلمي وحق التجمع.

في هذه الأعوام سجلت الكويت حالات انتحار كثيرة، منها حالتي انتحار في اليوم ذاته، مما ينذر بوجود كارثة إنسانية ها هنا، ومن المفارقة أن تلك الأحداث تأتي تزامنًا مع طرح حل من قبل رئيس مجلس الأمة يزيد من سوء الوضع المتراكم على مدى هذه السنين الطوال، وتزامنًا مع تصريحات مستفزة مفادها أن البدون في الكويت أفضل من المواطن في الخارج، مما يُنذر الأطفال والشباب والشيبة، أن لا مفر لكم من الموت البطيء.

لكن نقول تبًا لهم ولما يرمون إليه، بوعي الشياب سنبقى هنا، شوكة في فم الظالم، ما دمت أنت ودمتُ أنا حاضرًا، لا لست أرضخ، سأتنفس، سأقاومكم بوجودي، بإصراري ، بإبداعي، فالحق أولى أن يُتبع والباطل أولى أن يترك وليعلم الحالمون بموتي، أن بكاء أمي أشرف من نشيد الدولة، فوطني هو تراب هذه الأرض، ودولة الأوراق لا تعنيني.

ما زلت معدمًا من العشيش إلى الصفيح، لكنني سأبقى هنا (مصدر إزعاج لكم) ما بقيتم، ولن أنتحر...

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد