dark_mode
  • الأربعاء ٢٩ / مايو / ٢٠٢٤
النمر الذي تحول إلى قط - سارة العتيبي

النمر الذي تحول إلى قط - سارة العتيبي




في إحدى صَباحاتِ ديسمبر الندِيَّة، أَخَذْتُ أَعدُو مُسرِعة لحضورِ مُحاضرة مَليئةٍ بالفلسفَّة، وفي لحظةِ وُصولي للقاعَّةِ إذا بالطلبةِ يستعِدونَ لتقديمِ العروضِ التقديميَّة بلهفَّةٍ وجِديَّة، فجلستُ أتذوّق حَلوى البرقوق وأنتظِر ابتِداء العُروض، وفجأةً شَمَّرت المُعلِمة بالوقوف وأشَّرَت بإصبعِها إلى الطالِب البائِس بالزاوِية، وأكدَّت عليه بصوتٍ جَهوريْ بأنهُ أول من سيُقدِم عرضًا تقديميًا لنا، كانَ طالباً هَزيلاً ذا شعرٍ لولَبِي فاحِم السَّواد، فَهَمَّ إلى شاشةِ العرض بتريُّث وتَمَسَّكَ بأوراقهِ مُتعرِق اليديّن، و خَرَّ على رُكبَتيّه، وعَرَّفَ عن نفسِه بصوتٍ مَبْحوح: "أهلاً بكُم جميعاً، مَعَكُم النمِر الذي تحوَّلَ إلى قِط."، فانفَجَروا ضاحِكين وبانَتْ وَشْوَشات شامِتة وخليطٌ من الهَمسِ والضَحِك، وسُرعان ما تَجَهَمَتْ المُعلمة وزمَّت شفتيّها تَحمَلِقُ بالطالِب!، أمَّا أنا كُنتُ سأغُصُ بِحَلوى البرقوق مِنَ الذُهول، تَبَسَّم بِبُرود وقال: "نعَم، النمِر الذي تحوَّل إلى قطِ. كانَ هذا عَرضي ودرسي المُصَغَر، قيمة مُستفادَّة بأقلِ مِن ثانِيةٍ واحِدة، فمُعظم البَشر يُشبهون النمر في طبعِه وجَسارتِه وسُرعته الفائِقة وسجيّتِه القويَّة واكتِفائه التام بِذاتِه. كالعادةِ قويّ الشكيمة وأنوف يعِرفُ كيفَ يحصُل على كُل ما يُريد ويُخاطِر في سبيلِ اقتِناصِ الفُرص، إلى أن تعثَر وسَقَط وتحوَّل إلى قِط، قِط يملأُه الذعر والخجل والتردُد والانطوائِية، القِط الذي يخاف الخروج حتى من المَنزِل ويغمُره الجُبن، فمِنَ الطبيعي أنَّ تَحوُّل النَمِر إلى قِط سيَجعل من حولَه بتِلقائِية يَهيمونَ بالتَّهَكُمِ والاستِصغارِ والضَّحِك، رُغم أنهُ كانَ نمرًا يوما ما!!

المُستفادُ مِن الحِكمة بأنَّ الإنسان يُشبه النُمور بكل ما تحمِلُ مِن مُميزات وإنْ سَقط أو فَشَل يوماً ما ستِجد وشوَشاتٍ ضاحِكة مُستمتِعة، عليكَ يا ابن آدَم أنْ تُخفِي نِقاط ضَعفِك ومواطِن عَجزِك وتستمِرُ بالمُحاولة مهما كلَّفك الأمر، وإياكَ والشَكوى والحُزن فإنها لذَّةٌ في أعيُن الخَصم، أما الفَشل بعد حلقاتٍ مُتشابِكة من النجاحِ والتميُّز ما هيَ إلا طبيعة للعُمر!، تَناص مع بيتِ المُتنبي عندما قال في قصيدَتِه: "أَبلَغُ ما يُطلَبُ النَجاحُ بهِ الطَبعُ وعِندَ التَعَمُّقِ الزَلَلُ"، فتأكَّد بأن الفشل مُحتمل في كُل محطاتِ الحياة، فلا تلتاعَ أو تَجزَع وتُصاب بنوبةِ يأس، قد تزورُك الخيبة والهزيمة وباقةٌ مِنَ العجز والإخفاق، اعلَم حينها بأنك على المسار الصحيح، وتذَّكر بأنهُ لا يوجَد صعود وطُلوع بلا عقبات ومُعضِلات، و مِنَ المُحال أن تتقدَّم دونَ أن تسقُط أو يزورُك الفُتور ولوْ لمرَّة، هي طبيعة حياتية وعدالة كونيَّة نَشكُر الله على وُجودِها، فلولا العقبات وكبسولاتِ الفشل لأصبَح العُمر مُملاً يشوبُه التقاعُس والاعتياديَّة، وسينقَضي التطور وستُحرَم ذواتُنا من النهضة، ومن الأجدَرِ أن نقول ستندَثِر لذَّة الفوز وستغيبُ مِن أعيُنِنا روعةُ التغيُّر، لولا الفشل لذابَت لهفةُ العَزم وسيَخِفُ ضوء النفِق عمداً قبل الوصول. مِنَ الطبيعي أن يتعثَر الإنسان ويخرُّ على رُكبتيه مرةً كُل عام أو مرّتين، رُبما ثلاث أو عَشر!، ولكنهُ لا يُصبح فريسةً سهلة في يدِ الحياة، قاوِم بِشدة و خبئ كُل عثّرة وترَّقب كُل الفُرَص كما يترقبُ النمِر فريستَه بِمُتعة، ومِن هُنا:" أقول لكم شُكراً لحُسنِ استِماعِكم"، سادَ هُدوءٌ مُريب وكانَ الجميعُ ينظرونَ إليهِ سارِحين بشعرهِ اللولَبيْ، فإذا بالمُعلمة تقِف وتُصفِق بحرارة ومُنذ ذاكَ الصباح وحِكمةُ النمِر تتجوَّل في الممرات بِلا توقُف.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد