dark_mode
  • الأربعاء ٠٨ / فبراير / ٢٠٢٣
نظرة في داخل العقل العنصري - فهد حمزة

نظرة في داخل العقل العنصري - فهد حمزة

تعتبر العنصرية نوع من أنواع التنمر وتفند تحت بند التنمر العنصري وهو ذلك النوع الذي يعتمد على فكرة التمييز العنصري ويحدث هذا التنمر بسبب اختلاف العرق أو الأصل أو الدين أو اللغة وغيرها.

حين تظهر تلك الأعراض والممارسات من أشخاص يفترض أنهم في مرحلة موزونة وعاقلة من العمر وعلى درجة كافية من الإدراك والوعي فذلك ينبئ بخلل إما شخصي وإما هو خلل عام سياسي او اقتصادي وسأورد شرحا مختصرا لكل حالة.

واقع العنصري الشخصي:

 وصفت ذلك العنصري بالمسكين حيث أن دراسات عدة أظهرت أن من يمارس هذه الظاهرة هم الأشخاص ذوو النفوس غير السوية فهم يعتقدون أنهم باتخاذ مثل هذه المواقف سيحصلون على مكانة معينة وقبول ورونق يضفيان عليهم طابع انتمائي أكبر لمحيطهم ويعود ذلك غالبا إلى الطفولة التي ينتمي إليها هؤلاء الأشخاص فهناك "طبخة كارثية" ينتج عنها هذا النوع من الأطفال المتنمرين والذين يبحثون ذلك الشعور لاضطهاد غيرهم ويبحثون عن تلك التجمعات لينضموا إليها رغبة منهم في استجداء شعورهم بالتميز والتقدير لأنفسهم.

وعناصر تلك "الطبخة" متنوعة بين أن يكون الطفل يعيش بين أسرة متنمرة توهم أطفالها بأنهم متميزون وأنهم أفضل من أقرانهم فيكبر ذلك الطفل ويدرك أن لا شيء يميزه سوى الشعور المَرضي الذي زرع به فيستمر بالبحث عن طرق لإشباعه، أو أن يكون قد عانى من انشغال ذويه وإهمالهم أو لربما كان هناك تنمرا ضده في بيته بين تعنيف وعدوانية واضطهاد ولربما حتى أنه قد تعرض لاعتداء ما يجعل ذلك الطفل ينشأ شرسا معتديا يحاول أن يكون ذا سلطة تمكنه من الحصول على ما يريد حتى لا يعود لذلك الإحساس بالخنوع والإهانة.

كما قد يعبر الأطفال أحيانا من خلال إساءتهم للآخرين عن نقمة وغضب يعودان إلى حنقهم على وجود ممارسات آذتهم في حياتهم وظنا منهم أن الآخرين لم يعانوا ما عانوه من مشاكل أسرية.


من منظور آخر نجد هناك التوظيف السياسي للعنصرية:

وهنا مثال حي قريب من تاريخنا المعاصر رأينا من خلاله كيف أن تبني مبدأ عنصري ونشره ومزجه بالوهم التأثيري على فئات معينة من المجتمع تجعل هذه الفئة قابلة للسيطرة والتحكم وتزرع بها ولاء للمنظومة التي أنشأت تلك النزعة العنصرية كما حدث في "الحركة النازية" ففي هذا المثال نجد أن الفكر العنصري قد أوصل أصحابه للسلطة وليس العكس ولذا كان هناك استخدام كبير للإعلام لزرع هذه الأفكار المتطرفة وتنميتها واستخدام تقنيات التلاعب بالجمهور للتأكد من ديمومة ولائهم لتلك المنظومة وهذا ما أبدع به وزير الدعاية في ألمانيا النازية (بول يوزف غوبلز)، وكما نرى اليوم أن مدرسة "غوبلز" لا زالت مستمرة باختلاف فشل ممارسيها وتدني مستوى ذكائهم عن "غوبلز" فهناك الكثير من الإعلاميين الذين يرمون أنفسهم في أحضان أي منظومة فكرية.

أما من الناحية الاقتصادية فهناك أيضا دور كبير في توظيف العنصرية لتحقيق منافع اقتصادية غير مشروعة من خلال هذه الممارسات وهناك أمثلة على ذلك.

إبان (الفتح الكاثوليكي في القرن السادس عشر) والذي جرى على يد "كريستوفر كولومبوس" حين اكتشف القارة الإفريقية والذهب الذي كانت معابد "الإنكا" تمتلئ به وهنا عمد الفاتحون الأسبان والبرتغال إلى اضطهاد الشعوب التي كانت تسكن المنطقة ونشر العنصرية ضدهم والتقليل من شأنهم بوصفهم "بالبهائم" وغير المتحضرين والمتوحشين لخلق مبرر اجتماعي لإبادة عرقهم وقتلهم للحصول على الذهب وبالفعل حدث ذلك في أسوأ تاريخ دموي حدثت فيه تصفية عرقية وكان هذا سببا في أن أغلب شعوب العالم المتحضر طالبت بإلغاء الاحتفال في "عيد الهيسبانيدا" كما ينطق باللغة الإسبانية والذي كان يحتفل به بأنه عيد توحيد الهوية وتجمع شعوبا كثيرة وتلافيها إلى عيد يصف الانتهاكات والمجازر التي حدثت لأهداف جشع وطمع اقتصادي راح ضحيتها عرق كامل.


وتم هذا الاستغلال الاقتصادي حين بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بإنشاء مزارع قطن شاسعة واستغلال فئات كبيرة من البشر الذين ينتمون لدول إفريقية من العرق الأسود واستهلاك قواهم كاملة واستباحة حرياتهم وحتى أعراضهم بطريقة بشعة وساعات عمل لا تنتهي دون أجر إلا من سعر يتم دفعه لتاجر مقابل استعباد هذا الإنسان وقام الاقتصاد الرأسمالي بتبرير كل تلك الممارسات عن طريق خلق وعي عام بأن تلك الفئة من البشر خلقت "عبيد" ونحن خلقنا أسياد لهم حتى أن بعض المنتمين "للعرق الأسود" هم أنفسهم صدقوا ذلك. 

تبقى في النهاية كل تلك الممارسات المجتمعية الشاذة هي ذات أهداف غير سوية ولا يمكن استخدامها اليوم إلا مع فئات مسيرة وجاهلة لا يحملون أي إدراك لمكانتهم بين البشرية في هذا العالم وأما من يشجعها من الحركات المنظمة فهي لا بد أن تحمل أهدافًا استغلالية ممنهجة مدروسة ومن الأجدر أن نعي أن تلك الممارسات عبر التاريخ دفعت شعوبًا وأممًا كثيرة للتراجع والتدني كما قضت على دول ومماليك عديدة ولم يسلم إلا من تجاوز وسيطر على هذا الوباء قبل استفحاله.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد