dark_mode
  • الأربعاء ٠٨ / فبراير / ٢٠٢٣
قصة سقطت عليّ أول قطرة - أبرار عبد العزيز

قصة سقطت عليّ أول قطرة - أبرار عبد العزيز


-        "مستعجلة أنا جداً، أسْرِع خُطاك يا ولد."

لم تنْتظر رداً، كانت قد ابتعدتْ عنه مسافة بضعة أمتار، لحِق بها مهرولاً:

-        "هل ستشْترين لي ما وعدتني به؟"

"فقط إنْ أسرعتَ وأطعْتني." خرجتْ الكلمات سريعة أيضاً.

قال محتجاً:

-        "أنا أطيعك دائما، حنان هي من لا يسمع الكلام."

دون أن تعلّق:

-        "هيا أسْرِع قبل أن يسقط علينا المطر."

نظر للأعلى وخطاه تتسارع ليمشي بحذائِها... كم هي صعبة مهمة طفل مع أم مستعجلة!

سأل:

-        "كيف عرفتِ أنّ المطر سيسقط؟!"

-        "لقد نَظَرْتَ للسماء صح؟ كيف تراها؟"

نظر مرة أخرى..

أبطأتْ رتم خطواتها التي كانت أقرب لأن تكون قفزا لا مشيا، توقّفتْ، علّقتْ رقبتها مثله صوب السماء:

-        "انظر إلى الدخان الرمادي الذي غطّى السماء."

فتح عينيه أكثر، ثم هتف بدهشة من اكتشف للتو شيئا:

-        "صح إنّها رمادية."

-        "هذه غيوم."

-        "أليستْ الغيوم بيضاء؟!"

-        "هذه من نوع آخر."

أكملتْ وقد تحرّكتْ قدماها مرّة أخرى:

-        "وإنْ لم نتحرك سريعا فستغرقنا هذه الغيوم بمطرها."

أمكنه القبض على طرفٍ لشيلتها يسبح طليقاً في تيار وراءها.

-        "أمي.. أمي.. هل يقدر المطر أن يغرق أحدا؟!"

كانت قد تركتْ المطر جانبا لتغرق في أشياء غيره.

 انفجرتْ في وجهه فجأة:

-        "ماذا تريد يا ولد؟"

بحنق شديد قال:

-        "أكلّمك ولا تردّين عليّ."

-        "ماذا تريد؟"

-        "هل يقدر المطر أنْ يُغْرِق أحدا؟!"

"نعم.. إنْ كان مطرا قويا، وإن لم نحتم منه." بنفاد صبر.. بصراخ تقريبا.

غير آبه قال:

-        "هل تعرفين أحدا أغرقه المطر؟"

-        "لا. ولكنّني سمعتُ عن كثيرين."

-        "آخ.. هنا عندنا؟!"

-        "نعم. ولكن حصل ذلك في زمان قديم."

-        "آخ.. متى؟! وأنا موجود؟!"

-        "قبل أنْ تولد أنت، وقبل أنْ أولد أنا، قبل أن نولد كُلّنا، حصل ذلك في زمان قديم، قديم جدا."

-        "آخ.. كيف؟!"

-        "لن أنتهي من هذا الأمر، أعلم ذلك."

غرقتْ مرة أخرى في أشيائها الأخرى.

أمّا هو فقد غرق مع المطر الذي أغرق الناس عندنا قبل أنْ يولدوا كُلّهم.

انتظرَ كثيرا لتنْتشِله:

-        "أمي.. أمي.. أمي."

تباطُؤُها بدا له تواطؤ:

-        "أمي أمي أمي أمي أمي أمي ....."

أصوات مزعجة، متطابقة، متلاحقة، أكثر بكثير، مما كُتِب هنا صدّقوني.

هذه المرة كانت على وشك أن تخنق أحدهم، ليس هو بالتأكيد، لا بدّ أن تكون هي ذلك الـ "أحدهم"، بل إنّه هي بالتأكيد، فهي أم، والأم ليس لها سوى أنْ تخنِق نفسها.  

أفلتتْ صرخة مخنوقة، جرفتْ معها كلمات مخنوقة أيضا، لترتطم بوجهه:

-        "ماذا تريد يا ولد؟"

غير مبالٍ مرة أخرى، وكأنّ صرخة موءودة لم تُزْفر تواً في وجهه، قال:

-        "أمي.. أمي.. تعرفينهم هؤلاء الذين أغرقهم المطر؟ وكيف؟ ألم ينقذونهم.. الشرطة؟ هه.. رأيتهِمْ أنتِ وهم يغرقون؟ هل كانوا يصرخون ويبكون؟ كانوا خائفين صح؟ لماذا أغرقهم الله؟ أنا كنتُ سأتسلق الشجرة مثل ماوكلي ولا أدع المطر يأتي إليّ، ألم يخبرهم أحد أنْ يتسلقوا الشجر.. مثل ماوكلي فتى الأدغال؟ هناك أشجار كبييييرة بالشارع أنا رأيتها...."

شريط ممتد، ويمتد.

"لا مهرب."، قالتْ.

 أمْسكتْهُ من يده، أخذتْ تبحث عن بؤرة تصلح للجلوس، جرّته إلى حوض إسمنتي قاحلٍ أمامهما، أجْلسته وجلستْ بجانبه على حافته الضيّقة العالية، لم تبال بأخاديد الحافة الممتلئة ترابا، ولا بالبقع المتباينة الأشكال والألوان التي انتثرت على وجهها، لا مفرّ من اقتراف التضحية وكانت تقترفها.

 وبدأتْ:

-        "أنت تعلم يا حبيبي أنّ المطر نعمة من الخالق عزّ وجلّ، ورحمة منه ليس للناس فقط، ولكن أيضا للحيوانات والنباتات، ولغير هؤلاء من كائنات الرحمن في هذا الكون الواسع.. صح؟"

-        "صح،- هزّ رأسه موافقا- ولكن هل هناك كائنات أخرى في الكون غيرنا نحن والحيوانات والنباتات؟!"

كادتْ أن تفعل شيئا غير جدير بأم أنْ تفعله، تمالكتْ أعصابها بصعوبة واضحة.

أكملتْ:

-        "ربما، أنا لا أعلم، في هذه اللحظة بالذات أنا لا أعلم شيئا، هل هذا يرضيك؟! حسنا، ولكن يحدث أحيانا أنْ يسقط المطر بشكل كثير جداً، وكبير جداً على مكان ما، فيتجمّع ويصبح ماؤه عاليا بحيث أنه قد يغرق فيه أحدهم، ألا تسمعني حين ينزل المطر أقول اللهم صيّبا نافعا.. أي أنني أدعو الله أن يكون المطر نافعا ولا يضّر أحدا و...."

قاطعها:

-        "ولكنك تقولين دائما أن المطر نعمة ولا..."

     قاطعته بدورها:

-        "هو نعمة طالما أنّ الله أراده كذلك لنا، لذا نحن ندعوه كلما سقط المطر أنْ يجعله نعمة لا نقمة."

-        "ماذا تعني نقمة؟"

-        "نقمة تعني أمر ضار."

-        "مثل الغرق يعني؟"

-        "نعم مثل الغرق."

كان يفكّر وكانت تفكّر...

     نظرت في عينيه قائلة:

-        "حتى النقمة التي يكتبها الله على عباده لسبب ما، هي في الحقيقة نعمة وفضل منه، وتجسيد لحبّه لنا نحن عباده، لأنّها تقربنا إليه، وتعلّمنا كيف نحبه، وكيف نحب أنفسنا كذلك."

-        "يعني الذين غرقوا في المطر الله يحبّهم؟!"

-        "الله يحبنا كُلّنا.. المهم أن نحبه نحن."

-        "وإذا أحببناه لا نغرق؟"

-        "نعم، لا نغرق."

-        "كيف نحب الله؟ أنا أحب الله.. دائما أقول أنا أحب الله."

-        "لا يكفي أنْ نقول، يجب علينا أن نعمل كذلك. يعني يجب علينا أنْ نطيعه وندعوه ونستغفره."

-        "أنا دائما أقول أستغفر الله.. أمس جعلتني حنان أقول شيئا سيئا فقلت أستغفر الله ألففففف مرّة."

قالتْ:

-        "وماذا تتوقع أنّ الله سيفعل؟"

-        "هل تريدين أن تعرفي ماذا قلتْ؟"

-        "لا، ليس لديّ مزاج لهذا.. والآن قل لي ماذا تتوقع أنّ الله سيفعل؟"

-        "سيسامحني الله."

-        "عافاك من ولد شاطر."

تهلّل وجهه بأسارير بهجة عارمة، كما هي بهجة الأولاد حين ينطق كِبارهم بفخرهم بهم.

  بقيَ صامتا، يتراقص في عينيه فخر أمه وحب الله له.

 هبّت نسمة حييّة في برودتها لفحتْ وجهيهما، طافتْ على عجل حتى ليُشَكُّ أنها طافتْ لولا أثرها الدامغ، إنّه نوفمبر المجيد، الأرض الخصبة للعتمات الشهيات، وللنسائم العذبة التي تلثم الأرواح فتزداد الوجوه تألقا، كانتْ تتأمّل عينيه الواسعتين، إنّ لهما نفس العينين، وذات اللون العسلي المشعّ الآسر، من المحزن حقّا أنّ تينك العينين المشعّتين يمّر عليهما وقت تنطفئان فيه، يهْفت نورهما، تستسلمان لغلالة معتمة، فتنغلقا على روح شقيّة، أيعلمُ أنّ في ذلك عقابا كاف لها إنْ كانت تستحق عقابا ما؟! أن تنطفئا أمام ناظريها، أيعلمُ أنّها أحبّتهما من أول ارتعاشه جفن؟ من أول محاولة هروب من نهرهما العسلي؟

 تسلّل حزن شفيف لقلبها، كالذي يدهمنا ساعة تَعْبرنا الشمس قاصدةً مكْمنها، تاركة للكون في ذيلها خيوط ضياء سرعان ما تلتهمها الحلكة.

أشاحتْ بوجهها، عيناه لا تزالان تتطلّعان إليها باتساعهما الشاسع ولونهما الآسر، والكون لا يزال دائرٌ من حولهما، لا موقِفَ لحركته، ولا مُفتّر لسَيْره، كُلّ ميسّر لما خلق له، قامات تُسابق الزمن وأشياء أخرى.. مثلما يفعلان.

وقع نظرها على قطة قابعة تحت حوض إسمنتي أجْرد آخر على يسارهما، راقبتْها وهي تمُطُّ رأسها الكروي لتتثاءب، ثم بكل دعة وخدر، أرجعتْه لمكانه بين قائمتيها الأماميّتيْن الممدودتيْن، كانت ذات لونٍ بئيس أيضا قطة الشارع التي هاجمتها قبل فترة لسبب تجهله، وصارت الآن تخاف أمريْن، القطط والبشر، وإنْ لمْ يكن لها غير تجربة أليمة واحدة قابعة في ذاكرتها تجاه الجنس الأوّل، فهناك أكثر من قصة حفرتْ عميقا في نفسها تجاه الجنس الثاني، لتمتد لخوفها جذورٌ صعبة الاقتلاع.  

تابعتْ القطة الناعسة، الأرجل تجيء وتروح من أمام قائمتيْها، وعن يمينها وعن شمالها، ومن خلفها، ولا يتحرك لها ساكن سوى ذيلها، من باب الضجر ربما، وستائر عينيها، حسرتهما وأسبلتهما بضع مرّات بخفر يذيب الصخر: "يا لها من مغناج.. إنّ فيها كمّا من غنج ودلال ووداعة لو وزّعت على نساء الأرض لكفتهم."

ارتسمتْ ابتسامة سخرية على محيّاها من خاطرها هذا.

"أَوَصل بها الحال لأن تغار من قطة.. هذا إن كانت قطة لا قط؟!"

"وأجمل ما فيها أنّها تأتي ذاك الفعل بمنتهى الطبيعية، بلا تكلّف ولا اصطناع، وإنْ نحيّنا جانبا اللون البئيس الذي لا يعدو أنْ يكون نتاج عوامل تعرية شديدة الوطْء، فإنّ النّاظر إليها لتقْتحم قلبه المتعة بلا استئذان."

تتابعتْ سلسلة خواطرها.

 ألقى أحدهم للقطة بلقيْمات، قامت متسربلة بخفّة وأناة الأميرات، شمْشمتْ، ثم بدأت تنتش بلا عجل الكتل المرميّة، وكأنّها أحسّت بالعينين اللتين تراقبانها، رفعتْ رأسها الصغيرة متفرّسة، سحر عينيها لا يمكن تجاهله، وحشيٌ رغم الوداعة التي تحفّه.

 وهي تتابع عرض الوداعة هذا، خطر لها كم من الصعب التصديق أنّ وحشا ضاريا قد يكون رابضا بين طيّاتها، إنّ خيالها يدفع للأمام وبقوة، مشهد قطة بيت أبي داود وهي تأكل صغارها، أولا تلْتَقِمُهُم من أعناقهم، تغرز أنيابها لتتحطم عظام الرقبة، ثم تمضي بهم كخرق واحدا تلو الآخر لتكمل ما بدأته في زاوية.

 حاولتْ أن تتذكر بالضبط ما قاله ساعة حكى لها (في مرّة من مرات تفكّرهم في الدنيا وأحوالها) عن قطة بيت أبي داوود التي أكلتْ صغارها، هل قال أنّها انتزعتْ قطعة من كل واحد؟ أم أنّها التهمتْ هيكلهم ولم تُبقِ سوى فراءٍ مبللٍ بالدم؟! لم تتذكر الكثير من تفاصيل المجزرة، التي من المحتمل جدا أنْ يكون مرتكِبُها هو نفسه راويها، لقد سمعتْ الكثير عن شقاوته ولداً، الكثير مما شاب له رأس أمّه. انتفضتْ متقزّزة.

 أدارتْ رأسها ناحية الآخر، كان شاغلا نفسه بمشاكسة نمل سيء الحظ، رفعتْ قبعة للشيب الذي سيغزو رأسها إنْ عاجلا أو آجلا.

عادتْ للجميلة الوادعة:

"هل يمكنك يا هيفاء أكل صغارك؟ هل سيأتي يوم تلْعقين فيه الدماء المُلَطّخة لوجهك وتتجشّئين آخر نتف اللحم العالقة في بلعومك؟!"

وكأنّ التساؤل وصلها بطريقة ما، رفعتْ القطة رأسها الكروي تجاهها، نظرة متسائلة مقابل نظرة وحشية غامضة اللون والمضمون.

"ستفعلين.. أليس كذلك؟! إذا حان وقت الفِعْل ستفعلين، حاجتك ستسيّرك، ستفتحين فمك، وستطبقينه بقوة لتنغرس أنيابك في العظام اللينة، لا اعتبار يعلو لديكِ فوق نداء الغريزة، وهو سقف كفايتك. ولكن ماذا عنّا نحن الجنس الثاني، أيّ اعتبار هو سقفنا؟!!"

تتذكّر جيداً صرختها في وجهه:

"هل أبيع نفسي؟"

وكيف لها أن تنسى.

"الأخلاق رفاهية الأغنياء."

اقتحمتْ رأْسها تلك المقولة، سمعتْها من إحدى الناشطات في محاضرة تكلّمت فيها عن جملة قضايا إنسانية في البلد، كان أوّلها وأهمها قضيتهم المركونة منذ عقود على رف (قيد البحث والتقصيّ)، أضافت قائلة أنّ الفقراء لا يملكون ما أسمته (كود أخلاقي).

 لم يعْنِها حينذاك السياق الذي قيل فيه الكلام، ولا إنْ كانت تلك الناشطة تنقل عن غيرها، أو تعبّر عن رأي شخصي، أو تتناول موضوعا ما من جميع زواياه، انعقد لسان فهمها عند المقولة، صدَمَتْها، لها سقط مدوي على السمع.

"هل لا نملك كود أخلاقي، هل نحن بلا أخلاق ؟!!!"

هم من زمرة الفقراء، هم حتما من زمرة الفقراء، وإنْ كانت لا تعرف للفقر معنىً سوى الحرمان، فهم حتما في الدّرك الأسفل منه، هم من المحرومين، دُمغوا بالحرمان دمغا بطرق شتى، حتى لتُشَمّ رائحته فيهم مهما حاولوا إخفاءها، وفقرهم من النوع الشرس، لأنّ حرمانهم من النوع الشرس، معاوله في ازدياد كلّما جرّوا نفساً على هذه الأرض.

"تبا لكل الحدود، تبا لكل الحروب، تبا لكل القوانين، تبا لكل أوراق الدنيا."

سمعتْ نفسها تصرخ.

"بعت كل شيء عندي.. لا أملك سوى نفسي هل أبيعها؟" كان يقتلها اليأس يومها.

وبكتْ، بكت كثيرا، بكت نفسها التي عرضتها للبيع، حتى لو كان ذلك بمجرد الكلام، إنّ الكلام ليقطع نياط القلب أحيانا أكثر من الفعل نفسه، بكتْ إشفاقها عليه، بكتْ انطفاء نور عينيه ووهجهما أمام ثورتها، العينان اللتان تستقي منهما فرح عمرها وأمانه، على سجّادتها بين يدي الله وقفتْ تشهق سكرات يأسها، وغضبها، وحزن روحها، استغفرتْ الله كثيرا، لم تكن ترجو العفو فقط، كانت تلجأ لرحمته إذ قنط البشر برحماتهم.

كان معهما حين أحبها وأحبته، لا يذهب طعم تلك اللحظة أبدا، بل إنّه يزداد وضوحا وقوة مع الأيام.

"هيا لبيت خالتك نعيمة". قالتْ أمها.

لمعت هناك عيناه في وجهها عند الباب، كان ذاك فقط، خطْفة الضياء تلك لا غير.

لمّا أتتْ حنان، طار فرحا بها، كانا قد اتفقا على إنجاب طفل واحد.

"ارتكبنا ما يكفي من إثم بزواجنا، دعينا لا نرتكب مزيدا من الآثام بجلب أولاد لدنيا لا تريدهم."

كان يدعو الله أثناء حملها أن يكون الطفل بنتا، استغربت منه ذاك الرجاء.. "والولد؟" كانت تقول له "ألا تريده ولداً؟!"وظلّت تتوجع بعدها زمنا لمّا ردّ بأنّ حِمْلهم يفطر قلوب الرجال.

لمّا حملتْ ثانية، لم يفلح في مداراة ضيقه، غضبتْ لكرامتها، واجهته رغم تعب الوحام الذي أرقدها لأسابيع:

"ما أنا إلاّ أرض لغرسك." قالت له: "كفّ عن الزحف على جسدي إن لم يكن باستطاعتك تحمّل عواقب متعتك، لست عشيقة ولا عاهرة أنا زوجة، رحمي يحن للولد شئت أم أبيت."

 ذكّرها باتفاقهما، بحياتهما، بوجودهما، ثم خرج تاركا فتات مرآة غرفة النوم يجلجل وراءه.

التفتتْ فزعة. كان الصغير مقرفص عند زاوية الحوض، يلاحق فرقة من النمل إلى مسْكنها.

"يا له من مثابر."

 رفع رأسه فتلاقت عيونهم، ابتسمتْ تردّ له ابتسامته الوارفة.

كم هو عزيز على قلبها، لقد حاربتْ من أجله، وإنْ كانت قد غفرت لأبيه ضيقه به، فإنّها لم تغفر للكثيرين الذين استكثروه عليهما، كانت ترى في أعينهم لوما أقرب للتجريم، لقد خرقا السياج الشائك للأرض المحرّمة وتناولا حصة إضافية من الحب والتكاثر.

"نعم لقد خاضت أُمك يا صغير حربا من أجلك، من أجل أن تنبض مضغتك ومن ثَمّ ترفس داخلها، من أجل أن تنفصم روحك عن روحها، من أجل أن تسمع صرخة الميلاد، من أجل أن تشم وتلمس على جلدك الأحمر الناعم رائحة البكارة، من أجل أن تضعك على صدرها وتُلْقمك حلمتها، من أجل أن تأخذ بيدك إلى الدنيا وتعلمك أشياءها.. لم تكن حربا واحدة في النهاية، كانت حروب، وما زالت أمك تحارب يا صغير.. ما زالت تحارب."

رفعتْ رأسها للسماء الرّمادية.

فتحتْ حقيبة يدها، كوّمتها في راحتها، تلمّست إطار شكل القلب، لامته طويلا عندما أخرج العلبة المخملية من جيبه، سأعوّضك عن كل خسارتك، قال لها وأنفاسه الحارة تلثم عنقها، طوّقها بها بيديه، ظلّ يتأمّل جيدها، صارت أحلى، قال والنهر العسلي يترقرق لامعا.

 سيغضب ويثور، لكنّها لن تهنأ وظلال شقاء في ظلّه، حتى لو كانت وهماً.

ابتسمتْ راسمة أوسع ابتساماتها.

لوّحتْ بيدها ليأتي عندها، وضعتْ كفيّها في كفّيه:

-        "انظر في عينيّ جيدا ولا تنسَ ما سأقوله لك أبدا، سأقوله لك ولنفسي، فإن رأيتني في يوم قد نسيته ذكّرني به.. اتّفقنا؟"

نادَ برأسه موافقا، ثم رفع إصبعا في وجهها فجأة قبل أن تستأنف كلامها:

-        "سأفعل بشرط.. أن لا تغضبي مني وتصرخي إنْ فعلتْ."

ابتسمتْ وقالت في نفسها: "أشريرة أنا إلى هذه الدرجة؟"

-        "حسنا لن أفعل صدّقني، ولكن تذّكر أنْ تفعل ذلك بشكل لطيف وسأشكرك حينها من كل قلبي."

رفع إصبعه الصغيرة مرة أخرى في وجهها:

-        "وعد؟"

-        "وعد."

كانت تريد وبشدة تقبيل إصبعه لكنّها اكتفت بالابتسام:

-        "والآن استمع جيدا لما سأقول... الله لا يغرقنا أبدا، مهما فعلنا، ومهما كان الذي يحصل لنا... أبدًا."

قرّبت وجهها أكثر من وجهه:

-        "أفهمتني؟ ... أبدا."

وقفتْ، نفضتْ عباءتها من الخلف بضربات خفيفات متلاحقات:

-        "هيا بنا لقد تأخّرنا."      

من خلفها جاءها صوت الإثارة اللّاهث.. كان يركض:

-        "أمي.. أمي لقد نزل المطر."

-        "ماذا تقول؟"

-        "والله العظيم.. سقطت عليّ قطرة للتو.. أوّل قطرة."

هتفت فرحة:

-        "لقد سقطت عليّ أنا أيضا قطرة."

مدّت يدها ليرى لمعان القطرة الندّية على ظاهر كفّها، تتابعت القطرات، أمسكتْ يده وأخذتْ تركض.

-        "قولي دعاءك يا أمي بسرعة."

نعم، لقد ركضتْ ... هل تتخيّلون ذلك؟!!

ركضتْ.. بطولها.. بعرضها.. بوجهها الذي يحمل سمات الثلاثين.. بكينونة الأم.. بالولد الراكض حذاءها.. بعباءتها.. بضحكتها التي اخترقت حبّات المطر.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد