dark_mode
  • الأحد ٠٤ / ديسمبر / ٢٠٢٢
لا رابط إلا الإنسانية - عبد المحسن

لا رابط إلا الإنسانية - عبد المحسن

عندما ناداني الشرطي لكي أتخطى المئات ممن يقفون في طابور الجوازات الطويل وقال مبتسمًا: يمكنك أن تمر من هنا دون انتظار؛ لأن معك طفل صغير، عندها أحسست أنني في عالم مختلف لم يخطئ من صنفه إلى عوالمٍ: أول وثاني وثالث. لم ينظر إلى لون بشرتي ولا إلى المرأة التي ترتدي حجابًا معي، كل ما لفت انتباهه طفل صغير وعائلة أعياها سفر وأرهقها اغتراب قسري عن أهل ووطن. اليوم اكتملت الصورة ونحن نجلس في قاعة استلام الجنسية مع أفراد يزيدون عن السبعين قدموا من 44 بلدًا رسمت ألوانهم وأعراقهم وألوت لغتهم التي تعلموها حديثًا، لا رابطًا من دين ولا شبهًا من ملامح ولا لسانًا ينطق لغة متشابهة، لا رابط هنا إلا رابط الإنسانية وما سواه اختلافات زائلة. عندما انتهى حفل تسليم الجنسية، خرجت من المبنى ذي الطابقين والمحاذي للخط السريع الرئيسي في العاصمة، أكاد أجزم أن الضجيج بداخلي يغطي على ضجيج السيارات في ساعة ذروتها، أمسك بيدي طفلًا وبالأخرى شهادة الجنسية التي عبرت من أجلها المحيط وتركت خلفي كل تاريخي وجذوري، الطفل الصغير بيدي والآخر يمشي خلفي بسنواته العشر التي ستكتمل بعد أسبوع، كلاهما خرج من بلاد أجدادهم بلا شهادة تثبت أنهم كانوا من ضمن الأحياء على وجه البسيطة خلا ورقة حمراء هزيلة بهت لونها مع الزمن. خرجت من هناك أحمل هوية لا تشبه ملامح الصحراء التي صبغتنا بها، أصبحت قطعة ذابت في محيط الغرباء الذين كونوا بلدًا من الكبار السبع صناعيًا ومن الكبار القلة في التسامح مع الغرباء أمثالي. غريبٌ في دولةٍ على كبرها لم تُعر اهتمامًا لأبناء بطنها أو ظهرها أو بقية أجزائها، ولكن كل ما يعنيها هو الإنسان بإنجازه وعمله وعلمه. 

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد