dark_mode
  • السبت ١٩ / يونيو / ٢٠٢١
بطولاتٌ منسيةٌ.. حكايات بدون الغزو والمقاومة والتحرير – جهاد محمد

بطولاتٌ منسيةٌ.. حكايات بدون الغزو والمقاومة والتحرير – جهاد محمد

(القصص في هذا التحقيق حقيقية وتتطابق تمامًا مع مجمل حالات البدون، ويعيش أبطالها بيننا فوق هذه الأرض... أو تحتها)*

أولئك الذين اختنقوا بفرح! بقيت تلك البطولات حبيسة صدورهم، تلظّوا بين مقلبين: وطنهم وشرف القسم العسكري، كروا في خميس الكويت الأسود، وفرّ منهم الوطن ما بعد ٢٦ فبراير، أو أنهم لم يختنقوا البتة! ربما كان من يكتب هذه السطور هو المعني بذلك. في أسفاري بين مطارات ذكرياتهم واستيطانهم، كأنني بذلك أبحث عن اللون المفقود لعلم الكويت الصغير، ذاك الذي خاطته أمي من ملابسي الصغيرة عشية التحرير بعد سماعها عبر مذياع جدي الصغير: ها قد بدأت عملية عاصفة الصحراء. أنفض غبار العاصفة عن حكايات أبطال البدون... ومأساتهم، وأبحث أيضًا عن اللون المفقود في العلم الذي لم يتم إدراج تفاصيله في كشوفات التعويض: بنطال أسود، قميص أحمر، جزء من "غترة" أبي البيضاء... أما الأخضر فأتركه للون قلوب أبطال هذا التحقيق وهي التي لا تزال تنبض بحب الكويت.


المقاوم المشرد

أبريل٢٠١٤، اقتراح قانون في مجلس الأمة لإنشاء معسكر صحراوي في حدود الكويت لإيواء البدون المتظاهرين، على غرار معسكرات إبعادهم في "الثمانينات" بإيعاز من "السفارة العراقية".
بعد نحو سبعة أشهر من ذلك، وجدت نفسي أقطع نحو ٨٠ كم من ضوضاء القاهرة وضجيجها إلى مدينة العاشر من رمضان، لكن عندما خلت شوارع تلك المنطقة النائية من الازدحام كان الانطباع الأول هو أن كثافة أعمدة الدخان المتصاعدة من المصانع المحيطة بها أشد تلوثًا من عوادم المركبات في العاصمة الأكثر كثافة سكانية بالوطن العربي.
بلكنته المصرية المتقنة، يصف لي (أحمد.ح) الممرات المؤدية إلى منزلهم:
-ينتظرك أبي بلهفة كبيرة.
قالها لي بعد أن عانقني الشاب الذي ألتقيته لأول مرة في حياتي! قبل أن نصعد إلى الطابق الثاني من تلك البناية المتهالكة.
لم يكن (أحمد.ح) وأسرته الكبيرة سوى جائزة الترضية لي، بعد أن اتسعت جمهورية ال١٠٠مليون نسمة على أن أجد (م.ع) أو الرجل الذي عُرف في تقرير هيومن رايتس ووش الأول عن البدون في أغسطس ١٩٩٥ بـ"شقيق صالح".
يقول صالح في ذلك التقرير: "ان شقيقه (م.ع) استطاع ان يخرج خلال الغزو العراقي الى السعودية ومنها الى مصر بعد ان رتب له احد اقربائنا من السفارة الكويتية هناك دورة تدريبية لمدة ٣ اسابيع للالتحاق في جيش التحالف الدولي لتحرير الكويت، لكنه ولاسباب تتعلق بكون بدون تُرك هناك من ذلك اليوم والى الان، دون ان يحظى بفرصة العودة الى موطنه رغم انه كان يعمل كشرطي في وزارة الداخلية حتى يوم الغزو المشؤوم".
ينتظرني في "الصالون" كما يسيمه قاطنو أرض الكنانة، فلا "ديوانية" يملكها (ح.ج) سليل طيء من قحطان وهو الذي كان أسلافه فيما مضى مؤسسي أول إمارة حضارية في شبه الجزيرة العربية بحائل، لكن "أبو احمد" تصالح منذ وقت مبكر مع تلك التقاليد "البدوية" عندما تغذى فتيًا على مفاهيم العروبة والقومية إبّان الحقبة الناصرية، وتشكلت أفكاره "الوحدوية" تلك كلما أدار المذياع نحو موجة صوتية تبث في زمن الصراع (العربي-الإسرائيلي) نشيد "الوطن الأكبر".
فوق سجادة "السدو" وجدته يقاوم القيام عنها لمصافحتي، أحسست بعبارة "يالله حيو" تجرح حنجرته عندما قالها ترحيبًا بي، لربما مرت سنوات طويلة قبل أن يستقبل ضيفًا في شقته هذه.
لم يحتَجْ إلى أن أستنطقه، فوجد ضالته أخيًرا في استماعي إليه، كأنني بذلك أنفض غبار الكتب المرصوصة فوق بعضها على رفوف الحائط المقابل لجلستنا الأرضية تلك. لم يكن الإنصات له مملًا على الإطلاق، عندما راح يتحدث عن الأسس التاريخية لفكرة القومية العربية، وكيف أنها تأسست قبل نحو ٢٧ قرنًا من الآن، قبل أن يطوي كل تلك السنوات ليقول لي: "في السبعينات التحقت بصفوف القوات المسلحة، كان حلمي حينها أن تتجدد حرب تحرير فلسطين لأكون في طلائع الجيش الكويتي المشارك فيها، في وقتها صار عمي الذي حارب في سورية ومصر مثلي الأعلى في تلك الحقبة
".
يضيف: "تمردت على أبي مبكرًا، فتزوجت مرتين، وكلما كبرت عائلتي تدريجيًا كانت تصغر أمام فلسطين عندما أقرأ خبرًا عن تشكيل فدائي جديد، أو أسمع أزير رصاصات موجهة ضد الاحتلال في نشرات الأخبار، ورغم تمزق العرب تدريجيًا كان إيماني يزداد بأن القضية المركزية ستوحدهم من جديد".
- أين أنت من النصف الثاني من الثمانينيات عندما بدأ التضييق الفعلي على البدون؟
أسأله، فيجيب: " كنت أعتقد أن مثل هذه القضايا هي مفتعلة من الغرب لإيجاد انشغال داخلي في الدول العربية عن فلسطين، ولأكون منصفًا أكثر، فقد كنت وزملائي من الموظفين الحكوميين البدون أقل استشعارًا بهذه القرارات".
لكن "أبو أحمد" استفاق من صبيحة الثاني من أغسطس ١٩٩٠ ليجد نفسه في "كوكبٍ" آخر غير الأرض! ورغم مشاعر الغربة والصدمة الكبيرتين إلا أن الوطن الصغير في داخله- الكويت- كان أكبر من كل شيء آخر في حياته، ارتدى بذلته العسكرية وقاد سيارته نحو معسكره للالتحاق بصفوف زملائه ضمن الدفاع المتأخر عن الاحتلال العراقي لوطنهم.
يستذكر قائلا: "مساء ذلك "الخميس الأسود" اجتمع بنا قائدنا ليخبرنا وهو يغالب دموعه أن الأوامر التي بحوزته هي الحفاظ على حياتهم خصوصًا وأن الاحتلال أطبق سيطرته على كل الكويت، بعدها، انسحبنا من المعسكر لنشكل بعد ذلك بأسابيع خلايا مقاومة كنت بها مسؤولًا عن نقل الأسلحة من مخازن في جنوب البلاد إلى بعض المناطق السكنية".
بعد التحرير، أحصى (ح.ج) خسائره فكانت أكثر فداحة من أن يستمر في التعايش معها. وجد نفسه في ١٩٩١ عاطلًا عن العمل، حاول كثيرًا أن يكون اسمه ضمن كشوفات المقبولين في العودة إلى صفوف زملاء السلاح دون جدوى، بقي أطفاله دون دراسة، وحينما طرق أول المُحسنين بابه حاملًا الأكياس الغذائية، كان قد عقد العزم على الهجرة.
يقول في هذا: "لم يملك شخص بمثل تفكيري سوى النظر شرقاً، وأنا الذي وضعت وزر كل الذي عانيته وعاناه العرب قبلي على الدول الغربية. رتبت زوجتي الثانية "مصرية الجنسية" أوراق قبول أبنائها للحاق بها هناك. استطعت خلال تلك الفترة أن أحصل على مستحقاتي الوظيفية. اشتريت بجزء منها جواز سفر آسيوي مزور لبقية أفراد أسرتي، وسافرنا إلى مصر."
يضيف: "عندما دفنت أمي هنا أيقنت أن لا طريق عودة لي إلى الوطن. تغلب أطفالي لاحقًا على تنمر أطفال "الحارة" عليهم بـ"الكوايتة" عندما صاروا يتقنون لكنة استيطانهم أكثر من أي لكنة أخرى. فرط زمام سيطرتي على عاداتهم وتفكيرهم، صاروا يشبهون هذه الأرض أكثر يومًا بعد الآخر. كبروا بالمقدار الذي تزوجوا به ليكونوا أسرًا صغيرة خرج جدهم ذات ليلة ظلماء من الكويت.. وليته لم يفعل".
- هل أنت نادم على قرارك ذاك؟
لم أسأله، تركت باب الحديث مواربًا له ليتابع: "تغلب الحنين علّي، آمنت في شيخوختي هذه أن خطوط "سايكس بيكو" هي أوطاننا فعلًا، وأن نشيد "الوطن الأكبر" ما هو إلا أسطورة قديمة تضاف لثلاثية الغول والعنقاء والخل الوفي، صرت أقرأ أخبار الكويت قبل أي شيء آخر. عندما كنت في القاهرة كانت جريدة "الوطن" تصل إلينا متأخرة بيوم عن إصدارها، قرأت ذات مرة على صدر عنوان الصفحة الأولى: قطار حل قضية البدون ينطلق، لكني لم أفرح كثيرًا.. فلا محطة كانت لتصل به إلى هنا".
"فقدت آخر آمالي بالعودة إلى وطني عندما أرسلت لي إحدى شقيقاتي اللاتي بقين في الكويت رسالة مصورة لبطاقتها الأمنية كان بها: الجنسية مصري تبعًا للأخ!".


أبطال قصر دسمان.. فقراء!

شاهد العالم تسجيل الفيديو المسرب من أحد المقيمين البريطانيين صباح الثاني من أغسطس ١٩٩٠، ومنذ أكثر من ٣٠ عاما وحتى اليوم ما زال شرح اللقطة الأهم في الفيديو يأتي خاطئًا عند الجميع، وحده عبد المحسن. ع. الظفيري يبتسم في منزله في الصليبية كل عام وهو يعيد النظر إلى هذه اللقطة التي يعرفها جيدًا.
ليست المدرعتان في الصورة سوى جزءًا من الآليات العسكرية للواء الحرس الأميري الكويتي، ترابطان أمام دوار قصر دسمان، على العكس تمامًا ممّا شرحه الإعلام المحلي على أنها آليات الغزاة.


يستذكر عبد المحسن وهو رامي الآلية (يمين الصورة) ذلك اليوم كأنه حدث بالأمس:
"عندما سقط قصر السيف، كنا ما نزال مرابطين في قصر دسمان. المعلومات التي أتت إلينا كانت تتحدث عن إنزال يقوم به جيش الاحتلال جوًا وبحرًا في السيف، صدرت الأوامر لنا بتحريك هاتين الآليتين نحو دوار دسمان، اخترنا المكان المناسب لعملية "الرمي المقوس" بحسب المفاهيم العسكرية، بغية تأخير ذلك الإنزال".
عبد المحسن كان قد وصل إلى قصر دسمان عبر ناقلة الجند قبل تصوير ذلك الفيديو النادر بنحو ساعتين قادمًا من لواء الحرس الأميري في منطقة صبحان، لكن القصة غير المصورة هي الأكثر إثارة والتي يرويها زميله عبد الله. خ. الفضلي وهو بالمناسبة ليس سوى سائق ناقلة الجند تلك التي أقلتهم من صبحان إلى قلب العاصمة الكويت.
ثمانية عشر من جنود الوطن البواسل كانوا يجلسون إلى ظهر "الكارجو" العسكري نجوا من الموت بمحض الصدفة فقط، عندما شاهد عبد الله على بعد نحو ثلاثة مائة مترا تجمّع لعدد من الدبابات العراقية، وفي اللحظة التي قرر بها أن يتوقف كانت إحدى قذائف جيش الاحتلال تسقط أمام "الكارجو" مباشرة.
لم تنقذ "فرامل" عبد الله الجنود الثمانية عشر فحسب، بل كان له أيضًا موقف بطولي لا يقل شأنًا عن سابقه. يقول في هذا: "كنا موزعين حول سور قصر دسمان نتبادل إطلاق النار من أسلحتنا مع العدو، اخترقت حينها أزير رصاصات مسمعي قبل أن يستقر إحداها في الجانب الأيمن من صدر الملازم (ع. البازع) الذي كان يقف إلى جانبي، حملت الضابط على كتفي والسلاح على الكتف الآخر وركضت به نحو ٦٠٠ مترا نحو العيادة".
بقي عبد الله مرابطًا لمدة ثلاثة أيام في قصر دسمان، قبل أن تأتيهم أوامر الانسحاب ليقطع على رجليه المسافة من القصر إلى الدسمة ثم الدعية ثم استوقفته هو ورفيقه سيارة أحد الوافدين العرب لتقلهم إلى منطقة صباح السالم حيث أقرباؤه.
خلال الفترة اللاحقة للتحرير، تبادل الرجلان عبد الله وعبد المحسن الأدوار في مقاومة احتلال الفقر، فلثلاثين عام لاحقة يركب عبد المحسن حافلته ذات العشرين راكبًا صباح كل يوم لينقل طلاب المدارس، وفي ذات التوقيت الصباحي تمامًا، يقف عبد الله ليرمي الأعلاف للأغنام في حظيرتها بمنطقة كبد.
لم يجد هذان المحاربان القدامى سبيلًا للعودة إلى صفوف زملاء السلاح في فترة ما بعد التحرير، لكن الغريب في الأمر كله أن يلقي عبد المحسن اللوم على زميله عبد الله في كل ما وصلوا إليه حتى اليوم:" لو أنه استمر في السير لعشرات الأمتار لكنا الآن شهداء، ربما كان ينتظر أبناؤنا أسماءهم في كشف التجنيس القادم بدلًا من انتظارهم ولادة معزة أو عشرة دنانير أجرة توصيل طالب لمدة شهر إلى مدرسته!".


حدائق بابل في سجن أبو غريب!

ثقيلة جدًا حركة يده اليمنى، كحال بقية هذا الجانب من جسده، كأنه اعتاد حاجة أن يقوده أحدهم منذ أغسطس الأسود ١٩٩٠ وإلى اليوم، كان حينها (ياسر. ع.) معصب العينين قابعًا في الزنزانة ذاتها التي كان فيما مضى وقبل ذلك التاريخ يضع فيها مخالفي القانون في مخفر الصليبية، كان من أوائل الأسرى في صبيحة اليوم البائس، مكث ساعات اليومين الأولين في مخفر الصليبية قبل أن ينقل إلى صباح الناصر ومنها إلى باصات الترحيل إلى الأسر في العراق.
"حاولوا معنا بشتى سبل التعذيب أن يجدوا أحدًا يدلهم على الرتب العسكرية لمجموعتنا الأسيرة دون جدوى، كنا ندافع عن بعض بشرف القسم العسكري الذي أقسمناه منذ ارتدائنا لبذلاتنا الأمنية
[ES2] " يقول (ياسر. ع.).
الرحلة الشاقة إلى قلب سجون العدو كانت أقسى ما يتذكره: "كنا معصبين الأعين، سلكوا بنا طرقًا معبدة وأخرى برية، لم يتوقفوا على الإطلاق رغم العطش والتعب الشديدين الذين أصابانا".
باتوا ليلتهم الأولى مكدسين فوق بعضهم البعض في سجن أبو غريب سيء السمعة في العاصمة العراقية بغداد، لكن شيئًا ما جعل (ياسر. ع.) يقاوم كل ذلك الإرهاق الشديد عندما راح يتحسس بأنفه رائحة طعام موازية لعفن ذلك السجن.
يستذكر : "عرفت من أول إزاحة لعصابة عيني بأن الأسرى الإيرانيين قد أخلوا هذا المكان من وقت قريب لاستقبالنا، وجدت بعض عبارات اللغة الفارسية مخطوطة على جدران السجن، لكني استمريت في البحث عن مصدر رائحة الخضروات المنبعثة في الزنزانة الكبيرة، إلى أن قادتني إلى إحدى الغرف التي وجدتها مفروشة بالأغطية، وفور كشفي عنها إذ بي أمام مزروعات مختلفة، انتزعت ما استطعت منها لأطعم زملائي المنهكين قبل أن نعقد العزم جميعًا على إرجاع الاغطية إلى حيث كانت كي لا يُفضح أمرها أمام سجانينا".
يصف (ياسر. ع.) كيف أن العراقيين كانوا يطعمونهم بأسلوب فج، حيث يرمون الخبز اليابس أكوامًا فوق بعضه البعض بمكان مكشوف وعلى الأرض، وكيف أنهم استمروا بتنقيع هذا الخبز بالماء ليصلح مضغه مع الخضروات التي وجدوها في ذلك السجن.
لكن الغصة الكبرى التي بقيت في قلب (ياسر. ع.) هي طريقة تعامل المسؤولين الكويتيين بعد تحريرهم في مارس ١٩٩١: "عندما وصلنا إلى المملكة العربية السعودية، لم يفرق بيننا الصليب الأحمر المشرف على تحريرنا وعملية نقلنا من العراق، لكنا فوجئنا فور وصول الطائرة التي أقلتنا إلى الكويت بأنهم عزلوا الأسرى الكويتيين عن زملائهم البدون، هم ذهبوا إلى صالة الاستقبال حيث كانت الحفاوة تليق بمن ضحى للوطن، بينما نحن اقتادونا إلى باصات ومنها إلى الجهراء حيث وجدنا أهلنا ينتظروننا هناك!".
أما المضحك المبكي فليس صدور كشف إنهاء خدماته من الوظيفة في العشر الأواخر من رمضان في منتصف التسعينات وهو في المستشفى يعاني من مرض الشلل النصفي، بل إنه يضطر إلى يومنا هذا إلى مواجهة اتهامات مسؤولي الجهاز المركزي للبدون بأنه ذهب إلى العراق أثناء الغزو!
لولا ورقة الصليب الأحمر التي تثبت أسره، ولولا وجود اسمه في كشوفات لجان الأسرى والمفقودين الكويتيين لوجد (ياسر. ع.) مصيرًا لا يُحمد عقباه!


خبازٌ.. ولا خبزَ!

يتقن سالم الإنجليزية والأوردو. يقول متندرًا أن لغة الشارع أكثر التصاقًا بالذاكرة من اللغة الأكاديمية التي تعلمها في المدارس. اجتاز مؤخرًا اختبار اللغات ومعرفة الطرقات في مقابلته الوظيفية ليصبح سائق سيارة أجرة رسمي، بعد أن قضى كل سنين عمله هاربًا من مخالفات رجال المرور وهو "يكد" على سيارته الخاصة.
سالم على مشارف الخمسين عامًا. كان يستعد للصف الرابع الثانوي عندما حلت على الكويت لعنة الغزو العراقي، أخرجهم والده العسكري حينها في الأيام الأولى للغزو من منطقتهم خشية أسره إلى منزل قريبهم الذي غادر إلى السعودية.
شكّل وبعض أبناء جيرانهم التي قربت المحنة من ألفتهم سريعًا مجموعة عمل لمساعدة قاطني المنطقة.
يقول سالم: "حدثنا أحدهم عن وجود كميات كبيرة من أكياس الأزر والطحين في أحد المستودعات بمنطقة الشويخ، ذهبنا إلى هناك بسيارتين من الدفع الرباعي، واستطعنا تكديس السيارات بهذه الاكياس، لكن المعضلة التي واجهتنا هي كيفية استخدام الطحين لصناعة الخبز بعد أن أغلق الخباز أبواب محله منذ بداية الأزمة، عرضت على أمي وسيدة أخرى من جيراننا بأن يلكن هذا الطحين عجينًا على أن نقوم نحن بتشغيل المخبز ما استطعنا".
وفي اليوم الأول من عملهم، فرد سالم العجين فوق قطعة القماش، لكن بدلًا من أن يبعد رأسه عن الفرن المشتعل أدخل رأسه بسذاجة مع العجين، ولولا عناية الله ثم سرعة رد فعل زملائه لاشتعل رأسه كله وليس نصف شعره فقط.
يضحك سالم مستذكرًا ذلك الموقف: "كنا قد أعلمنا كل السكان تقريبًا بموعد افتتاح المخبز، كان الطابور طويلًا أمامه لحظة اشتعال رأسي، وبعد أن انتاب الجميع القلق علي وجدوا أننا كنا نضحك ضحكًا هستيريًا بعد إطفائي، فتحول الضحك إلى الجموع الواقفة وكنت مزحتهم إلى ما بعد التحرير حتى أنهم أطلقوا علي نكته؛ لا تعطي سالم خبزك حتى لو لم يأكل منه شيء".
صحيح أنه استطاع أن يكمل مرحلة الثانوية بعد التحرير، لكنه يستذكر مرارة تلك الأيام الأولى عندما كان لا يغادر منزله كونه لا يحمل أي إثبات وسط كل نقاط التفتيش، وكيف أن أصدقاءه كانوا يحرصون على التواجد معه في كل مشوار يقضيه لينقذوه من إلقاء القبض عليه من قبل القوات الكويتية!
لم يحظَ سالم بأي وظيفة دائمة، لم يعد والده إلى عمله أيضًا، جرّب جميع الوظائف (ليس من بينها خبازًا) خلال السنوات الثلاثين التالية للتحرير، واستقر مؤخرًا في مهنة سائق سيارة أجرة. تزوج ورزق بأبناء يكابد كثيرًا لتعليمهم في كل عام دراسي جديد، وحينما يسأله أبناؤه عن ذكرى عيد التحرير يروي لهم بطولاته في المخبز... ثم يخرج من المنزل ليجلب لهم الخبز على أمل أن يرفع أحدهم يده وهو يقول: تاكسي.

*أخفيت بعض الأسماء حفاظًا على خصوصية أصحابها.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
عرض المزيد