dark_mode
  • الأحد ٠٤ / ديسمبر / ٢٠٢٢
الاختلاف سبيل الائتلاف: ومضات في قصتي مع الدمج - د. تقى فيصل المجالي

الاختلاف سبيل الائتلاف: ومضات في قصتي مع الدمج - د. تقى فيصل المجالي


 لم تكن مازحة تلك العيون التي أخبرتني بأنها ليست سعيدة باختلافها، ربما هو اتساعها الذي لم تدركه دهاليز عقولهم الضيقة، أو لربما هي أصفاد التقليد وعدم تقبل فكرة وجود شخص لا يشبههم، أحيانا أشعر أنهم يحاولون تعديل الطاولات لتصبح جميعها ذات بدايات ونهايات متساوية يكسوها لون واحد، وإذا شاهدوا أياً منها ملتوية أشعر أنهم سيصيحون بها: أيتها الطاولة النافرة الخائنة للمسار الذي اخترناه نحن لك دون وجود أدنى إرادة أو اختيار، أيتها المختلفة، أيها المختلف: لماذا أنتما هكذا؟، ما هو الشيطان الذي يحتاج لمزيد من الرجم ليكف عن إطلاق سيل وسوساته في جوفيكما؟، أية قوة تلك التي تدفعكما لاختلاق لون غير ملائم للون الذي ارتأينا أن يصبح لون الجميع.

 إن ما يجعل الشروق ملهِم للشعراء ومستدعٍ لوحي المبدعين هو كونه يكسر قاعدة الليل وعتمته ليخلق ضوءاً من تحدٍ غريب لتقاليد ذلك الليل فهل سيدرك كارهو الاختلاف أن الكون كل الكون مبني على جمال التنوع وسحر الاختلاف؟
 أذكر حينما دخلت المدرسة تلك اللحظة المطبوعة بذاكرتي كعطر من زمن بعيد، حينها، دخلت الصف فهدأ الجميع فجأة، كل شيء صار هادئاً حتى صوت الأدراج المتراصة، وأذكر أن أمي أخبرتني يومها أن كل الأنظار قد اتجهت نحوي!!، نعم يا سادة، كنت يومها نجمة هوليوودية ساحرة أتعلمون لماذا؟، لأنني كفيفة ودخلت مدرسة المبصرين!!!، وكان من الطبيعي أن أعزل في شرنقة أو في محيط ضيق لا يتسع إلا لمن يشبهني في ما أواجهه من عوائق، نعم يا سادة، لقد كانت دقيقة شهرة لا تنسى!!، ولا أنسى تلك الشهقة الغريبة التي بادرتني بها إحدى المعلمات وملامح وجهها مكسوة بآلاف من علامات التعجب والاستفهام وكل ما تريدون من علامات متفاجئة وهي تقول: أنت هنا، كيف؟؟، لولا لباقتي لأجبتها: لا شك أنهم افتتحوا جزيرة جميلة للمكفوفين فقط، ولا شك أنني سأذهب إليها ليس بسبب الكفف وإنما لخلوها من مَن هم على شاكلتك!!، لكنني لم ولن أقول ذلك، فلا أنا قليلة التهذيب مع المعلمة، ولا المعلمة بقادرة على تخيل وجودي بينهم هكذا دون مهرجان أو تعاطف، وهذا ليس لأنها تبغضني بل لأن ذاكرتها غير شاهدة على حالة دمج مماثلة وناجحة، وليس في المنهاج الذي درسَتْه أو الذي تدرسه مساحة رحبة للتعريف بهذه الفئة وبحقوقها أو حتى بوجودنا أصلا.

 إن البعض يخالف ليعرف والبعض الآخر يختلف ليعبر عن نفسه وفكره، وهنا نتحدث عن الاختلاف الفكري فكيف إذا كان الاختلاف ربانيا؟ كيف يكون مدعاة للتندر والسخرية بدلا من أن يسخر الإنسان من إخفاقاته؟ كم سمع أحدكم كلمة يا معاقة كشتيمة ووصف للقبح أو الغباء؟ وحتى وإن اتصف الإنسان بكل هذه الصفات فمن نحن لنحكم عليه؟ أذكر أن صديقتي السابقة طبعا قد راق لها أن تنعتني بهذه الصفة مازحة، لقد قالتها وهي تدمع ضحكا وصفاقة فأجبتها بما جمعته من معرفتي باللغة العربية قائلة: معاقة اسم مفعول وأنت المعيق اسم الفاعل، أجل، الفاعل الذي يعتقد أن اللون الواحد أجمل بكثير من الألوان، ولربما أنني قسوت عليها بعض الشيء، فهي بالنهاية ابنة ثقافة ومجتمع ينقصه الكثير من التقبل ويضيق أفقه ليطرد كل نجمة قررت أن تنير سماءه بلون آخر.

إن قبولنا للآخر كما هو بصرف النظر عن كل ما اختاره من فكر أو ما لم يختره من جنس أو عرق أو لون إنما هو رسالة إنسانية سماوية المحيا تخبر أولئك المختلفين أن عليهم أن ينضموا إلى مجتمعاتهم كما هم دون وجل أو توجس من نظرات الاستبعاد وهمسات الإقصاء، إنها رسالة الأديان التي تقول للآخر: أهلا بك، أنت جميل هكذا ولستَ مضطرا لتغيير شيء ما أو إثبات انتمائك للون بعينه، إنها مشاعر الإنسان السوي الذي يورق ويشع ويكتمل بالاختلاف وينبذ أية تفرقة أو عنصرية.
وعندما أتحدث عن قصتي مع الدمج الذي يعبر عن تقبل الاختلاف فإن ما يجعلني أكثر تمسكا به ليس مجرد أنه مظهر من مظاهر التحضر أو أنه يضمن استفادة أوطاننا من مواردها البشرية ونور عقل كل المميزين فيها فقط؛ وإنما هي حقيقة تتعلق بنظرتي لقضية الإعاقة ككل بوصفها قضية حقوقية ينبغي أن تنطلق مطالب أصحابها من النهج الحقوقي في المقام الأول، ذلك النهج الذي عماده أنك مواطن كامل الأهلية وقادر على الالتزام بواجباتك كما أنك قادر على التمتع بحقوقك تماما؛ فنحن لا نريد أن يجعلنا أحدهم أنشودة لحن حزين يجذب القلوب المرهفة لنحظى بعصا بيضاء بمواصفات وشروط المتبرع، ولا نبغي في الحصول على حقوقنا غير القانون سبيلا، فأحلم ورفاقي أن نسير بخطى ثابتة نحو استدامة الخدمات المقدمة لنا بوصفنا مواطنين، نحلم أن نرى الدمج صورا حية لا حبرا عاجزا، نحلم أن يذهب أحدنا إلى وزارة التربية والتعليم إن انتهك حقه في التعليم، أو أن يتجه إلى وزارة العمل إن كان مدافعا عن حقه في العمل وهكذا، نحلم أن يصبح وجودنا في السوق والمتنزه والمسجد ومجلس النواب ومجلس الوزراء أمرا معتادا، نريد أن يرانا الآخرون كما نحن، كما هو الإنسان بقوته وضعفه وبنبوغه أو بكونه من متوسطي الذكاء، نريد أن تلامس بصماتنا نصوص جميع التشريعات وأن يتم إشراكنا في صناعة مستقبل وطننا تخطيطا واستراتيجيات ومشاريع دامجة، كيف لا ونحن نبصر بعيون متلهفة طامحة قطار التكنولوجيا العظيمة التي ستذلل كل الحواجز التي تمثل في حقيقتها مفهوم الإعاقة؟ كيف لا يحدث كل هذا الدمج وقد صادقت العديد من الدول على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة  فهلموا لننهض منطلقين نحو مفهوم التصميم الشامل للمجتمع بحيث يحيا كل فرد فيه حياة كريمة يزينها العدل وتكافؤ الفرص وتحفها المساواة، مجتمع نشعر فيه بالدعم والاحتضان والحب ومن ثم الانتماء الذي سيصبح إبداعا وعطاءا وتميزا وبذلا لنبذر معا بذور الإنجاز في أرضنا الطيبة المعطاءة فيطيب الحصاد لنا وللأجيال، الأجيال التي ستكون فجرا يقود نهاره أبناء أوطاننا بإرادة حرة مستنيرة بدرب استقلالية واعتماد على الذات، درب مزروع بورود أحلامنا التي سنستنشق شذاها قريبا بإذن الله.
 
 أعتقد أن الخطوة الأولى لنشر ثقافة الحوار هي محاولة فهم الآخر وطبيعة خياراته، والبحث عن مساحة مشتركة تفتح باحات نور لحوار إيجابي موضوعي ومتجرد من كل تحيز، ومحاولة استغلال مواقع التواصل في نبذ التنمر والكراهية، وزيادة دور الشباب في نشر ثقافة الحوار بوصفها ترياقا لسموم الفكر المتعصب والمنغلق الذي هو سبب كل تلك الحروب والنيران، فهل لنا بماء حب زلال يطفئ تلك النيران وتسقي بذور حياة جديدة يعيش بظلالها الجميع بشمس تطرد دخان الجهل وتبدد أصوات الكراهية ليغدو مجتمعنا مجتمعا دامجا متقبلا يحتضن الجميع ويمكنهم من إطلاق إبداعاتهم لتنير العالم وتزهو بها الأرض، كل الأرض تنمية وسلاما وتقدما وحياة.

المراجع:
1. الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة
2. الموقع الإلكتروني الرسمي للأمم المتحدة

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد