dark_mode
  • الأحد ٠٤ / ديسمبر / ٢٠٢٢
ثمن تعليم البدون – دلهم

ثمن تعليم البدون – دلهم

يتكرر مشهد حرمان أطفال الكويتيين عديمي الجنسية —البدون— من التعليم عند بداية كل عام دراسي جديد، وتتكرر معه مشاعر غبنٍ مرّت بأجيالٍ لم يكن بوسعها في ظل التضييق والضغط سوى الوقوع فيما هو أكثر تعقيداً من انعدام الجنسية— ألا وهو "تعديل الوضع".

لم يكن آباؤنا على علم بما كان يحاك لنا آنذاك، أو أن نظرتهم لم تكن بعيدة إلى حدٍ يمكنهم من رؤية الصورة الكبيرة، وربما هذا هو السبب الذي أوقعهم وأوقعنا في الفخ. ولكن حتى بعد أن اتضحت الرؤية، كيف يساعد الفهم والإدراك في حماية مستقبل الذين ما زالوا على بر الأمان؟

لن يعوّضنا عن هويتنا التي سُلبت منّا أي شيء، فسنوات عمرنا التي نُحرت على مذابح الحرمان والتغريب لن تعود، وما استرجاعها في الذاكرة إلّا تجلي للضيم مررنا به وأجبرنا على التعايش معه منذ طفولتنا. كنا نفزع منه باكين، إلى أن كبرنا وتعلمنا كيف نخفي بكاءنا بين طيّات الصمت. لا أعلم ما جدوى الصمت، ولكن ما جدوى الكلام عندما يُفقد الأمل، أو عندما تعرضنا كلماتنا إلى مزيد من الألم؟

في كل عام يغزونا الماضي الذي أحاول دائما أن أهرب منه، ليس خوفاً منه، وإنما سعياً مني لمحو سنواته البائسة من ذاكرتي والبدء بحياةٍ جديدة. ولكن يبدو أنه لا يرغب بالرحيل عن حياتنا، فهو ما زال ملاصقاً لقدري وقدر أسرتي. بدأت سنواته العجاف منذ نهاية الثمانينات من القرن المنصرم، حين كان والدي- رحمه الله- يتحايل على آلامه ومشقات الحياة بالكدح في قيظ النهار إلى أن ينهك جسده، حاملاً على عاتقه كل ثقل عله يتمكن من تلبية احتياجاتنا وتوفير مصاريف دراستنا المكلفة.

لم يكن أمام والدي نتيجة حرمان البدون من التعليم العام سوى الذهاب بنا أنا وشقيقاتي الأربع إلى مدرسة خاصة، ولكن لم يكن بمقدوره توفير المال الكافي لتسجيلنا جميعاً دفعةً واحدة. آلى أبي على نفسه ألا يتركنا بلا تعليم لأنه تيقّن أن عدم تعلمه القراءة والكتابة كان من الأسباب الرئيسية التي منعته من مقاومة الحرمان من حق المواطنة ومن الوقوع فخ "تعديل الوضع."

كان أبي حريصاً على تعليم بناته أكثر من حرصه على تعليم أولاده، فعلى العكس من إصراره على تعليمنا أنا وشقيقاتي، كان يشجّع أشقائي— لا سيما من لم يكن مهتماً منهم بالتعليم— على البحث عن عمل والمساعدة في تلبية احتياجات أسرتنا. ليس لدي أدنى شك بعدالة والدي في حبه لنا وحرصه علينا جميعاً، ولكنني أعتقد أن في فلسفته للتعامل مع الأولويات رأى أن نساء البدون بحاجة إلى التسلح بالعلم أكثر من رجالهم.

ورغم حرص والدي الشديد على تعليمنا أنا وشقيقاتي، إلّا أن ضعف دخله المادي غير الثابت لم يمكنه من أن يسجلنا في المدرسة دفعةً واحدة، بل أجبرته الظروف الاقتصادية المفروضة علينا بصفتنا بدون—آنذاك— أن يقرر في بداية كل عام دراسي جديد مَن مِنا سوف تُحرم من فرصتها في التعليم هذا العام لتفسح المجال لشقيقاتها الأخريات.

 لا شك أن قرار حرمان إحدى بناته كان مؤلماً وصعباً للغاية على قلب أبي، وقد بدا ذلك في تردده، وحشرجة صوته، وتفاديه النظر في أعيننا في كل مرة اضطر فيها أن يشرح لنا صعوبة توفير الأقساط الدراسية لنا نحن الخمسة معاً. لم يكن باستطاعته أن يختار مَن ِمنا كان يجب أن تُحرم من التعليم هذا العام. كان يتهرب من الاختيار بيننا، وأخيراً كان يترك الأمر لنا لنقرر، وما أصعبه من قرار.

بدلاّ من الحديث عن استعدادنا وطموحاتنا في كل عام دراسي جديد، كانت كل واحدة منّا أنا وشقيقاتي تتبرع بالتنازل عن نصيبها من التعليم هذا العام، مختلقةً أسباباً كلنا نعلم أنها كانت واهية. كانت من تكبر الأخريات سناً هي من تقنعنا في النهاية، وهي الأكثر ابتساماً في تلك اللحظات، أمّا من تحظى بفرصة التعليم فتكون هي الأكثر دموعاً، ولو أننا جميعاً كنّا نغرق بأمواجٍ من الحزن والخوف.

كانت قرارات التضحية بسنوات عمرنا تتم في وقت قصير جداً، فمن ناحية لم يسمح وضعنا ووضع والدنا النفسي بتأخيرٍ أكثر، ومن ناحية أخرى فإن فرص التعليم والتعلّم (والإجراءات الإدارية) تصبح أكثر صعوبة وتعقيداً كلما تأخر الوقت. أمّا من كان مصيرها الحرمان من التعليم ذلك العام فكانت تقضي الأسابيع الأولى في المنزل جسد بلا روح. في الصباح تودع شقيقاتها بابتسامة تمتزج فيها البهجة بالبؤس، بهجة لرؤيتهن بالزي المدرسي، وبؤس نتيجة عدم مرافقتهن إلى الدراسة والقلق مما سيواجهنه عندما يمر والدي بضائقة مادّية تمنعه من تسديد الأقساط الدراسية. وحتى تلك الابتسامة المشوبة بالبؤس لم تكن ممكنة كل يوم، فطالما ألزمت الهموم الثقيلة صاحبتها الفراش. تتظاهر بالنوم بينما هو الإحباط الذي كان يمنعها من النهوض ومشاركة شقيقاتها الإفطار وبهجة الاستعداد للذهاب إلى المدرسة.

لم تكن تمضي أسابيع كثيرة من بداية العام الدراسي حتى يرجع والدي إلى المنزل، أحياناً في غير أوقاته المعتادة، منادياً بنبرة واثقة: "]فلانة[.... تعالي يبا عندي لج أخبار طيبة..."، ثم يناولها ورقة دفع رسوم التسجيل في المدرسة بعد أن وجد من يقبل بإعطائه سلفة... ينظر في عينيها لأول مرةٍ منذ أسابيع، ويخبرها إنه لم يستطيع أن يتركها بلا مدرسة حتى وإن أثقلت كاهله الديون.

كانت الصعوبات التي يواجهها أبي في بداية كل عام دراسي مالية في المقام الأول نتيجة عدم امتلاكه مصدر دخل رسمي ثابت، وعدم وجود خيار أمامنا سوى المدارس الخاصة، ولكن الأمر أصبح أكثر تعقيداً فيما بعد، حيث أصبح امتلاك "بطاقة أمنية" (سارية المفعول) شرطاً آخر للتسجيل في المدرسة. لم يكن الحصول على البطاقة الأمنية أمراً يسيراً، بل كان والدي يعاني كثيراً من مراجعة المكان الذي تصدر منه تلك البطاقة (الخضراء)، وطالما رجع من ذلك المكان وقد اكفهر وجهه واختنق صوته بالغبن والإحباط.

لقد وقع والدي في متاهة ما زلنا نعيشها أنا وشقيقاتي وأشقّائي، فقد انتهى به المطاف، نتيجة التضييق والضغط المستمر، والمغريات التي أوهمه بها بعض الموظفين المسؤولين من إقامة دائمة وتعليم مجاني ... إلخ، إلى الإقدام على "تعديل وضع" الذي كان يروّج له، حيث قام بدفع مبلغ مادي لوسيط يوفر جوازات سفر وسجلات رسمية في دولة عربية كانت تعيش حالة أشبه بالفوضى. ولم يمض وقت طويل حتى أدركنا أن الأمر لم يكن تعديل بقدر ماهو "تعقيد وضع،" فقد أصبح والدي أجنبياً في وطنه الذي ولد وترعرع فيه ولم يعرف وطناً غيره، وكذلك أصبحنا نحن. وفي المقابل لن يقبلنا البلد الذي اشترينا جواز سفره كمواطنين حقيقيين، لأننا فعلاً لسنا كذلك، ولأن المواطنة ما هي إلّا انتماء نفسي وروحي بين الكائن والبيئة التي يتأقلم فيها، وليس مجموعة من الأوراق تُفرض عليه فرضا.

منذ أن وقعنا في فخ "تعديل الوضع" أصبحنا نسمع ونردد على أنفسنا عبارة "يا غريب صير أديب" حتى صارت أمراً واقعاً. وكم أتمنى لو أن والدي رحمه الله لم يستسلم للتضييق والضغط الذي كنا نتعرض له، ولكن كيف ألومه وهو رجل بدوي أمّي لم يكن يعلم ما وراء حملات "تعديل الوضع" وما تضمنته من تلاعب لغوي وإعلامي.

كان التنازل عن حقي الانتماء والعيش (المستقر) في وطننا الكويت أحد الأثمان التي دفعها والدي من أجل حصولنا أنا وشقيقاتي على التعليم، وما كانت سوى سنوات معدودات حتى نُقِض العهد وألغيت الوعود التي حصل عليها والدي، كالحصول على إقامة دائمة تتجدد كل خمس سنوات مقابل التوقيع على أوراق تثبت أننا لسنا مولودين في الكويت ولا ننتمي إليها، على العكس مما هو مدوّن في شهادات ميلادنا ومستندات أبي وجّدي التي توثق تاريخنا في الكويت إلى ما قبل عام 1920.

ليس هناك ثمة ما يعوضنا عن التغريب والتعقيد الذين تعرضنا لهما بسبب الظروف الاقتصادية والإجراءات الرسمية التي فُرضت علينا، وربما لا فائدة من نبش هذا الجرح لا سيما بعد رحيل والدتي ووالدي عن الحياة الدنيا. ولكن تكرار نفس المشاهد التي سبقت ما وصلنا إليه يجبرني ألا أقف مكتوفة الأيدي وأنا أرى أطفالي (البدون) على حافة الخطر بسبب التعميمات الرسمية المنتشرة الآن والتي تمنع تسجيل الطفل البدون في المدارس (الخاصة) ما لم يمتلك (ولي أمره) بطاقة أمنية سارية المفعول.

 إن المشكلة في البطاقة الأمنية، كما وضّح أحد الباحثين من الكويتيين البدون أنها تتضمن الإقرار على "جنسيات أجنبية بلا أدلة مثبتة". وما أشبه اليوم بالأمس. فكما تم عرقلة حصول البدون على التعليم سابقاً لدفعهم إلى ما أطلق عليه "تعديل وضع حكومي، رسمي، سريع" —كذلك الذي انتشر في جريدة الصدى الإعلانية، العدد 614، بتاريخ 21/10/2006، وفق ترخيص تجاري رقم 181/2003— فإن حصول البدون على حقّ التعليم ما زال مشروطاً بشروط أشبه بالتعجيزية، لعل أخطرها شرط التنازل عن انتمائهم لوطنهم الكويت.

إن الألم الذي ينشأ من العجز يَصعبُ تحديدُ أثره في النفس، بل ربما هو أصعب من الموت الذي تنتهي به مشقات الحياة. أما التعايش مع الألم فهو ما ألقى بنا في دوامة الوجود والعدم في نفس الوقت. لقد صدّق والدي وعوداً زائفة سعياً منه إلى اجتثاثنا من دوامة العدم. فقد صوّر له تغيير الوضع من عديم جنسية (بدون) إلى جنسية أي بلد عربي أو أجنبي على أنه "فرصة لا تعوّض" يمكنه من خلالها الحصول على إقامةً مميزة في وطنه، على أن يكون هو كفيل نفسه، كما أنه سوف يتمتع بحقوق مدنية طالما حُرمنا منها عندما كنّا بدون جنسية.

قوبل حسن ظن والدي بالجحود والنكران، فبمجرد وفاته بعد سنوات قليلة من "تعديل الوضع" المزعوم رفضت الجهات المعنية تجديد إقاماتنا حسب الاتفاق الذي تم مع والدنا، لنجد أنفسنا فجأة (وإلى الأبد) مقيدين بأغلال "نظام الكفيل" لنكون عرضة للمنّة والتحكم طوال الوقت. هذا بالإضافة إلى القلق الذي نعاني منه باستمرار نتيجة التصريحات الإعلامية والقرارات الرسمية التي تصدر بحق المقيمين الأجانب في الكويت من حين إلى آخر، كتلك التي تم فرضها على من يتجاوز عمره الستين عام، وتلك التي تتعلق بزيادة رسوم التأمين الصحي ورسوم الفحص والعلاج في المستشفيات، ورسوم تجديد الإقامة. وبعدما تغيّر مسمانا الرسمي من بدون إلى أجانب بتنا مذعورين من التعميمات العنصرية إلى درجة أننا نخشى أن أي فعل قد ينسب إلى الجنسية التي أصبحنا ننتمي لها على الورق سيثير حفائظ المصابين برهاب الأجانب ويجعلنا هدفاً لخطاب الكراهية أو الإجراءات الرسمية الناتجة عن ضغط الإعلام الموجه.

كم من المؤسف أن تنتهي عقود من حياتنا بمقالب مأساوية ومشاهد هزلية نجد أنفسنا نبحث فيها عمّن يكفلنا للإقامة والعمل في وطننا. وكم من المؤلم أن نضطر إلى أن نلوذ بالصمت عندما تنتهك حقوقنا، ولعل أقرب مثال على هذا ما تداولته مؤخراً وسائل التواصل الاجتماعي عن قيام أحد المشهورين بخطاب الكراهية ضد البدون ينشر أسماء يدّعي أنها لبدون "مزدوجين" كشفوا عن جنسياتهم الأصلية، ولا يبدو أن أحداً من المتضررين قام بتقديم شكوى ضد من نشر بياناتهم الشخصية— إن صحّت— وشهّر بهم، ليس لأنه لا حق لهم قانوناً، وإنما كما يبدو اتقاءً للشر. ومن سخرية القدر أن الكشوفات التي تم نشرها كانت تنسبُ أسراً من الظفير وشمّر وعنزه إلى الجنسية المصرية والأردنية، وجنسيات أخرى بعيدة كل البعد عن أرض شبه الجزيرة العربية.

إن الفرصة التي حقّاً لا تعوّض هي فرصة التعليم التي حرم ويحرم منها الكويتيون البدون. أمّا الفرصة التي روّجت لها جدران بعض المباني الحكومية فلم تكن سوى حيلةً تمّ من خلالها تحويلنا من مواطنين كويتيين (بدون جنسية) إلى مقيمين ننسب إلى دول لا رابط بيننا وبينها سوى بعض المستندات التي فُرض علينا اكتسابها. هذا المصير الذي لا أريد أن يتعرض له أطفالي، أو أي طفل حول العالم، ولكن هل يجب علينا أن نضحي بحقّهم في التعليم لكي نحمي ما تبقى من حقهم في الانتماء إلى وطنهم الكويت؟

 

* صورة المقال من جريدة الصدى الإعلانية —العدد 614 بتاريخ 21/10/2006، وفق ترخيص تجاري رقم 181/2003

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد