dark_mode
  • السبت ١٩ / يونيو / ٢٠٢١
الوقت يحلها؟ - أحمد السويط

الوقت يحلها؟ - أحمد السويط

تتحدث هذه المقالة عن استخدام الوقت كأداة للسيطرة على الواقع الاجتماعي-السياسي، وذلك في سياق قضية البدون في الكويت.

الوقت والحرية

أثناء كتابة هذه المقالة كان عليّ أن أتخلى عن حريتي في استخدام وقتي في أنشطة أخرى، لكنني فعلت ذلك بإرادتي ومن أجل مصالح معينة، كما أنني كنت أمتلك خيار عدم الكتابة دون أن أتعرض للأذى. على العكس من تجربتي أثناء كتابة هذه المقالة، هناك سياقات أخرى يصعب على المرء فيها أن يتمتع بحريته وحقوقه وسلامته في ظل استخدام طبقات سياسية معينة الوقت كأداة للسيطرة (مزاجيًا) على ما يمكن (أو ما لا يمكن) للأفراد فعله. في تلك السياقات، يتم اسخدام الوقت كأداة سياسية للتحكم بواقع الإنسان وسلوكه الاجتماعي عن طريق التحكم بالموارد التي (كانت) ستمكنه من بناء هويّته الاجتماعية وبالتالي التمتع بالحرية والحقوق التي تحفظ له كرامته الإنسانية وتمكنه من مواكبة التطور الإنساني على مستوى العالم.

أشكال الاستخدام السياسي للوقت

-         التلاعب بالتاريخ

أثناء محاضرة قدمتها باحثة علم الاجتماع الألمانية إنكا ستوك في قسم الثقافة والاتصال والإعلام في جامعة كلية لندن (UCL) بخصوص كتابها ’Time, migration and forced immobility الذي يتحدث عن مفهوم الوقت وتأثيره في سياق المهاجرين العالقين بين بلدانهم الأم ووجهاتهم النهائية، طرحت على المؤلفة السؤال التالي: لماذا يركّز السياسيون غالباً على الماضي؟ فأجابت بنبرة تهكمية: "ببساطة لأن هذين الجانبين من التاريخ يسهل تزويرهما ... نحن الألمان أمهر الناس في سرد القصص، فطالما استخدم هتلر وحزبه النازي رواية الماضي في دعاياتهم الإعلامية ضد اليهود، ولإقناع الشعب بأن يقبلوا ممارساتهم لأنها ستؤدي إلى مستقبل أفضل".

لعل هذا النوع من التلاعب بالتاريخ هو ما تتصوره رواية جورج أوريل ’1984‘ عن ممارسات دولة قمعية يديرها حزب خيالي بقيادة زعيم غامض يُدعى "Big Brother"، حيث كان أحد شعارات الحزب أنّ "من يتحكم في الماضي يتحكم في المستقبل، ومن يتحكم في الحاضر يتحكم في الماضي". في ’1984‘ يعيش بطل الرواية (وينستون سميث) مثل أي شخص آخر تحت سلطة الحزب الخيالي الاستبدادية ويعمل (قسرًا) كمحرر سجلات في ’وزارة الحقيقة‘ التي تختص بمراجعة السجلات التاريخية لجعل الماضي يتوافق مع مصالح الحزب الحاكم ورغباته، وهو الحزب الذي يتبنى عقيدة مركزية تقوم على أن الأحداث الماضية ليس لها وجود موضوعي، ولكنها تعيش فقط في السجلات المكتوبة والذكريات البشرية، وأن الماضي هو كل ما تتفق عليه السجلات والذكريات، وبما أن الحزب المركزي يتحكم بجميع السجلات، ولإعلامه الرسمي سيطرة كبيرة على عقول الناس، فإن من يتحكّم في الحاضر لا يتحكّم في الماضي فحسب، بل يخلق أيضا حاضرا جديدا ومشوّها، وعليه فإنّ من يحدد الماضي ]وبالتالي الحاضر والمستقبل[ هو اختيارات الحزب المركزي.

إن التلاعب بالتاريخ هو أحد أوجه الاستخدام السياسي للوقت، لكن على نطاق واسع. أما الآن فننتقل إلى الحديث عن مستوى أدق من الاستخدام السياسي للوقت للتحكم بالسلوك البشري وبالتالي السيطرة على الواقع الاجتماعي-السياسي.

-         السيطرة على السلوك/الواقع الاجتماعي-السياسي

 عند بداية البحث في ما كتبه الباحثون في العلوم الاجتماعية (والطبيعية) عن الوقت، وجدت أن الكثير من المفكرين قد تطرّقوا إلى الدور الذي من الممكن أن يلعبه الوقت في السيطرة على السلوك الاجتماعي، فعلى سبيل المثال، وصف المفكر ميشيل فوكو (1977) في كتابه (Discipline and Punish) مدة السجن على أنها أداة للمعاقبة على ما تصنّفه الأنظمة الحاكمة كـ’سلوك اجتماعي منحرف‘، كما صوّر عالم الاجتماع بيير بورديو في كتابه ’تأملات باسكال‘ (Pascalian meditations) الممارسات البيروقراطية التي تجعل الناس ينتظرون وتعطّل مصالحهم (إلى أجل غير مسمى ودون تدمير آمالهم بالكامل) على أنها جزء لا يتجزأ من أعمال الهيمنة على الواقع الاجتماعي، في حين وضّحت دراسات في مجالات العلوم الاجتماعية -مثل مقالة ’Time, Neoliberal Power, and the Advent of Marx's "Common Ruin" Thesis‘ للباحث ومحرر’صحيفة الوقت والمجتمع‘ روبرت حسن- أن فشل المشروع الديموقراطي لمعظم الحركات السياسية لا سيما الليبرالية التقدمية والاشتراكية يعود إلى التضارب بين التوجهات الاجتماعية-السياسية التي تحاول السيطرة على الأوضاع الراهنة لتحقيق أهداف مستقبلية وتلك التي تفعل العكس بمحاولتها تغيير الأوضاع الراهنة من أجل تحقيق مستقبل مختلف.

أثناء البحث الذي قمت به في دراسة الماجستير وجدت أن تاريخ قضية البدون يحتوي على معظم أشكال الاستخدام السياسي للوقت التي تطرقنا إليها حتى الآن، ولكن ما لفت انتباهي أن الدراسات التي تناولت الاستخدام السياسي للوقت -كما يصفها عالم الاجتماع الأرجنتيني خافيير أويرو في كتابه ’Poor people’s lives and politics‘- ما زالت بحاجة إلى منهجية أكثر دقة، وهذا ما شجعني على أن أستخدم الوقت كإطار نظري وتحليلي في برنامج الدكتوراة الذي بدأت أدرس فيه قضية البدون بملابساتها التاريخية والسياسية وفي سياقاتها المحلية والإقليمية والدولية. 

الاستخدام السياسي للوقت في قضية البدون في الكويت

يأتي اهتمامي بالعلاقة بين الاستخدام السياسي للوقت والواقع الاجتماعي من تجاربي الشخصية ومعاناتي المزمنة مع مسألة الهوية، ولكني لم ألتفت إلى هذه الظاهرة إلّا بعد انتقالي للدراسة والحياة في المملكة المتحدة، وتحديداً في منتصف دراسة الماجستير التي تصادفت مع اندلاع جائحة كورونا، فقد وجدت الانتظار (بلا موعد محدد) أمرًا مريبًا، ويشبه كثيرًا وضع الفئة الاجتماعية التي أنتمي إليها وهي فئة عديمي الجنسية (البدون) في الكويت. لذلك عندما بدأت دراسة الدكتوراة في ديسمبر الماضي، قررت أن أستخدم الوقت كإطار نظري وتحليلي للبحث في واقع الكويتيين البدون في الكويت وفي المهجر. كان هدفي من مشروع الدكتوراة هو أن أتحرّى دور الوقت في نشأة قضية البدون وتطورها في الكويت وسبب وجود عشرات الآلاف منهم في المهجر، ولكن تلك الأسئلة أخذتني أيضًا إلى تاريخ صناعة الطبقية وملابساتها في الكويت وخلق هويات اجتماعية مرتبطة بتوزيع غير عادل للثروات والموارد المادية والمعنوية. أمّا في سياق قضية الكويتيين البدون فإن الأمر لا يقتصر على الانتظار فحسب، فبجانب انتظار (المجهول)، فإن البدون يعانون من ثلاثة أشكال متداخلة من الاستخدام السياسي للوقت، أسميها (لتقريب المعنى فقط): وقت التصنيف؛ ووقت التقييد؛ ووقت الإرباك.

-         وقت التصنيف

 بالنسبة لـ’وقت التصنيف‘ فهو الوقت الذي يتم استخدامه لخلق هويات اجتماعية-زمنية، وفي سياق قضية البدون في الكويت من الممكن ملاحظة هذه الممارسة من خلال ظاهرة استغلال التعداد السكاني الخمسي (لا سيما ما بين 1965-1985) لتفتيت مجتمع البدون إلى شرائح متفرّقة وخلق هويات وقصص (خيالية) عن فئات مستحقة وأخرى غير مستحقة، علمًا بأن هذه التقسيمات والقصص لم تؤدّ حتى الآن إلّا إلى التسويف والمماطلة بالتعامل مع قضية البدون وإطالة أمد معاناتهم نفسيًا وجسديًا، والإشكالية في هذه التقسيمات تكمن في أنها تفتقد إلى  المنطق، فلو كان الهدف من التقسيمات والتنظيمات الاجتماعية هو بناء دولة مدنية ومجتمع متقدم فإن الأحرى هو التركيز على الحاضر برؤى مستقبلية وليس اشتراط التواجد قبل عقود من الزمن كمعيار للاستحقاق، فما هو ذنب أو ما هي ميّزة إنسان ولد اليوم بما فعله جدّه قبل أو بعد عام 1920؟ وحتى لو أردنا أن نتماشى مع هذا المنطق، فهل كان معيار الزمن نزيهًا إلى حدّ أنه راعى الفروقات الثقافية واختلاف طرق ووسائل إنتاج المعرفة والأدلة لكل المجموعات البشرية التي سكنت أرض الكويت قبل قيام الدولة المدنية المستقلة عام 1961؟ وهل فعلًا تم تطبيق هذا المعيار على الجميع؟ أما بالنسبة للكويتيين البدون، فهل حصل من تم تصنيفه كـ’مستحق‘ على استحقاقه؟ وهل تم التعامل مع من تم تصنيفه على أنه ’غير مستحق‘ بالطرق القانونية المدنية والأدلة القطعية أمام القضاء العادل؟ لا شك أنّ أحد أهم أهداف هذه الممارسات هو إنهاك الإنسان البدون بقيود تشل مختلف جوانب حياته كما سنقرأ الآن.

-         وقت التقييد

 أمّا ’وقت التقييد‘ فهو الوقت الذي يُفرض فيه على الإنسان والإنسانة البدون الانتظار (بلا موعد محدد) حتى يحين السماح له أو لها بالحصول على شهادة ميلاد أو حق التعليم أو الزواج أو العمل أو سحب الراتب من البنك (إذا توفر عمل)  أو السفر...إلخ، ويتم ذلك عن طريق تصريحات أو وعود حكومية رسمية وغير رسمية، أو إنشاء أجهزة حكومية تدّعي دراسة قضية البدون وحلها بشكل جذري عادل بينما هي في الواقع العملي تزيد المسألة تعقيدًا، أو غيرها من ’إبر التخدير‘ التي تعطى للبدون -أو يعطونها هم لأنفسهم عندما يظنون أنّه قد يكون "في النار للظمآن ماء". والمريب في هذا النوع من الممارسات أن بعض المسؤولين عنها كأنما يجدون في إطالة أمد معاناة البدون وسط إفقارهم والتضييق عليهم وشلّ حياتهم ودفعهم إلى الانتحار ’مكاسب وطنية‘، على الرغم من دراية بعض المسؤولين بالتبعات الخطيرة لهذه الممارسات على المجتمع الكويتي وعلى سمعة دولة الكويت وصورتها الإنسانية والاجتماعية دوليًا، ورغم توثيقات الكثير من تقارير المنظمات الإنسانية والحكومية لجسامة إطالة أمد معاناة البدون وخطورة تسويف حل قضيتهم (انظر على سبيل المثال إلى تقرير الحكومة البريطانية لعام 2021 عن البدون في الكويت) إلّا أن هذا النوع من الممارسات ضد البدون ما زال قائمًا إلى الآن لإرباك البدون ودفعهم إلى خيارات تؤدي إلى تحطيمهم معنويًا وماديًا على النحو الذي يشرحه النوع التالي والأخير من الاستخدام السياسي للوقت في سياق قضية البدون في الكويت.

-         وقت الإرباك

وأما ’وقت الإرباك‘ فهو الوقت الذي يتم فيه فرض واقع معين على البدون وفق جداول زمنية محددة تجبرهم على خيارات محدودة تؤدي جميعها إلى أضرار وخسائر مادية ومعنوية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نرى مثل هذا النوع من توظيف الوقت لإرباك البدون والتحكم بسلوكهم الاجتماعي في الممارسات اليومية لبعض الأجهزة التي تتعامل مع البدون مثل بعض المسؤولين في الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية أو الإدارة العامة للجنسية والجوازات، تارة من حيث مواعيد استقبالهم لمعاملات التجديد والإصدار، حيث يضطر البدون إلى التواجد أمام مقر هذه الأجهزة أحيانًا قبل صلاة الفجر لحجز موقع متقدم في الطابور الذي يحدد موظفو الجهاز كم من أفراده سيتم السماح لهم بتقديم معاملاتهم وكم سيتم طردهم بشكل أو بآخر وأمرهم بالمراجعة في يوم آخر، وطالما اضطررت شخصيًا للوقوف في تلك الطوابير سواء قبل طلوع الشمس في حالة الدوام الصباحي، أو عند سقوط أشعتها عموديًا على الرأس في حالة الدوام المسائي، وطالما انتظرت لساعات في تلك الطوابير ولم يسمح لي بتقديم معاملاتي في نهاية المطاف لأن الجهاز يقبل بعدد معين من المعاملات، وعلى نطاق أوسع، فإن وقت الإرباك يتجسد في معظم المستندات الرسمية التي تقدّم للبدون بصلاحية انتهاء قصيرة جدًا منها جعل صلاحية البطاقة الأمنية ثلاثة شهور فقط بينما تشترط الدوائر الحكومية لإنجاز أي معاملة رسمية للبدون أن تكون البطاقة صالحة لمدة ثلاثة شهور على الأقل، فعليك أن تتصور حجم الإرباك الذي يمر فيه البدون الذي يحتاج إلى تجديد رخصة قيادته وتحديث بياناته البنكية وإصدار شهادة ميلاد طفله أو طفلته...إلخ، في يوم واحد. وأما أقصى أنواع الإرباك عن طريق الوقت ما جاء به قانون البدون الذي حاول رئيس مجلس الأمة الدفع به، والذي، إن أُقر، سيفرض على البدون ’تعديل أوضاعهم‘ خلال سنة واحدة أمام تهديد بفرض عقوبات عليهم إن لم يفعلوا كذلك، وهذه الممارسة خطيرة جدًا لأنها تخلق للبدون ظروف نفسية واجتماعية تدفعهم إمّا إلى الوقوع في الفخ الذي وقع فيه الآلاف من البدون الذين تم تحويلهم إلى أجانب في وطنهم، راهنين مستقبلهم ومستقبل أبنائهم تحت رحمة المجهول والصفقات السياسية-الاقتصادية، أو الهجرة (غير الشرعية) التي قد تؤدي إلى سجنهم أو موتهم في المحيطات أو الانتحار نتيجة فقدان الوسيلة والأمل وهو ما بدأنا نشاهده في العامين الماضيين (انظر إلى مقالة لماذا ينتحر عديمو الجنسية (البدون) في الكويت؟ - أحمد السويط)

الخلاصة

عند تعمقي بدراسة ظاهرة الاستخدام السياسي للوقت بشكل منهجي وإسقاطها على الواقع الاجتماعي-السياسي في الكويت، وجدت أن المجتمع الكويتي بكامله يقع ضحية تقسيمات سياسية تفتته إلى طبقات متمايزة في الحقوق (رغم تساويها في الواجبات)، وتم ذلك عن طريق تجيير الوقت في قانون الجنسية الكويتي (رقم 15 لسنة 1959) الذي نتج عن اشتراطاته (لإثبات الإقامة في الكويت إلى ما قبل عام 1920) ’كويتيين أصليين‘ يتمتعون بهوية وطنية محصّنة، وكويتيين متجنسين هويتهم الوطنية مهدّدة، وكويتيين بدون (جنسية). ولا شك أن هذه التقسيمات فرضتها ولا زالت تفرضها الطبقات الاجتماعية نفسها التي طالما وظّفت سياسة ’الوقت يحلها‘ ورواية التاريخ (الماضي) للتعامل مع المعضلات الاجتماعية والسياسية في دولة الكويت منذ قيام الدولة المدنية المستقلة عام 1961. ورغم فقداني الأمل من جدوى توجيه الأسئلة لمن قد يعرف إجاباتها أكثر مني ولكن لا يهتم بالتفكير فيها، إلّا أنني أتحدى نفسي، كما أرجو أن تتمكنوا من تحدي أنفسكم للتأمل في التاريخ وفي واقع البلاد الاجتماعي (لا سيما على مستوى قضية الكويتيين البدون والسخط الشعبي وإرهاصات انهيار مستوى التعليم) وواقعها الاقتصادي (لا سيما على مستوى تهالك البنى التحتية وتعطل مشاريع التنمية)، ثم للتفكير بالأسئلة التالية: هل تسويف القضايا العالقة وإطالة معاناة المتضررين منها يحلها أم يعقّدها؟ هل استفاد هتلر (أو غيره ممن عذبوا الناس) من التلاعب بالتاريخ، أم أنهم ألقوا بأنفسهم أخيرًا إلى التهلكة؟

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
عرض المزيد