dark_mode
  • الأربعاء ٢٩ / مايو / ٢٠٢٤
الاستقرار مقابل الفوضى: هل تغير موازين القوى يضع الدول الهشة على حافة الهاوية؟ - إيمان جوهر حيات

الاستقرار مقابل الفوضى: هل تغير موازين القوى يضع الدول الهشة على حافة الهاوية؟ - إيمان جوهر حيات

دوليا:
في خضم ما يواجهه العالم من تغير مناخي، وما نشهده جميعا من تقلب موازين القوى وسباق تنافسي محموم بين أقطاب دول العالم العظمى على مراكز الصدارة، والانعكاسات السلبية التي تواجهها معظم شعوب العالم وبالأخص غالبية شعوب ودول آسيا وأفريقيا وما ترتب على ذلك من عسكرة المنافذ البحرية والبرية والسيبرانية، وتصاعد وتيرة الصراعات والأزمات وانتعاش الشركات الأمنية وتصاعد الحروب بالوكالة في أغلب دول العالم النامية والفقيرة والهشة والمتصدعة حدودها. 

في ظل هذه الفوضى الخلابة ، يعاني الكثير من شعوب الدول النامية والفقيرة من عدم الاستقرار السياسي والصراعات المستدامة بسبب سوء الإدارة وقصر النظر  واختلال المنظومة السياسية وغياب المساءلة والشفافية وتسييد الجشع وانعدام الإنسانية وتصدع العدالة وقمع الحريات. ويترتب على ذلك  استنزاف لموارد تلك الدول وتعريض شعوبها للفقر والمجاعة والجهل والبطالة وتفشي الأوبئة والهجرة والتمرد وسائر الاضطرابات الاجتماعية، والأخطر هو فقدان ثقة تلك الشعوب المنتهكة حقوقها والمنهكة بسبب نهج بعض النظم السياسية التي  تستغل أزمات وقضايا المجتمع وتعيد تدويرها (دون البحث عن حلول جذرية عادلة) لتوجيه الرأي العام أو إلهائه عن القضايا الأكثر إلحاحاً وأهمية كوسيلة  لتحصين  السلطة على حساب النمو والاستدامة، وبالتالي يترتب على ذلك  تصاعد حالة الفوضى والانقسام  مما يخلق بيئة خصبة تستقطب مطامع قوى أخرى متعطشة للهيمنة والتوسع وتعرف كيف تصطاد بالماء العكر. 

ثقة الشعوب هي الحصن المنيع الذي يحفظ شرعية الدولة. وغيابها يجعل الدولة عرضة للتهديدات الداخلية والخارجية، وتفقد قدرتها على الحفاظ على الأمن والاستقرار.

محليا:
إن المعضلة التي تواجه الدول النامية والفقيرة ليست مجرد قضية اقتصادية أو سياسية  أو اجتماعية عابرة، بل هي نتيجة تفاعلات معقدة  أهمها هي الأسس والقواعد المنظمة والضابطة لعلاقة الحكومات بشعوبها ومدى اتساقها مع التغييرات والتطورات، ولو نظرنا إلى واقعنا المعاش في الكويت وعلى الرغم من أن لدينا أهم مقومين تنهض من خلالهما الدول وهما وجود وفرة مالية كبيرة، وطاقات شبابية؛ حيث أن نسبة الشباب في الكويت ما يقارب 72٪ من عدد السكان، إلا أن هناك جمود وضبابية في المشهد السياسي حيث ما زلنا في مرحلة الأمنيات والآمال ولم نشهد فعليا تحركات جادة ومسؤولة مستندة على التخطيط الاستراتيجي الذي يحفظ لهذا البلد على المدى القصير والطويل أمنه واستقراره ويعزز مكانته الدولية.

أما بالنسبة للجانب الاقتصادي فما زال النفط مصدر دخل رئيسي، واعتماد الكويت الكبير على النفط يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، بالإضافة الى ارتفاع نسبة البطالة وارتفاع معدلات التضخم، وعدم تواؤم التشريعات والقوانين مع رؤية تحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري جاذب للاستثمار وقادر على توفير فرص عمل جيدة للشباب، ولا يمكن أن يتحقق ذلك من دون فك التشابك بين أجهزة الدولة المختلفة وحوكمتها.

أما بالنسبة للجانب الاجتماعي الذي يؤثر ويتأثر بكل الجوانب السابقة؛ نشهد ارتفاع معدلات الجريمة والعنف والإدمان: 
إحصائية النيابة العامة في الكويت لـ 2022: التي تم نشرها في صحيفة القبس بتاريخ 22 فبراير 2023 والتي تشير الى ارتفاع كبير في 7 أنواع من الجرائم في البلاد، أبرزها جرائم العنف الأسري، والأحداث، والمخدرات، والصحافة والإعلام وتكنولوجيا المعلومات.

إن هذه الإحصائيات المثيرة للقلق، إلى جانب المشاعر السلبية السائدة التي لوحظت بشكل واضح على منصات وسائل التواصل الاجتماعي والتي تنمو وتتفاقم كانعكاس لما يحدث على الصعيد الدولي وتزامنا مع  ما يعيشه البلد من اضطرابات سياسية لم تعد أعراض عابرة ، بل هي مظاهر لوجود مشكلات جذرية في الهيكلين الاجتماعي والسياسي للبلاد، سببها الرئيسي هو صراع المصالح  الذي أدى لتأجيج خطاب الكراهية بين أفراد المجتمع  واستغلال القضايا الاجتماعية المعقدة والمتراكمة منذ عقود وإعادة تدويرها لتحقيق مكاسب خاصة لا تأبه للصالح العام، مما أدى لتقسيم المجتمع لفئات متنافرة، و خلق حالة من عدم اليقين في مصداقية المؤسسات العامة للدولة، وكشف عن وجود خلل عميق  وجرح غائر لم تعد تستطيع أن تداويه المسكنات. 

وعليه لا بد من معالجة الأسباب الكامنة وراء ما نعيشه من تراجع وتحديد الجهات المسؤولة عن ذلك، 
 ومن الضروري فهم وتقييم الدوافع الكامنة وراء هذه الاتجاهات، وتحديد المستفيد في النهاية من هذا الوضع المزري ومحاسبته. 

قضايا المجتمع ليست مجرد مشاكل فردية أو جماعية، بل هي عادةً ما تعكس حالة النظام السياسي في أي دولة، فلو نظرنا لأحد أقدم القضايا الاجتماعية في الكويت وهي قضية انعدام الجنسية التي تمثل صورة مصغرة للمشاكل الأوسع في المجتمع. وقد خصصت لها صحيفة بلاتفورم مساحة لتسليط الضوء على مكامن الخلل والمعاناة التي يعيشها أبناء هذه الفئة وقبلهم آباؤهم وأجدادهم بعد أن أوصدت أغلب وسائل الإعلام الأبواب في وجوههم لأسباب سياسية أو عنصرية تتبنى رأي واحد غير قابل للنقد ولا يكترث للآخر المختلف.   

ما يتعرض له البدون منذ عقود  ليس مقتصر على الحقوق الأساسية  فقط، بل يمتد ليشمل حرمانهم من حقوقهم الإنسانية والحط من كرامتهم، وما تعقد أحوالهم إلا انعكاس لمشاكل أوسع وأشد تعقيدا في هيكلة النظام العام وقصر نظر وارتجال واضعي السياسات وهو الهم الأكبر الذي أصبح يهدد كل جوانب حياتنا، وأصبحت الكويت التي كانت رائدة ومحط أنظار الجميع في تراجع غير مسبوق في كل المجالات وعلى كل الأصعدة حيث انخفض سقف الحريات وتزايدت التشريعات والقوانين المقيدة لحق التعبير عن الرأي والتي دفع أبناؤنا ضريبتها بسبب رأي يراد به في الأغلب التنفيس. وهذا جزء يسير مما يعانيه الإنسان البدوني منذ عقود في الكويت. لماذا؟ 

اختلال التوازنات في أي مجتمع سواء من خلال تبني الحوار العنصري والتمييز له عواقب وخيمة على المجتمع والدولة، وتجاهل الحكومة لمشكلة عديمي الجنسية والمماطلة بوضع حد لهذه المأساة الإنسانية واللجوء إلى الحلول الترقيعية التي تبدأ بإنكار وجود البدون وتغيير مسماهم لمقيمين بصورة غير قانونية وتقييد حقهم في اللجوء للقضاء للفصل في أمرهم، واستبعادهم من الفرص الاقتصادية والتعليمية وغيرها، يساهم في تعزيز الفجوة بينهم وبين باقي أفراد المجتمع ويؤدي هذا التمييز المستمر إلى تفشي الفتن والعنصرية مما يسرع من وتيرة الانقسامات بين كافة مكونات المجتمع، ويدفع الناس في التفكير بمصالحهم الشخصية بدلاً من الصالح العام.

تبدأ الخطوة الأولى نحو حل أي قضية بما في ذلك قضية البدون، بالاعتراف الصريح بوجودها، وتوجيه الأسئلة الصعبة حول من المستفيد من الوضع الراهن؟ ومواجهة الخلل من خلال وضع خطط وقوانين واضحة تقدم حلولًا عادلة وقابلة للتطبيق.

إعادة الكويت كلاعب فاعل ومنافس على المستويين الإقليمي والدولي يتطلب تطبيق استراتيجيات شاملة
 متعددة الأبعاد لمواجهة التحديات المتشعبة والمعقدة، وقدر كبير من الشفافية ونقد ذاتي لا يعترف بالتجميل أو التعنت أو الإنكار، وإرادة تسيرها المصلحة العامة لا المصالح الخاصة لتحقيق الغاية المنشودة وهي بناء مجتمع يحترم الحقوق الأساسية لجميع أفراده، ويعترف بأن العدالة الاجتماعية ليست مجرد هدف إنساني نبيل، بل هي العامل الرئيسي لضمان التنمية المستدامة والحيلولة دون السقوط في هاوية الفوضى والاضطراب. 

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد