dark_mode
  • الإثنين ١٧ / يونيو / ٢٠٢٤
بين جغرافيتين.. ضاعت صقلة البدون.. والثالثة باعتهم الوهم عقودا ممتدة - جاسم محمد الشمري

بين جغرافيتين.. ضاعت صقلة البدون.. والثالثة باعتهم الوهم عقودا ممتدة - جاسم محمد الشمري

الجغرافيا الطبيعية هي الأرض بما حوت من صحار وبحار وتلال ووديان وسهول وسلاسل جبلية وتضاريس لا يد للإنسان في تكوينها، وبهذا المفهوم الشمولي كانت أرض شبه الجزيرة العربية وحدة جغرافية واحدة امتدادا من سواحل بحر العرب جنوبا وصولا إلى هضبة الأناضول شمالا ومن البحرين الأحمر والمتوسط غربا إلى الخليج العربي ومصب الرافدين وجبال زاجروس شرقا، يسير الفتى العربي ممتطيا صهوة حصانه أو ظهر بعيره ليقطع الفيافي على مدى عشرات القرون دون أن يستوقفه حاجز أمني يطلب منه إبراز وثائقه الثبوتية وهو ما شكل ثقافة راسخة مفادها أن هذه الأرض الممتدة هي موطنه.

وعليه شكلت الجغرافيا الطبيعية النسخة الأولى لتفاعل العربي مع الأرض ولا يعني ذلك عدم وجود منظومات إدارية كانت تستهدف في المقام الأول حفظ الأمن من غارات قطاع الطرق أو من امتهن السطو المسلح والاستقواء على الآخرين حرفة له خلال هذه الحقب الممتدة طيلة عصور دول الإمبراطوريات أو دويلات المدن والإمارات المحلية التي نشأت على هذا المسطح، إلا أن هذه المنظومات الإدارية لم تأخذ شكل الدول الحديثة وتضفي مشروعية واضحة أو معايير محددة على من تعتبرهم مواطنيها أو رعاياها وتستثني الآخرين من هذه الصفة.

أما الجغرافيا السياسية فتعنى مباشرة بتكون الدول على أرض ما وتطورها المرتبط بصياغة السلطة فيها والعلاقة المتشابكة بين السلطة والشعب ومفهوم المواطنة المؤسس على معايير واضحة ومحددة وهي في الجزيرة العربية أمر مستحدث وذلك أنها كانت وعلى مدى قرون متواصلة إقليم إداري تابع للإمبراطوريات المتعاقبة ابتداء من خلافة الراشدين إلى الأمويين ثم العباسيين وتلاهم العثمانيون ولم تأخذ شكل الوحدات السياسية المستقلة إلا مع إطلالة القرن العشرين وتكريس الاستعمار الغربي لها.

هذه المقدمة كانت ضرورة لتلخيص معاناة شيخ في الثمانين من عمره تقريبا قضى ربعها تقريبا يطارد إبله في مناطق اعتاد أهله الإقامة بها خلال أشهر الشتاء والربيع ويحددها في خط هلالي يمتد من بر الصابرية وصولا إلى الرتقا فيما أمضى الربعين التاليين عسكريا في الجيش الكويتي وأخيرا الربع الأخير منتظرا لحظة الوداع متحسرا كيف أنه قطع كل هذه السنوات مطاردا من جغرافيا ومقيدا بحكم أخرى ومنتظرا لوهم هو جغرافيا العاطفة والتي تعني حالة الارتباط الوجداني مع هذه الدولة التي لم تنصفه وكثيرين.

أبو راكان وينتمي لقبيلة عريقة لديه أربعة أبناء أصغرهم بدا للتو عامه الأربعين وأكبرهم في الخامسة والخمسين وهو الناجي الوحيد من بينهم فقط من مقصلة البطالة حيث التحق عسكريا كوالده قبل ما يقارب من خمسة وثلاثين عاما في حين لم يسعف العمر بقية إخوته لركوب قارب النجاة هذا.

أحدهم ويعمل إعلاميا يقول إن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تعرف الشخص عديم الجنسية بأنه من لا يحمل أي جنسية. ويضيف: لماذا لا يريد المعنيون بأمرنا تصديق ذلك؟! ويضع ألف علامة استفهام على حديث والده الذي راح يعدد مناطق رعيهم في سنوات عمره الأولى قبل أن يتمدن ويقول: هذه ديارنا فلماذا يستكثرون علينا المواطنة ولماذا يعتقدون بضرورة أن يقيم أجدادنا في فرجانهم لنكون مواطنين كاملي الأهلية.

سؤالان لم يجد أبو راكان إجابة لهما طيلة السنوات الستين الماضية يتلخصان في: ما هي معايير المواطنة التي لم نستوفها حتى نحرم منها؟ وهل يعقل أننا وبعد هذا العمر يطلب منا الانتماء إلى بلد آخر أو طلب المواطنة منه؟

وخلصت إلى أن المواطنة مفهوم فضفاض في إقليم لم يتحرر بعد من الجغرافيا الطبيعية ولم تدخله الجغرافيا السياسية إلا حديثا وهو ما دفع أحد النشطاء في ملف البدون للقول إن مفهوم المواطنة ملتبس. سألته: كيف ذلك؟ فأجاب: بمجرد تداول لفظة متجنس من البعض المؤمن بأن هناك مواطنتين واحدة كاملة الدسم وأخرى منزوعة منه يعطينا ضبابية في مدى الإيمان بهذه المواطنة وقصورا معرفيا بواجباتها وحقوقها.

يستطرد بالقول: يبدو أن السلطة سعيدة بانشغال الناس بهذه الصراعات ولا تعي حجم المخاطرة في تكريس شعور بالدونية عند شريحة واسعة من أبناء المجتمع. ويضيف: كان من صاغ قانون الجنسية الصادر في العام 1959 واعيا لهذه النقطة وتقدميا في تناوله لموضوع الهوية حينما أوجد المادة الثانية من القانون بصياغتها الواضحة والحازمة: يكون كويتيا كل من ولد لأب كويتي وعليه كان لزاما أن كل المواطنين بعد تطبيق هذه المادة على أبناء وأحفاد من اكتسبوا الجنسية على مواد أخرى سينصهرون في شريحة واحدة فقط لهم ذات الحقوق وعليهم ذات الواجبات.

ويردف بالقول: تجميد هذه المادة أوجد مفهوما مغلوطا للمواطنة، والسلطة التي أسقطت من حسابها تطبيق هذه المادة عملت على تفتيت المجتمع حينما أوجدت قضية البدون بالتزامن مع إسقاط هذه المادة من القانون والتغاضي عن المشروعية القانونية لإقامة البدو الرحل واستيطانهم في الحاضرة وفقا للمادة 25 من قانون الإقامة الذي صدر بالترادف زمنيا مع قانون الجنسية.

معطيات تعيدنا إلى حديث أبو راكان الشيخ الثمانيني وسؤاله الحاضر: لماذا أغفلت الحكومات المتعاقبة إغلاق هذا الملف في بواكير أعمارنا قبل أن نتورط ونورط أبناءنا وأحفادنا بوهم الجغرافيا الثالثة.  

الدكتور عذبي العصيمي إعلامي ناشط على وسائل التواصل الاجتماعي يجيب على سؤال طرحته عليه: استفهمت فيه ما إذا كان البدون فعليا هم ضحية الجغرافيا بمعنى أن الإقليم العربي كان واحد وأن استحداث الدول فيه هو ما ولد هذه القضية؛ فرد بالقول: نعم، القبائل متواجدة قبل ترسيم حدود الدول وإنشائها بمفهومها الحديث حيث كانت القبائل تترحل من الكويت إلى السعودية إلى العراق "بحثاً عن المراعي" وهذا مدون في الكتب ومؤرخ عند الكثير "حتى أن المادة 25 فقرة د من قانون الإقامة الصادر في عام 59 أعطى استثناء للقبائل ( العشائر)" من الإقامة حيث أعفاهم من هذه الطلبات "ثم ثانياً في الكويت كان قبل التأسيس وإقامة الدولة البدون هم كويتيين" حيث كانوا في السلك العسكري والقطاع النفطي "ولا فرق بينهم أبداً" لكن ما بعد تأسيس الدولة وإنشاء لجان الجنسية "التي كانت تحمل فكرا محددا تم إقصاء أهل البادية تحديداً" وهذا كان معلوما وواضحا حيث ظلم أهل النفط وأهل الداخلية وأهل الجيش، وحتى في مجالس الأمة السابقة كانت هناك أسئلة برلمانية وجاءت ردود عليها بأن الجنسية الكويتية حصل عليها غير مستحقين لها وحرمها مستحقون منهم أهل الداخلية والنفط؛ ولذلك الجواب: نعم، لم يكن هناك حدود وتم ترسيمها حتى عام 60 تقريباً بشكل رسمي ثم إن الدولة رسمياً أعفت القبائل الرحل من قانون الإقامة وأدخلتهم الجيش والداخلية والنفط وبعض الجهات الحكومية ويكتب في جميع سجلاتهم كويتيون.

وما إذا كانت الدول الحديثة في منطقتنا تتعامل بشيء من الضبابية والغموض مع مفهوم المواطنة، يقول الدكتور العصيمي: "في دول الخليج لا يوجد تعريف للمواطنة "لأنها دول ذات خليط جغرافي" والمواطنة مفهوم مادي بعض الشيء؛ أي تتعامل الدول بالمواطنة من منطلق ماذا يأخذ وماذا تخسر عليه الدولة لأنها دول ريعية لا تفرض ضرائب ولا رسوم على الناس". ويتابع: أعتقد أن مفهوم المواطنة غائب جداً حتى في سلوك الأفراد وهذا ملاحظ في تعامل البعض تجاه من هم أقل منهم ومن أتى قبل من.

وحول إن كان هناك إمكانية للقول أن إشاعة مفهوم التجنيس العشوائي ومزدوجي الجنسية وتزوير أو إخفاء الجنسية من قبل البدون هو من أجل إقصائهم عن المواطنة المستحقة لهم.. يرد الدكتور العصيمي قائلا: الدولة تعلم جيداً تفاصيل قضية البدون وتعلم كيف يتم حلها لكن القضية أصبحت موطن تكسب للجميع حيث كانت في بدايتها قضية سياسية ثم أصبحت قانونية وأمنية والآن إنسانية فقط وهذا بسبب تأخر اتخاذ القرار بحل هذه المشكلة.. علماً أن الحل سهل جداً وهو بتطبيق قانون الجنسية فقط، يعني لا داعي للبحث عن قوانين وإطالة التكسب، فقانون الجنسية الكويتي الصادر في 1959 والتعديل الأخير الصادر في عام 2000 يحل الملف بشكل نهائي.

الناشط طالب العبسي من جهته يسلط الضوء على زاوية تاريخية ويرى أن البدون مصطلح أطلق على العرب الرحل لأكثر من أرض إلى أرض حسب بيئتها وخيراتها وعرف عن القبائل البدوية أنها تعتمد على الأراضي الخصبة والأقل حرارة وتوفر الموارد الطبيعية فيها حتى يتسنى لهم رعي أنعامهم وتوفير سبل المعيشة الخاصة في مجتمعهم وأصل كلمة البدون يرجع إلى كلمة البدو وأول من استخدمها البريطانيون في وثائقهم "Beduin"، ولذلك يختلف التعامل مع القضية مع اختلاف الحقب الزمنية والأحداث المصيرية ويترتب ذلك على عدة أمور منها الجغرافية والاقتصادية والتاريخية والدينية.

ويتابع العبسي شرحه قائلا: كانت قبائل البدون قبل اتفاقية سايكس بيكو (1916) تسكن ما بين ثلاث مناطق يطلق عليها حاليا العراق والكويت والسعودية وتجد أن مشكلة البدون في هذه الدول الثلاث كبيرة جدا وبتعداد كبير ومن ضمن تلك القبائل الظفير والمنتفق وشمر وبني مالك... إلخ، وعليه يجب أن نتصور كيفية المعيشة في تلك الفترة وأهمية الحدود التي تم وضعها بما أدى إلى خلق تلك المشكلة.. فقد كانت هذه القبائل غير مستقرة في بلد أو بقعة جغرافية معينة وكان استقرارهم مؤقت بناء على البيئة المناسبة لأنعامهم والطقس فعرفت بأنها القبائل النازحة أو القبائل الرحل لكثرة ترحلهم من مكان إلى آخر وعندما نبحث في كتب التاريخ نجد بأن تركيزهم كان في البقع الجغرافية الثلاث التي ذكرنا آنفا ونلاحظ أيضا بأن هناك الكثير من القبائل استوطنت أراضي لهم وكانت تلك الأراضي حدودها مشتركة بين الدول الثلاث وعلى سبيل المثال قبيلة الظفير وعنزة ولواء المنتفق أيضا فقد كانت حدود أراضي القبائل بين الكويت والسعودية والعراق.. وهنا تكمن المشكلة الجغرافية حيث إنه بعد اتفاقية سايكس بيكو لم يكن -وبحسب التقارير البريطانية- لهذه القبائل ثقل سياسي يدعو إلى أخذهم بعين الاعتبار.. وأدت هذه الاتفاقية إلى تفكيك الإمبراطورية العثمانية ووضع خارطة جديدة لهذا الإقليم.. وكانت سايكس بيكو تركز على منطقة مهمة وهي جنوب العراق ومدينة البصرة لأهمية موقعها الاستراتيجي ومواردها الطبيعية.

ويضيف العبسي أن قبائل البدون اكتسبت أهمية لها بعد ثورة العشرين حيث أعيدت كافة الحسابات والخطط لأن تلك الثورة رغم فشلها كبدت البريطانيين خسائر مهولة وكانت كلفتها باهظة الثمن على البريطانيين بما أدى إلى خلق حالة سياسية جديدة تجاه القائمين بالثورة من هذه القبائل.

ويرى أن تاريخ 1920 هو أهم عام في تاريخ الكويت وهنا بدأت المشكلة، فالقانون الكويتي حدد بأن المؤسسين هم من تواجد عام 1920 وهذا التحديد لم يأت من عبث فالأسباب واضحة وبالأخص تجاه قبائل الشمال فالحقبة الزمنية السابقة لهذه التاريخ كانت مليئة بالحروب والغزوات والتحالفات ومبدأ عدو عدوي صديقي... وكان هناك تعامل خاص مع هذه القبائل التي ترفض مبدأ الموالاة لشخص من خارج أبنائها أو الإذعان إلى دولة بعينها لم تكن تمثل لهم سلطة إدارية أو معيشية حقيقية في حينها وبدأت رحلت التهميش والإذلال لهم بعد ترسيم الحدود.

العبسي يرى أن ما يوصف بالتجنيس العشوائي له دلالة واضحة للبغض تجاه قبائل محددة كانت لها أسبقية التواجد في المنطقة الشمالية من الدولة... ويضيف أن السلطة أو الحكومة لم تكلف نفسها بتثقيف المجتمع بأهمية المواطنة في حينها وأهمية الانتماء إليها.

قراءة تاريخية ربما كانت تشكل رؤية أخرى لمتخذ القرار الذي يتعامل مع معطيات الجغرافيا بمعزل عن الظروف التاريخية.. وليكون واقع القول إن مشكلة البدون تكمن في الجغرافيا ابتداء وفي التاريخ انتهاء وعزلهما لا يوفر ظروفا موضوعية لمعالجة هذا الملف المزمن.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد