dark_mode
  • الثلاثاء ٢٣ / أبريل / ٢٠٢٤
الهوية الوطنية: خط أحمر أَم نوط أزرق؟ - فهد راشد المطيري

الهوية الوطنية: خط أحمر أَم نوط أزرق؟ - فهد راشد المطيري

الهوية الوطنية، وبصرف النظر عن مضمونها، بناء اجتماعي من صنع البشر، وهي من هذه الزاوية لا تختلف عن المال والعِرق والقانون والمؤسسات الاجتماعية على اختلافها؛ ليس لها وجود موضوعي، وليس لها قيمة من دون أن نضع نحن لها قيمة. هي اختراع بشري، ومثل أي اختراع، جاءت عن حاجة لوجودها، فما هي الحاجة إلى إيجاد "هوية وطنية"؟ هناك أسباب تاريخية بعضها غير مرتبط أصلا بثقافتنا العربية الإسلامية، لكن هناك في المقابل أسباب عمليّة مرتبطة بأي مجتمع بشري، لعلّ أهمها أن وجود حد أدنى من المصالح المشتركة بين أفراد المجتمع الواحد قد يساهم في استقرار المجتمع ويحميه من الأخطار الخارجية.

حين يرفع "اليمين المتطرف" شعار "الهوية الوطنية" في أي مجتمع، تبدو المفارقة واضحة؛ فالهوية الوطنية لم تعد تهدف إلى المساهمة في استقرار المجتمع، بل تمزيقه، وهذا ما نشهده بوضوح في مجتمعنا، خصوصا حين يُرفع شعار "الهوية الوطنية" ضد أضعف فئات المجتمع، مثل "البدون" أو الفئات الأخرى، وفي حالة "البدون" تحديدا، وخصوصا في الآونة الأخيرة، بلغ خطاب الكراهية حدّا خطيرا من دون أدنى مسؤولية من حكومة يقع على عاتقها في المقام الأول حماية هذا المجتمع الصغير من خطاب وصل إلى حدّ الحضيض في ألفاظه، ولا أقول أفكاره، لأن في الحضيض ليست هناك أفكار، بل هناك فقط مجرد انفعالات متشنّجة تتذرّع بحب الوطن لقمع "البدون"، وترفع شعار "الهوية الوطنية" في تضاد مصطنع مع وجود "البدون".

لكن هل هناك تضاد فعلا بين الهوية الوطنية ووجود "البدون"؟ قبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال، لنلاحظ أولا مفارقة أخرى بين طرفي هذا التضاد المزعوم؛ فكلمة "البدون" تشير إلى مجموعة من البشر يعيشون بيننا، ومهما بلغ حجم الجحود تجاههم، لا أحد يستطيع أن ينكر وجودهم. في المقابل، لا يشير تعبير "الهوية الوطنية" إلى شيء ملموس وموضوعي، بل هو اختراع بشري كما سبق أن ذكرنا، وهو يتغيّر بتغيّر الزمن والظروف والثقافات، وأما المفارقة فلا تقتصر على إنكار لما هو حقيقي، أي وجود "البدون"، كما لا تقتصر على إيمان أعمى بما هو في الأصل اختراع وليس له وجود موضوعي، مثل مفهوم "الهوية الوطنية"، إنما تجاوزت المفارقة هذا وذاك وذهبت إلى حد استخدام الهوية الوطنية لإنكار وجود البدون، أي استخدام ما هو هلامي ونسبي للحُكم على ما هو حقيقي وموضوعي.
 
لنعد إلى السؤال المطروح مرة أخرى: هل هناك تضاد فعلا بين الهوية الوطنية ووجود "البدون"؟ من الضروري أولا أن نتبيّن المقصود بالهوية الوطنية قبل فحص مدى صحة الادّعاء بوجود تضاد بين وجود "البدون" والهوية الوطنية. بطبيعة الحال، لا وجود لتعريف جامع مانع لمفهوم الهوية الوطنية، فقد سبق أن ذكرنا أنه مفهوم يتغير بتغير الزمن والثقافات والظروف. لكن ربما يسعفنا في ذلك بعض الكُتاب في صحافتنا المحلية، وبالأخص أولئك الذين يفضّلون لمقالاتهم عنوانا مستهلكا مثل: "الهوية الوطنية خط أحمر". ما يلي نماذج عشوائية، لا تشترك فقط في عنوانها المستهلك، بل تشترك أيضا في المناسبة نفسها، فهي مقالات تظهر عادة بعد أي خبر صحفي حول نية (لاحظ "نيّة) الحكومة في "تجنيس المستحقين من البدون".

تحت عنوان "الهوية الوطنية خط أحمر"، يستشهد كاتب بالآية التالية: "يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم". لكن ما هي مناسبة هذا الاستشهاد؟ لن نعرف حتى نصل إلى آخر فقرة في المقال، حيث كتب يقول: "إن التصدي لمن يحاول تغيير وتشويه الهوية الوطنية، واجب على كل مخلص"! من العجيب أن يتحوّل المعيار الحقيقي في الاختلاف من معيار تقوى الله إلى معيار "الهوية الوطنية"، فهذا الاستشهاد يشبه في تناقضه أن يعطيك شرطي مرور مخالفة لأنك احترمت قواعد المرور، لكن حين تسود اللاعقلانية، لا شيء يتكاثر أكثر من التناقضات. بالطبع، ليست هناك أدنى إشارة في المقال إلى ما إذا كان حرمان أطفال من التعليم يدخل من باب الحفاظ على الهوية الوطنية، أو ما إذا كان حرمان موظفين من معاشاتهم يدخل من باب الحرص على "الوحدة الوطنية"، أو ما إذا كان احتجاز من يطالب بحقوقه المشروعة يدخل تحت بند "التصدي لمن يحاول تغيير وتشويه الهوية الوطنية". الكل يريد الحفاظ على هوية هذا الوطن، لكن هناك مَن يريدها هوية جامعة ومسالمة ومتسامحة، وهناك مَن يريدها هوية كراهية وعنف وإقصاء.

يبدو كاتب آخر أكثر جدّية ممن سبقه في التعامل مع مفهوم "الهوية الوطنية"، فهو على الأقل يعرّفها بأنها "مجمل السمات والخصائص المشتركة التي تميز أمة أو وطنا عن غيره". لكن حين نقرأ مثل هذا التعريف، نتوقع أن يسرد علينا الكاتب هذه "السمات والخصائص المشتركة" التي تجمعنا في هذا المجتمع، لكنه لا يفعل، بل يُحيلنا على سمات عامة يسميهما "مكونات الهوية الوطنية". حسنًا، ما هذه المكوّنات؟ يحدد الكاتب أربعة، هي: (1) الموقع الجغرافي، و(2) الثقافة، و(3) التاريخ، و(4) الحقوق والواجبات. 

ماذا عن الموقع الجغرافي؟ بالطبع، تقع دولة الكويت بين خطّي عرض 28 و30 شمال خط الاستواء، وإذا كان هذا هو أحد مكونات الهوية الوطنية، فهل يستطيع أحد أن ينكر انتماء البدون إلى هويتنا الوطنية استنادا إلى هذا الموقع الجغرافي؟ قد لا يعرف البعض أين تقع تيماء والصليبية، لكن بوسعنا التأكيد على وجودهما أيضا بين خطي عرض 28 و30 شمال خط الاستواء.

ماذا عن مكوّن "الثقافة"؟ هناك كما نعرف، وبحسب الدستور الكويتي أيضا، ثقافة جامعة هي الثقافة العربية الإسلامية، ولا أظن أحدا ينكر انتماء البدون إليها، فالبدون لا ينتمون إلى الثقافة الأريتيرية ولا إلى ثقافة جزر القُمُر، وإذا كان من الممكن إجبار بعض البدون على شراء جوازات من تلك الأماكن، فإنهم مع ذلك لا ينتمون إلى ثقافاتها، بل ينتمون مثل حال سكان هذا البلد إلى الثقافة العربية الإسلامية. لكن إذا كان المقصود بالثقافة شيئا محليا، أي مجموعة من العادات والتقاليد والأعراف، فهذه أيضا عابرة للحدود، فالحدود السياسية لا تقرّر أين تنتهي ثقافة وأين تبدأ أخرى، ذلك أن الثقافة من خلفية اجتماعية وعادات ولهجات ليست سوى امتداد إقليمي وسابق زمنيا على إنشاء الدولة بمفهومها الحديث، ولهذا من الطبيعي عدم وجود تطابق بين حدود أي دولة وهوية الشعب الذي يسكن ضمن حدودها، ولهذا أيضا، من الطبيعي أن تكون هناك قواسم مشتركة بين كل أطياف المجتمع الواحد، وأن تكون أيضا اختلافات، مثل أي مجتمع آخر، وإذا كان هذا هو واقع الحال، هل من المعقول جعل الهوية الوطنية من حيث مكون الثقافة في تضاد مع وجود "البدون"؟ هل يُعقل أن نعثر على ملمح ثقافي واحد يمتاز به "البدون" وحدهم دونًا عن غيرهم؟ خذ أي عنصر تشاء من أي ملمح ثقافي، واسأل نفسك، هل هو حكر علينا وحدنا دون "البدون"؟ لن تجد، لسبب بسيط، لأن "البدون" مرآة تعكس صورة مجتمعنا في مجمله، فكل تشابه بين شرائح المجتمع بشكل عام تجده أيضا عند "البدون"، وكل اختلاف بين شرائح المجتمع بشكل عام تجده أيضا عند "البدون".

ماذا عن مكوّن "التاريخ"؟ يُقصد بالتاريخ هنا – كما نعلم – طول الإقامة على هذه الأرض. لكننا لا نعلم على وجه التحديد كم من المدة الزمنية ينبغي أن تمضي حتى نقول إن الإقامة كانت طويلة: ثلاثون؟ أربعون؟ خمسون؟ ستون؟ مئة عام؟ لو أتحنا أمام "البدون" فرصة تقديم ما لديهم من أوراق، فستدلّ الصدمة على طول سنوات الحرمان وطول الجذور التي يعود بعضها إلى أبعد من نشأة الدولة الحديثة. لكن لا حاجة لكل ذلك، لأن موضوع التاريخ فيه التباس، وإذا لم نفك هذا الالتباس، نقع في تناقض: لنفترض، مثلا، أن شخصا غريبا جاء إلى الكويت قبل بضع سنوات فقط، ثم قدّم خدمات جليلة لهذا البلد، وبحسب الدستور، تم منحه الجنسية الكويتية عرفانا به وإكراما له. هل نستطيع أن نقول في هذه الحالة إنّ هذا الشخص الغريب يتقاسم معنا تاريخا مشتركا؟ طبعا لا، لأن هناك فرق بين تقاسم تاريخ مجتمع والانضمام إلى تاريخ مجتمع، والحق في هذا الانضمام جاء مشفوعا بأعمال تعترف الدولة بأنها جليلة. لماذا تكون الأعمال جليلة فقط حين يقدّمها الغرباء ولا تكون أعمالا جليلة حين يقدّمها "البدون"؟ 

نأتي أخيرا إلى المكون الرابع الذي يحدده الكاتب ضمن قائمة مكونات الهوية الوطنية، وهو مكون "الحقوق والواجبات". نجد هنا اختلافا واضحا بالفعل بين "البدون" وباقي أفراد المجتمع من حملة الجنسية. ليس اختلافا في الواجبات، بل اختلاف في الحقوق: فالفرد "البدون" مطلوب منه أن يؤدي ما عليه من واجبات تجاه مجتمعه، لكن من دون انتظار أن تكون في مقابل الواجبات حقوق؛ عليه أن يُعطي، لا أنْ يأخذ! إذا كان الشهداء هم أكثر من أعطوا، فإنّ "البدون" هم أقلّ من أخذوا، فما بالك بالشهداء البدون: أكثر من أعطوا وأقل من أخذوا، ومع ذلك بعض ذويهم انتظر عقودا من الزمن كي يحصل على حق الانتماء، والبعض الآخر ما زالوا مجحودين. يبدو المشهد خليطا من كوميديا سخيفة وتراجيديا ثقيلة حين يكون بيننا ابن شهيد ضحّى بحياته من أجل هذا البلد، أو ابنة عسكري سلخ حياته في خدمة هذا البلد، ثم يأتي من يتساءل عن مدى تعارض وجودهما مع هويته الوطنية؟ بالطبع، هناك دائما حجة استدراكية: "نحن لا نقصد أبناء الشهداء أو العسكريين، ولا نقصد البدون الحقيقيين، بل فقط الذين يدّعون أنهم بدون"، وهذه طبعا حجة واهية، لكنهم أجبن من أن يكونوا صادقين حتى مع أنفسهم، لأنهم إذا كانوا لا يقصدون هؤلاء ويقصدون أولئك، لماذا معاقبة الجميع دون تمييز من خلال فرض قيود موحّدة تحت تسمية موحّدة: "مقيمون بصورة غير قانونية"، فهل رأيتم بلدا في العالم كله يخدم المقيمون فيه بصورة غير قانونية في الجيش والشرطة والنفط والتعليم والصحة؟ ثم لماذا نفترض بسهولة وجود مدّعين بأنهم "بدون"، فالبيّنة على من ادّعى، ولو كان لدعواهم أساس ومصداقية، لبادروا في إبعاد "البدون المدّعين" على الفور، لكنهم لا يستطيعون، ونحن نعلم لماذا لا يستطيعون، لأنهم كاذبون، ونحن نعلم أيضا لماذا يكذبون.

لأن المسألة ليست مسألة هوية وطنية بقدر ما هي مسألة استئثار في الثروة، لا أكثر ولا أقل. هنا نأتي إلى النقطة الجوهرية وراء شعار "الهوية الوطنية خط أحمر"، فالمقصود بالطبع أن "حق الانتماء" الذي تعبّر عنه "الجنسية الكويتية" وتضمن من خلاله بحسب الدستور حقوقا وواجبات، هذا الحق هو الخط الأحمر، لأنه حق مُكلف ماديا عند من يريدون الاستئثار بخيرات هذا البلد لهم وحدهم. هذا، مثلا، كاتب آخر في مقال حمل العنوان المستهلك نفسه "الهوية الوطنية خط أحمر" يقولها صراحة: إنّ "منح الجنسية يضيف عبئا كبيرا عليها من الناحية المادية". المسألة –إذًا- أن قضية "البدون" ليست عبئا على ضمائرنا، بل هي عبء فقط على جيوبنا! المسألة -إذًا- ليست هوية يخشون عليها من الضياع، بل مجرّد كعكة يخشون بكل أنانية أن يشاطرهم أحد فيها وبصرف النظر عن حقه فيها. 

هذا الكاتب نفسه وفي المقال نفسه يريد كما يقول "مجتمعا كويتيا موحدا يتمتع برؤية وطنية واحدة ". تخيّلوا مقدار البؤس لو كان له ما أراد وصرنا فعلا مجتمعا موحدا بالصورة التي يراها، مجتمع ينظر إلى الجنسية بوصفها قائمة من الامتيازات المادية! لكن هذا التصوّر المشوّه لمفهوم الانتماء نتيجة متوقعة في مجتمع ريعي، مجتمع أنتج نظام الكفيل ونظام الوكيل، وكلاهما طريقة للاستثمار بامتياز الجنسية الكويتية لجني الربح من دون قطرة عرق واحدة، والأثر الجانبي لنظام الوكيل ونطام الكفيل سوق من النخاسة المقنّعة لعمّال الشركات وعاملات المنازل، وأما "الهوية الوطنية" فليست خطّا أحمرَ بقدر ما هي في واقع الأمر "نوط أزرق".

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد