dark_mode
  • الأربعاء ٢٢ / سبتمبر / ٢٠٢١
ذكرى غائب لا يغيب - بقلم جاسم محمد الشمري

ذكرى غائب لا يغيب - بقلم جاسم محمد الشمري

حينما صرخ ناصر الظفيري.. لكم دينكم ولي دين

أن تكتب عن قامة ثقافية كناصر الظفيري فإن ذلك يعني أن تستحضر التاريخ والجغرافيا معًا؛ إذ أنه مزيج تلاقح بينهما فكان حكاية حاضرة بين أفق ضوء وامتداد شعاع.

قبل ثلاثين حولًا كان اللقاء.. وبعد ثلاثين عجاف تخشبت أمام شاشة حاسوبي أكتب حرفًا وأمسح آخر في محاولة لرسم حدود إنسانية لقلم اعتلى القمر وليمةً للغياب فكان الحضور عشقًا لثلج لم يتساقط في الساحة الخلفية لحيّنا المتهالك وإنما هناك.. بعيدًا.. حيث السماء المقلوبة وعندها يستحضر البشر أرواحهم المسلوبة ليعيدوا صياغة سنواتهم عطرًا.

كان الإبداع شغله حينما انشغلنا بقوت يومنا .. فربح الرهان وخسرنا خماسيننا التي ابتلعتها الرمال كما ابتلعت خمسين خاله .. ركض مع الأرانب وصاد مع السلق .. وانزوينا نحسب أصابعنا ندسها في جيوب مثقوبة.. فيما كان هو ينسج جبة له من حبات صحراء لا تسلّم قيادها إلا لجمل تعفر خفه في ترابها الناعم.

قبل ثلاثين قحطًا التقينا.. صحافيًا يبحث عن موطئ قدم.. وقاصًا حدد هدفه بدقة.. بوصلة الصحافي تاهت به في غمرة غبار خانق .. فيما هدف القاص قاده إلى شمس دافئة تريض على شاطئها .. مد رجليه واتكأ متنعمًا على وثيرة إبداع حصيرها الصورة الدقيقة ووسادتها الكلمة الصادقة فكان له ما أراد ولم يكن لنا إلا ما أراده السجان.

في مجموعة مبدعين انضوينا جميعا نتبادل الأفكار .. وكما أننا ولدنا من رحم الغربة والتنقل بدوًا كانت اللقاءات كذلك.. جمعية الصحافيين حينًا ثم نشد رحالنا إلى مرابع أخرى كلما حاصرنا الجفاف ولم ندرك إلا لاحقا أن الجفاف قدرنا طالما أن الأرض حبلى بالكراهية.

عند ((الغدير)) كان لقاء أحبة.. مجموعة أرادت صياغة عالم آخر للكتابة بعيدًا عن تابوهات الصحف التي لم تتسع لأحلامنا.. غير أن أحلامنا كانت أكبر مما يمكن لحيز أن يستوعبه .. ارتقى ناصر أحدها وغادر ليقطف المستقبل فيما انكفأ آخرون يعددون مثالب الماضي ويقسمون أنهم عاشوا هنا من قبل.. تجاوزهم الحاضر .. وسبقهم المستقبل .. ولا يزالون هناك على أطراف ماض يحسبون أصابعهم ويتحسسون جيوبًا ثقبها الصدأ.

حينما قرأت سماء مقلوبة .. استذكرت عشيش الجهراء وسوقه الممتد .. رأيت ابتدائية المعتصم وساحاتها الثلاث وتذكرت مدرس اللغة العربية وهو يمطرني بكف لا مبرر له وأيقنت أن القبول بالظلم قدر من لا حظ له إن رضخ لظالميه ولكن هل كان لي حيلة حينها لأرد الكف كفا أو أن أسرّ بحزني لوالد يؤمن أن السلطة دوما على حق.

أن تكتب عن الظلم يعني أن تستثير ضدك كل المؤمنين بأحقية السلطة في فعل ما تريد وهم يرددون: أنت ومالك لأبيك.. والسلطة هنا تملك الروح وتملك الجسد.

قبلنا على مضضٍ فيما حسمها ناصر باكرًا وصرخ بأعلى صوته.. لكم دينكم ولي دين.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد