dark_mode
  • السبت ١٩ / يونيو / ٢٠٢١
كم من الموت يلزمنا لنحيا (*)  - جاسم محمد الشمري

كم من الموت يلزمنا لنحيا (*) - جاسم محمد الشمري

  

أول موتٍ مررت به كان حينما أكملت عامي الثامن عشر. هو العام الذي تبدأ به سعيك الحثيث لتحقيق أحلام راكمتها على مدى اثني عشر عاما هي سنين الدراسة. كان والدي يعدني بدخول الجامعة، وكانت أمي تدفعني إلى التفوق. وحينما فرغت من الاختبارات النهائية رحت أرسم شكل السنوات اللاحقة. أُعلنت النتائج وكنت على قائمة المتفوقين نسبيًا، تفوقٌ يتيح لي دخول كلية الهندسة التي كنت أرغب بها. حينما قدمت أوراقي إلى الجامعة الوحيدة في الفناء الذي نسكنه؛ أطلقت علي موظفة الاستقبال رصاصة أصابتني في مقتل، قالت لي: الشروط لا تنطبق عليك، فتش لك عن فناء آخر.


حينما خرجت من مكتبها مثقلًا، تحسست جزءًا من رأسي أصابته رصاصتها الحارقة، كان هناك بركان دم، مددت يدي إلى قمة رأسي. استخرجت تلافيف مخ كان ينزّ دمًا. أسلمته إلى حارس الجامعة جثةً هامدةً، ومضيت، وكان موتي الأول حينها.


بلا قمة رأس أسير. لا عقل لي أمضي. رأيت دمعةً تفر من عين أمي، ورأيت حسرة على شفاه والدي، إلا أنه لم يكن لي عقل، فقد لفظ أنفاسه هناك.


الموت الثاني الذي أذكره كان حينما اقتادني والدي ليلحقني بوظيفة كان يتمنى لو ألتحق بها قبل حسرات وزفرات عدة، انتظرنا متنفذًا في ديوانه ليختم موافقة منه إلى الجهات المختصة، وحين أطل علينا بوجهٍ لا يحمل أي ودٍّ ظاهر؛ أحسست أن روحي وقفت عند عتبة مقلتي. قال لوالدي: الشروط لا تنطبق عليه. رأيت روحي ترفرف عند سقف ديوانه بعدما تكور والدي أسفًا واحدودب ظهره.


لم يعد لي عقل. لم تعد لي روح. وكم من الموت يلزمنا لكي نحيا يا صديقي! همست في أذن صديقي ونحن نقف ضمن عشرات احتشدوا طلبًا للحياة.. أموات نحن.. أليس كذلك يا صديقي؟ تساءلت بجدية مفرطة.


أذكر أن الموت الثالث مرّ بي حينما ركضت إلى مجرى مياه متدفق، ركضت بكل قوتي، تعثرت مرارًا، سقط عقالي، طارت غترتي، تمرغ وجهي في التراب، تمزقت دشداشتي، أُدميت ركبتاي.. حينما وصلت إلى ذلك المجرى المتدفق، وجدته نهر دم يجرى، ألقيت بجثتي فيه، وعادت ساقاي فقط.


هل لك أن تتخيل؟! ساقان يجريان فقط دونما جسم أو رأس. موتٌ يلد آخر هنا في هذا الفناء المقفر إلا من أحلام تلفظ زفراتها كمدًا هي الأخرى. وعلى الضفة الأخرى هناك عصافيرٌ ربطت بحزم إلى أعشاشها.. لا تقوى على الطيران.. الموت يحوم ولا حياة ننتظر.

(*)   شطر من بيت شعر للصديق الشاعر دخيل الخليفة

 قصة قصيرة

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
عرض المزيد