dark_mode
  • الخميس ١١ / أغسطس / ٢٠٢٢
المشاريع الصغيرة مستقبل واعد لعديمي الجنسية في الكويت - ماجد عواد فرحان

المشاريع الصغيرة مستقبل واعد لعديمي الجنسية في الكويت - ماجد عواد فرحان

لا يخفى على المطلع على قضية عديمي الجنسية في الكويت الوضع المتردي الذي وصل إليه أبناء هذه الشريحة من المجتمع. وللأسف كان هذا بتخطيط ممنهج منذ عام 1986. ولكننا لسنا هنا بصدد التطرق للسياقات التاريخية والسياسية لهذه القضية ونتائجها الاجتماعية والاقتصادية على هذه الفئة من المجتمع بقدر من إننا نريد وضع بذرة لفكرة من الممكن تطويرها وتنفيذها للاستفادة من إمكانيات شباب فئة عديمي الجنسية في الكويت بما يعود بالنفع على البلد بشكل عام وعليهم بشكل خاص. وكفرضية عامة، لن نتطرق في هذا المقال إلى العمل على تغيير القوانين المعنية بهذه القضية، أو التوقع أن تغير السلطات في الكويت موقفها تجاه هذه القضية. بالنهاية جميع هذه التغيرات مع صعوبة حصولها وسط المعطيات الحالية لن تلغي الآثار السلبية الواقعة فعليا والتي سيطرت على جوانب حياة هذه الفئة. فمن تجاوز سن العشرين دون نيل قسط كاف من التعليم في الغالب لن يحصل على فرصة للتعليم الابتدائي من جديد وإن حصل عليها فهو بكل الأحوال مطالب أثناء ذلك بتوفير سبل الحياة له ولمن يعتمد عليه. ونفس المعضلة يواجهها من تجاوز الثلاثين ولم يلج جامعة أو معهدا ليكسب معرفة أو خبرة تخصصية. بل إن حتى من كان ذا حظ جيد واستطاع إكمال تعليمه الجامعي سنجد أنه في الغالب ذو دخل محدود. وجميع هؤلاء يشتركون في أنهم جميعا لا يملكون عمل مستقر ذا مدخول مادي عادل ولا يملكون أي وسيلة ضمان اجتماعي تؤمن لهم الظروف الدنيا للحياة المقبولة في حال عدم قدرتهم على العمل.

على ما تقدم يجب أن يعي الساعي لتقديم حلول لهذه القضية المزمنة أنه جزء من الحل هو أن يتعامل مع معطيات هذه القضية الحالية. وبلا شك فإن أفضل حل للاستفادة من طاقات الشباب من فئة عديمي الجنسية هو الحل الذي يشمل هؤلاء الشباب بمختلف ثقافاتهم ومؤهلاتهم المتقدم منها والمتواضع.


المعطيات الثقافية والاقتصادية لعديمي الجنسية في الكويت:

أولا- التعليم: لا شك أن فرص التعليم محدودة جدا لعديمي الجنسية في الكويت. والمشكلة وللأسف تبدأ من التعليم الابتدائي. وإذا عدنا لعام 1986 نجد أن الجهات المعنية وضعت خطة (منشورة في جريدة الطليعة الكويتية العدد 1592 بتاريخ 30 ديسمبر 2003) لإخراج أبناء فئة عديمي الجنسية من المدارس الحكومية إلى المدارس الأهلية مما قلل عدد المتعلمين من هذه الفئة بشكل كبير ووصل بمجموعة ليست بالبسيطة للأمية. أما بالنسبة للتعليم الجامعي فمنذ 1986 توقفت جامعة الكويت والمعاهد التطبيقية عن قبول أبناء عديمي الجنسية بشكل مطلق كما تم التضييق على سبل الدراسة في الخارج.

بعد العام 2002 كانت هناك انفراجة بسيطة بعد افتتاح الجامعة العربية المفتوحة في عام 2002 بالإضافة إلى بعض الجامعة الخاصة الأخرى. وتميزت الجامعة العربية المفتوحة بانخفاض تكاليفها مقارنة بالجامعات الأخرى وكانت فرصة مقبولة لعدد جيد من الشباب عديمي الجنسية. كما حظي في السنوات العشر الأخيرة عدد محدود جدا من الطلبة الفائقين من فئة عديمي الجنسية على بعثات داخلية وخارجية للتعليم الجامعي بالإضافة إلى بعض المقاعد المحدودة في جامعة الكويت والمعهد التطبيقي ولكن ضمن نطاق ضيق جدا.

من زاوية أخرى، ومع التطور التقني في وسائل التعليم والتواصل بشكل عام، أصبح لبعض الشباب من عديمي الجنسية فرصة أفضل في نهل الثقافة والمعرفة وإن كان بشكل غير أكاديمي. فالعالم أصبح قرية صغيرة والمعلومة أصبحت متوفرة بشكل أسهل. وفرصة الحصول على دورات تدريبية سواء داخل أو خارج حدود الدولة أصبحت متاحة أكثر عبر التعليم عن بعد.

ثانيا- فرص العمل: تبقى فرصة العمل للشاب أو الشابة من عديمي الجنسية هي المعضلة الأكبر بالنسبة لهم. تبدأ هذه المعضلة في أن الجهات الكويتية في الثلاثين عام المنصرمة اعتبرت أبناء هذه الفئة مقيمين بصورة غير قانونية. وعليه فإن تشغيلهم يعتبر بشكل عام ممارسة غير قانونية. وخلال الجزء المتقدم من هذه الفترة تم إرسال كتب للمؤسسات في الكويت توصي بعدم توظيفهم بشكل عام ومن ثم لاحقا تم تغيرها أنه يمكن توظيفهم ولكن بعد موافقة الجهات المسؤولة وفي الغالب على بند أجر مقابل العمل. وهذا البند يحرم الموظف من المميزات الوظيفية التي يحصل عليها الموظفين في جميع أنحاء العالم كالإجازة السنوية والإجازات الطبية والترقيات بالإضافة إلى مستحقات نهاية الخدمة. وفي الغالب فإن الموظف من فئة عديمي الجنسية يحصل على راتب أقل ويصل إلى النصف أحيانا مقارنة مع الوافد الذي يحمل نفس المؤهل ويقوم بنفس العمل.

الخلاصة أن مستوى التعليم والخبرات التي تمتلكها القوى العاملة من فئة عديمي الجنسية في الكويت متواضعة بشكل عام بسبب ضعف التعليم وفرص التطور الوظيفي كما تم تبيانه سابقا.

المشاريع المنزلية والصغيرة:

تعتبر المشاريع المتناهية الصغر (المنزلية) والمشاريع الصغيرة رافد اقتصادي مهم جدا في الدول التي تسعى لتطوير نظامها الاقتصادي وتنويع مصادر دخلها. وتوفر مثل هذه المشاريع في نفس الوقت وظائف مستقلة لأصحاب الأعمال بالإضافة توظيفها للآخرين. وبطبيعة هذا النوع من الأعمال فأصحابها يعتمدون بشكل عام على الموردين المحليين ويسوقون منتجاتهم داخليا مما يزيد من الحركة التجارية داخليا. وعلى الجانب الرأس مالي فإن مثل هذه المشاريع تخلق طبقة من الشباب الذي يعمل لتكوين رؤوس أموال عاملة مما يساعد على التقليل من الفكر الاستهلاكي السائد. كما أن إشغال الشباب في الأعمال التجارية يعود بالنفع على المجتمع بشكل عام واستغلال طاقات الشباب وأوقاتهم بما يعود عليهم وعلى الدولة بالفائدة.

ولا شك أن الكويت من الدول التي عنيت بهذا النوع من المشاريع ودعمتها في العشر سنوات الأخيرة وذلك بتوفير الآليات والنظم التي من شأنها تسريع وزيادة مثل هذه الأعمال. فقد تم تأسيس الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة في عام 2013 بقانون خاص برأس مال يبلغ ملياري دينار كويتي. كما تم تأسيس محفظة خاصة للمشاريع الصغيرة في البنك الصناعي الكويتي عام 1998 لتمويل المشاريع الصناعية. كما تم إقرار عدة قوانين وقرارات لتنظيم أعمال هذه المشاريع ومنح التسهيلات اللازمة لاستصدار وتشغيل هذه المشاريع حتى وإن كانت مشاريع منزلية. من جانب آخر دعمت الدولة تأسيس حاضنات المشاريع لمساندة أصحاب المشاريع للانطلاق بأعمالهم وتوفير الخدمات المناسبة لهم.

وفي نفس الوقت وكحاجة طبيعية نشأت مؤسسات تجارية خدمية تخدم هذا القطاع من الأعمال وهي بحد ذاتها تعتبر من المشاريع التجارية الصغيرة مما يكمل المنظومة بشكل مثالي، مثل شركات التوصيل وخدمات التسويق وإدارة حسابات التواصل الاجتماعي والطباعة والتعليب. وكذلك شركات المحاسبة والتدقيق المالي ومنصات التسويق والدفع الإلكتروني وغيرها. مما يساعد أصحاب المشاريع على التركيز على تطوير خدماتهم الرئيسية وتقديمها بشكل أوسع. ومع أن جميع ما قامت به الدولة لقطاع المشاريع الصغيرة موجهة للمواطنين إلا أن هذه الأرضية من الممكن الاستفادة منها من قبل المكونات الأخرى في المجتمع الكويتي. ولهذا فيمكن اعتبار خيار المشاريع المنزلية والمشاريع الصغيرة هو خيار مناسب كذلك للشباب من عديمي الجنسية للأسباب التالية:

  1.    رؤوس الأموال المطلوبة لمثل هذه المشاريع صغيرة.

  2.    يمكن البدء في المشروع دون الحاجة بشكل مباشر للإجراءات المطولة.

  3.    إقبال المجتمع بشكل عام على منتجات المشاريع المنزلية والمشاريع الصغيرة.

  4.    فرصة أن يتم إدارة العمل بالكامل من المنزل واردة جدا خاصة للعنصر النسائي.

  5.    يوفر فرصة نمو وعوائد مالية أفضل مقارنة مع الفرص الوظيفية التقليدية.

  6.    إمكانية تعاون أفراد العائلة في المشروع مما يوفر استقرار مالي واجتماعي وتنسيق أفضل.

  7.    لا يرتبط العمل في المشاريع الصغيرة بالضرورة بالمؤهلات العلمية لمالك المشروع.

 

وبالنظر لواقع السوق المحلي ومتطلباته فإنه من الممكن حصر النشاطات التي من الممكن يعمل بها الشباب من فئة عديمي الجنسية فيما يلي:

  1.    مشاريع الطبخ المنزلي وصنع الحلويات.

  2.    التصوير وأعمال التصميم والإنتاج.

  3.    إدارة حسابات التواصل الاجتماعي وكتابة المحتوى بالنيابة عن الغير.

  4.    تجارة التجزئة للمنتجات ذات التكاليف المنخفضة.

  5.    البرمجة وتقديم الخدمات الرقمية بشكل مباشر أو عن طريق منصات محلية أو عالمية مثل Upwork.

  6.    الخياطة وتصميم الأزياء.

  7.    عربات الطعام والمشروبات.

  8.    مشاريع تصنيع العطور.

  9.    مشاريع الماشية التجارية.

 

وعند النظر لواقع الشباب الطموح من فئة عديمي الجنسية نجد أنهم ينقصهم بعض المحفزات لبدء مثل هذه المشاريع. ولهذا فإن إيجاد حاضنة أعمال (أو أكثر) خاصة بهذه الفئة فكرة واعدة لخلق واقع أفضل لهم. ومن الممكن أن تكون هذه الحاضنة مؤسسة غير ربحية تحت إدارة أحد مؤسسات المجتمع المدني المهتمة بهذه القضية. تنشأ هذه الحاضنة لتقدم للمهتمين من الشباب عديمي الجنسية رؤوس أموال من صندوق خاص يموله المتبرعون عبر اللجان الخيرية. كما تقوم هذه الحاضنة بتقديم الدعم الاستراتيجي والفني عبر خدمات مباشرة أو عبر التدريب والخدمات الاستشارية.

إن إيجاد مثل هذه الحاضنة بلا شك سيعود على الدولة بالفائدة حيث أن أفراد فئة عديمي الجنسية لا بلد ينتمون له غير الكويت وعليه فإنهم سيستغلون عوائد أعمالهم في السوق المحلي. وسيعتمدون على الموردين ومقدمي الخدمات المحليين مما يعود بالإيجاب على الاقتصاد الوطني. كما أنه من الممكن أن يقوموا بخلق فرص عمل جديدة لأقرانهم مما يوسع نطاق الفائدة الاقتصادية. ومن الناحية الاجتماعية مثل هذه الحاضنة من الممكن أن تحمي المجتمع الكويتي من الجرائم والانحرافات والأمراض النفسية التي قد يتعرض لها أفراد هذه الفئة لعدم توفر فرص التعليم أو العمل لهم.

هذه الحاضنة من الممكن أن تنقل الشاب عديم الجنسية من موظف يتنظر راتب متواضع لا يكفي في الغالب حاجات حياته وأسرته أو من متلقي التبرعات الخيرية بشكل دوري إلى شخص فاعل ويعمل وأمامه فرصة طموحة ليكون صاحب عمل تجاري يوفر له مدخول مالي مستدام. وإذا عدنا للمعضلة الرئيسية التي يواجهها عديمو الجنسية في الكويت وهي عدم وجود نظام للضمان الاجتماعي نجد أنه هذه الحاضنة تساعد عديم الجنسية لتأسيس عمل تجاري حر من المفترض أن ينمو ويتطور ليكون رأس مال ذا عوائد مجزية يوفر حياة مستقرة ومقبولة لأبناء هذه الفئة. وإن شاءت الظروف أن ينال أبناء هذه الفئة حقوقهم المدنية فهم لم يفوتوا الكثير وسيستطيعون استكمال أعمالهم بشكل أفضل.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد