dark_mode
  • الخميس ١١ / أغسطس / ٢٠٢٢
البدون إلكترونيا... تجارة ومهنة - جهاد محمد

البدون إلكترونيا... تجارة ومهنة - جهاد محمد

"عندما يتعلق الأمر بالبلدان المصدرة للنفط، فإن معظم نشاطها الاقتصادي يأتي من القطاع العام والمؤسسات الكبرى الخاصة، وفي المستقبل ستحتاج هذه البلدان إلى الاعتماد بشكل أكبر على الشركات الصغيرة التي ستكون عما قريب المحرك الأساسي لخلق فرص العمل في هذه الاقتصادات". غاريسس ايراديان- كبير الاقتصاديين لدى معهد التمويل الدولي-واشنطن.

منذ ستينيات القرن الماضي، شكل الكويتيون البدون أحد أهم فروع الأيدي العاملة في السوق الكويتي، دون أن ينجحوا – باستثناء بعض الحالات الفردية القليلة- في التحول من عاملين إلى مشغلين في الاقتصاد الوطني، وحتى في القطاعات التي تشهد كثافة بدونية في التشغيل كقطاع تجارة السيارات المستعملة والذي شهد تراجعا كبيرا في السنوات الأخيرة بعد أن انتهجت شركات السيارات في البلاد خطوات فيما يتعلق بمنافذ "بيع المستعمل" وهو الأمر الذي يعزز ثقة المستهلك في الذهاب إليها كبديل لاعتبارات تتعلق بشهادات الضمان والكفالة وسهولة الإجراءات البنكية في تحويلها إلى مديونيات.

خلال السنتين الماضيتين، ساهمت جائحة "كوفيد19" في تغير السلوك العام للمستهلك، ليس في الكويت وحسب بل على مستوى المعمورة، فيما وصف اقتصاديا بأنه يعادل التغير الذي سيتم لفترة نصف قرن في الأوضاع الطبيعية، فبحسب الدراسة التي أجرتها شركة الخدمات المصرفية المشتركة "كي نت" بالتعاون مع إحدى كبرى شركات التدقيق المالي العالمية "k.b.m.g" فإن العمليات التجارية الإلكترونية في الكويت في النصف الأول من العام 2020 بلغ نحو ملياري دولار، أي أن هذا الرقم تضاعف أكثر من 3 مرات خلال الفترة ذاتها من العام السابق.

نهاية عالم المتاجر التقليدية!

في تحليل لصحيفة business insider فإن ما لا يقل عن 9300 متجر بيع تقليدي قد أغلق أبوابه في العام 2019 بشكل نهائي في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، ولم يشمل الإغلاق المتاجر ذات المستوى المحدود فحسب، بل وصل إلى أسماء لعلامات تجارية عريقة جدا، ولربما كان هذا– قبل بداية جائحة كوفيد19- إنذار مبكر للتغير في طبيعة المستهلك العالمي وليس الأمريكي وحسب.

لا يتوقف الأمر على المتاجر فقط، بل حتى طرق البيع، فالخدمات قد تغيرت كليا مع اندثار الوسائط التقليدية "صحف الإعلانات الورقية: الوسيط، 808080 وغيرها" والتي حلت محلها التطبيقات الإلكترونية "4sale والسوق المفتوح مثالا" وهو الأمر الذي أتاح سهولة كبيرة لطرفي المعادلة التجارية العرض والطلب في عقد صفقاتهما بأي وقت ومكان.

في الكويت، ثمة مفهوم خاطئ قد يكون روج عمدا، وذلك باعتبار المشروعات الصغير والمتوسطة هي المرتبطة بالصندوق الوطني المنشئ لهما، مما ساهم في تأخر نمو التجارة الإلكترونية لعقبات تتعلق بالتمويل المالي والتسويق، والذي كان حكرا على شركات بعينها استغلت مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي من أجل الاستيلاء على كامل السوق المحلي الإلكتروني، ومجددا، لعب الكويتيون البدون دور الأيدي العاملة في هذا الأمر- مندوبي توصيل- دون أن يشكلوا أي خرق واضح في هذه المعادلة الاقتصادية الحديثة.

صحيح أن ثمة الكثير من القيود القانونية والإدارية التي تمنع البدون من ممارسة النشاط التجاري التقليدي، لكن في زمن التجارة الحرة، فإن هذه القيود تكاد تنحصر في الأمور ذات الطبيعة البنكية، وهي أمور يمكن تلافيها بالانتقال إلى التحصيل النقدي المباشر عوضا عن التحويلات البنكية.

في هذا التقرير- المقال، سنبحث عن كيفية إحداث نقلة نوعية في طرق التوجه العام للفرد البدون في سوق العمل الكويتي، ومدى انعكاس هذا الأمر على مجتمع الكويتيين البدون من جهة، والاقتصاد المحلي العام من جهة أخرى. نحن هنا لا نوفر فرص عمل للبدون، بل نحاول معهم كسر كل القيود المفروضة عليهم من أجل حياة كريمة.

تكويت البدون في سوق العمل

ثمة شقين لطرق العمل الإلكترونية تتمثلان في الجانب الخدماتي أو التجاري، ففي الجزء الأول يستحوذ الوافدون على معظم فرص العمل الحرفية والمهنية نتيجة العزوف غير المفهوم للكويتيين البدون عنها إلا فيما يتعلق بالقطاع الإعلامي، وقد يعود ذلك إلى أمرين مهمين وهما غياب النظرة الاقتصادية الحكومية الثاقبة وترسيخ مفاهيم اجتماعية خاطئة في المجتمع البدوني لاعتبارات قبلية وأسرية تحت عناوين ساذجة ساهمت بزيادة كبيرة في أعداد البطالة بين الشباب.

لا توجد نسبة معلومة في مجالات عمل الفرد البدون في القطاع الخاص، لكن وبنظرة موجزة لطلبات العمل في التطبيقات الإلكترونية فإن أكثر من نصفهم يبحث عن فرصة للعمل كمندوب، دون أن يعي الاثنان- المجتمع والفرد- أن ممارسة الأعمال الحرفية لا تعطي عائد مادي أفضل وحسب بل إنها تشكل فرص أكبر لإيحاد عمل، هذا بالإضافة إلى إمكانية التطور المادي والمهني مستقبلا بعد كسب الخبرات اللازمة.

أما على الصعيد الحكومي، فقد كشفت الأرقام الرسمية أن 67% من العاملين في الكويت يعملون بالقطاع الخاص، وأن 49% منهم من الجاليتين الهندية والمصرية فقط، وبالنظر إلى ما قيمته 4.4 مليار دينار قيمة التحويلات المالية للوافدين إلى خارج الكويت في العام 2019 فقط، وبالنظر إلى تكرار مفهوم "التكويت" لسوق العمل سواء على الصعيدين الحكومي والنيابي، فإن هذا الأمر لا يمكن أن يستقيم بشكل أساسي من غير إدخال البدون فيه على صعيد كل من القطاعين الحكومي والخاص، لكن العقبات التي يضعها الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع البدون في طريق عملهم ومساهمته حتى في إنهاء خدمات العاملين البدون في القطاع الخاص فإنه يصبح "أي الجهاز" أحد أهم العقبات التي تواجهها الدولة في وقف إهدار ما يتجاوز قيمته 7% من ميزانية الدولة بشكل عام إلى الخارج عبر الحوالات المالية للوافدين.

 

التجارة الإلكترونية

في العام 2001 أنشأ البريطاني من أصل أفغاني هارون مختار زاده وأشقاؤه شركة متواضعة في منزله لتصميم مواقع الإنترنت، بعد ذلك بنحو 15 عام باع هذه الشركة بما قيمته 117.5 مليون دولار. صحيح أن الأسبقية في الدخول لأي من قطاعات الأعمال توفر فرص مضاعفة للناجح، كالتي نالها هارون زاده، لكن في المقابل لا يجب على الذين فاتهم ركب الأسبقية الاستمرار بالوقوف من غير أن يحركوا ساكنا.

في عالم التجارة الإلكترونية فأنت إما أن تعرض خدماتك في تنفيذ أعمال محددة أو أن تبيع المواد الاستهلاكية بأنواعها المختلفة، وبهذا الخصوص فإنك معني بأن تنتهج إحدى هذه الطرق الأربعة:

-        B2C: وهي البيع إلى المستهلك مباشرة

-        B2B: وهي البيع إلى شركة او منفذ يبيع للزبائن

-        C2B: وهي البيع إلى الشركات

-        C2C: وهي البيع إلى الأفراد الذين يبيعون إلى المستهلك.

ومن بين كل المجالات الاقتصادية، فإن توجه المستهلك إلى التسوق الإلكتروني قد أحدث طفرة كبيرة في قطاع الأغذية لا سيما في منطقة الخليج العربي، حيث وصل إلى ما يقارب 200 مليار دولار في العام 2021 بحسب دراسة شركة الأبحاث الإقليمية- مينا ريسيرتش بارتنرز- هذا الأمر الذي خلق ما يعرف بمصطلح "المشاريع المتناهية الصغر" أي التي يمكن إدارتها عبر شخص واحد فقط وأحيانا كثيرة يتم ذلك من المنزل نفسه.

لكن من الخاطئ جدا إن يُفهم أن السوق الغذائي هو أسهل سبل "المشاريع المتناهية الصغر" وذلك نظير عدم حاجتها إلى أمور كثيرة منها المخازن والأيدي العاملة، كذلك فيما يتعلق بقلة المخاطر المالية نظير الطلب المسبق عوضا عن العرض الدائم.

هناك العديد من الطرق غير التقليدية التي يمكن الاستثمار بها عبر التجارة الإلكترونية بخلاف القطاع الغذائي، وهنا يجب أن يتم إلغاء الانطباع السائد المتمثل في أن التقليد يعني الفشل، فالمستهلك ينجذب إلى أشياء تبدو أهم بكثير من تكرار تجاربه مع جهة البيع السابقة، كمستوى جودة المنتج وفارق السعر حتى لو كان بسيطا فهو يعطي انطباع للمستهلك بنجاحه بهذه الصفقة، هذا بالإضافة إلى طريقة تقديم المنتج وسرعة توصيله.

 

رأس المال= صفر!

إن الاعتقاد بأن رأس المال المادي كلما كبر زادت فرص نجاح المشروع هو اعتقاد يجانبه الصواب، ففي هذه "التجارة الإلكترونية الحرة" تظهر عوامل عديدة لا توازي رأس المال المادي وحسب بل تفوقه، الفكرة والمنتج ودراسة السوق والنشاط الإلكتروني والمنفذ ووسيط البيع، كلها أشياء تقود الفرد البدون إلى نجاح كبير في خطوته التجارية هذه.

إذا كنت تملك رأس مال قليل، فعليك انتهاج سياسة إعادة تصنيع الأشياء سواء كان ذلك بإضافة مواد للمنتج ذاته أو عبر خلق حزمة كاملة منه ومن الأشياء المكملة له "package".

ويجب الأخذ بعين الاعتبار أن ظهور الفرد في السوق الإلكتروني يحب أن يتم عبر إعطاء المتلقين سهولة في التصفح والشراء وخدمات الاسترجاع والاستبدال، وهذه كلها تعطي انطباع تعامل المستهلك مع مؤسسة-شركة للبيع وليس فردا واحدا.

وحتى يتم هذا الأمر يجب أولا معرفة سبل تصميم المتاجر الإلكترونية على طريقة الشركات التي تبدو ضخمة جدا من خلف شاشات الهواتف الذكية وهي بالأساس نشأت بل وما زالت عبر أفراد محدودين جدا.

خطوات بداية المشروع الإلكتروني "إعادة تصنيع":

-        التخصيص في نوع المنتج.

-        تصميم متجر إلكتروني عبر shopify.

-        إنشاء صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي.

-        مواكبة مواسم عروض الحسم.

-        تقديم المنتج بشكل مميز.

-        سرعة التوصيل.

لكن الجزء الأهم المتمثل بأن تبدأ مشروعا تجاريا برأس مال = صفر فهو يعني أن تبدأ في إنشاء متجرك الإلكتروني أو صفحات البيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومن ثم عرض منتجاتك التي ترغب في بيعها، على أن تتولى شركات مختصة تجهيز الطلب وتعبئته في أكياس تحمل شعار مشروعك وتوصيله إلى المستهلك مباشرة، في حين أن كل عملك يتمثل في تلقي الطلبات ومتابعة الشحنات وتوصيلها واستلام الأموال، بل إن شركة مثل "قنوات- knawat" لا تطلب أن يتم الدفع لها إلا بعد توصيل المنتج إلى المستهلك.

قد يبدو كل هذا الأمر بسيطا لفرد من البدون أو أنه بمكان ما يعود بالفائدة عليه فرديا، لكنه بحقيقة الأمر يمثل جزء مهم في النهوض المجتمعي لمجتمع الكويتيين البدون والاقتصادي للدولة بشكل عام، فبحسب تقرير البنك الدولي لعام 2015 فإن هذه المشروعات الصغيرة ستساهم عما قريب بخلق 4 من بين كل 5 فرص عمل بالدول النامية، بل إن تقرير "نزاهة" أشار مؤخرا إلى أن هذه المشاريع الصغيرة يعمل بها نحو 27 الف مواطن كويتي بمقدرة مالية تتعدى 3% من إجمالي النتاج المحلي للكويت.

الأمر كله يرتكز حول فكرة تحول الفرد البدون من يد عاملة لدى الغير إلى فعالين حقيقيين بالاقتصاد المحلي. إن البحث عن فرص عمل حقيقة ومثمرة وقابلة للتطور لن تجدها في وظائف ذات إنفاق محدود في الدخل والطموح، ويعني هذا الاتجاه نحو كسر قواعد المحرمات المجتمعية كالأعمال الحرفية التي وإن صعب تقبل بداياتها فإنها تبدو واعدة مستقبلا، أو عبر الخوض في غمار تجارة إلكترونية كل رأس مالها الفكرة التي تدور في عقلك فقط.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد