dark_mode
  • الخميس ١١ / أغسطس / ٢٠٢٢
توظيف قدرات وكفاءات البدون في الاقتصاد المحلي وانعكاساتها على المجتمع - هدى س فزاع الفضلي

توظيف قدرات وكفاءات البدون في الاقتصاد المحلي وانعكاساتها على المجتمع - هدى س فزاع الفضلي

 يقول الفيلسوف والمفكر مالك بن النبي "إن القيمة الأولى في نجاح أي مشروع اقتصادي هي الإنسان، ليس الاقتصاد إنشاء بنك وتشييد مصنع، بل هو قبل ذلك تشييد إنسان وتعبئة الطاقات الاجتماعية في مشروع تحركه إرادة حضارية". الكويت إمارة خليجية عربية استقلت عام 1961م تعتمد اقتصاديا على النفط كمورد مالي أساسي يوفر للشعب البالغ تعداده 4,67 مليون نسمة (تعداد 2021م الحكومي كما نشر في الصحف الرسمية) حياة كريمة طبقا لمؤشرات البنك الدولي. فرض عدد السكان- القليل نسبيا- على الكويت الاعتماد شبه الكامل على العمالة غير الكويتية في إدارة كل المجالات الحيوية في الدولة، خصوصا في قطاعات حيوية مثل القطاعين التعليمي والصحي والقطاع الخاص.

الكويت نموذج مثالي للدولة الريعية، دولة تعتمد على موارد طبيعية في دعم اقتصادها وأكبر مورد طبيعي تعتمد عليه الدولة هو البترول، ولأن هذا النوع من الدول لا يعتمد على العنصر البشري في زيادة إيرادات الدولة، لا توجد ضرائب ولا مصانع ولا بيئة صالحة للاستثمار فالاعتماد الكلي على النفط في دعم خزينة الدولة أمر طبيعي، وغالبا هذا النوع من الدول تتوزع فيها أرباح هذه الموارد على أقلية صغيرة من السكان تبعا لاعتبارات عديدة أهمها السطوة والنفوذ والجنس والهوية وليس منها جودة العمل أو الإنتاج، لكن هذا النوع من الاقتصاد غير مستدام لأن العالم يتجه بوتيرة متسارعة إلى مبدأ السوق الحر والاقتصاد المفتوح وأول من سينهار هي الدول التي تتبنى الاقتصاد الريعي.

حتى أبدأ المقالة بنموذج واقعي يوائم ظروف إمكانيات دولة الكويت سأذكر أحد أكبر اقتصادات العالم وهي سنغافورة كمثال لأنها الأقرب إلى النموذج الكويتي في الكثير من العوامل المساحة وعدد السكان، سنغافورة دولة آسيوية صغيرة مساحتها لا تتجاوز 729 كم مربع وهي رابع أهم مركز مالي عالمي في العالم رغم خلوها من الموارد الطبيعية تقريبا، عام 2011م كان متوسط دخل الفرد تقريبا 60 ألف دولار سنويا وهو رقم مرتفع يدل على قوة ومتانة الاقتصاد السنغافوري.

الهوية السكانية لسنغافورة تعتمد على خليط من المهاجرين الصينيين والمالاويين والهنود و42% من السكان في سنغافورة من الوافدين للعمل والدراسة، وهي الدولة الأولى في آسيا في مؤشر جودة الحياة عام 2011م (وهو مؤشر معقد يعتمد على الاستقرار الاقتصادي والأسري والاستقرار السياسي ونظم التعليم والصحة العامة)، سنغافورة رغم الناتج الإجمالي السنوي المرتفع (أكثر من 260 مليار دولار) إلا أن نظام الضرائب فعال وثابت على مستوى 7% تقريبا بالإضافة إلى أن مستوى التضخم هو من الأقل في العالم (تبعا لحساب سنغافورة الرسمي في مواقع التواصل الاجتماعي).

النموذج السنغافوري نموذج ناجح لمجتمع متنوع الهويات واللغات والأديان والأعراق ورغم ذلك تم ترويض المجتمع ليتقبل هذا التنوع والاستفادة منه بما يرجع بالخير على الدولة والمجتمع. وتعتمد سنغافورة في اقتصادها على الاستثمار الحر وجودة العمل والإنتاج الذين يعتبرون رافد اقتصادي مهم للدولة، كما يعد النظام التعليمي في سنغافورة أحد أفضل الأنظمة التعليمية في العالم حيث يُخصص له خمس ميزانية الدولة وبلغ الطلاب في سنغافورة مراكز متقدمة جدا بمسابقة ال TIMSS العالمية للرياضيات والعلوم، لذلك فإن سنغافورة في المجمل نموذج يستحق المحاكاة.

الكويت دولة قامت على هجرات متنوعة من دول مجاورة، و لا يزال تنوع الهويات في الكويت أحد أهم أسباب تعطيل التنمية فيها، لأنه بدلا من الاستفادة من هذا التنوع الثقافي والعرقي في تحفيز ثقافة التنافس والتحفيز الاقتصادي، أصبحت أزمة الهوية في الكويت أشبه بأزمة وجودية قد تهدد مستقبلا هذا الكيان الحديث.

أحد نواتج أزمة الهوية في الكويت هو وجود أكثر من 120 ألف إنسان لا يحملون أي إثبات يربطهم ببلد ما بشكل رسمي ولذلك تم إطلاق مصطلح (مقيم بصورة غير قانونية) على الرغم من أن المصطلح الأكثر دقة هو (عديم الجنسية) لكن هذا المصطلح قد يسبب مشاكل مع المنظمات الدولية لأن الاعتراف بأنهم غير محددي الجنسية (عديمو جنسية) قد يؤدي مستقبلا إلى إعطائهم حقوق لا ترغب بعض الجهات داخل الكويت بإعطائها لهم حتى لو تسبب ذلك بأزمات اقتصادية واجتماعية داخلية، وهذا النوع من الخطاب غير الواقعي تسبب بتراكم جبل صخري ضخم جدا استطاع إيقاف عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والخوف مستقبلا من انهيار هذا الجبل مدمرة كل شي حوله.

بلغ عدد سكان الكويت عام 2020م 4270 مليون نسمة لا يتجاوز عدد المواطنين فيهم 30% من مجموع عدد السكان. الكويت دولة تعتمد بشكل مباشر على وجود عمالة وافدة في القطاعين الحكومي والخاص ورغم ذلك فإنها تتجاهل فئة غير محددي الجنسية ولا تدعمهم في الدخول والعمل في قطاعات حكومية وخاصة ولا ترغب في الاستفادة منهم. والضرر هنا على الجانبين لأنه من الناحية الاقتصادية اذا كان لديك مورد اقتصادي وعطلت هذا المورد بدون فائدة فأنت تخسر مردود مالي واقتصادي مهم، فالأمر أشبه بتعطيل سيارات نقل عام لسنوات فأدى هذا التعطيل إلى خرابها على الرغم من قدرتك على الاستفادة منها في مشروع نقل كبير يعود عليك بمردود اقتصادي مربح.

أكثر من 70٪ من فئة غير محددي الجنسية أعمارهم لا تتجاوز 40 عاما أي أنهم في ذروة نشاطهم الجسدي والمعرفي والفكري وجميعهم تقريبا تعلموا في مدارس الكويت وتخرجوا من معاهدها وجامعاتها ولديهم من العطاء والرغبة في العمل ما يكفي أن يحقق مردودا اقتصاديا للدولة.

إن أبسط الأمثلة للاستفادة من هذه الطاقة المعطلة عمدا هو الاستفادة منها في القطاعين التعليمي والصحي. القطاع التعليمي والصحي في الكويت من أكبر القطاعات التي تستقطب العمالة الوافدة التي غالبا ما تأتي للعمل في الكويت وهي جاهلة بقيم ولغة ولهجة المجتمع الكويتي بالإضافة إلى نشرها ثقافة وقيم مجتمعهم التي قد لا تتناسب مع قيم وأخلاق المجتمع الأصلي بالإضافة إلى أنه من الناحية الاقتصادية؛ فالوافد- وخصوصا من فئة الشباب- يهدف إلى تحويل أمواله وأرباحه إلى الخارج وصرف القليل من دخله في دعم الاقتصاد الوطني لذلك ليس من الذكاء أبدا الاحتفاظ بوجود موظف يحتاج إلى تدريب وسنوات للتعايش مع المجتمع الكويتي بالإضافة إلى قلة دعمه للاقتصاد المحلي في حين يوجد البديل الأكثر ملائمة للمجتمع والاقتصاد وهم شباب ينتمون إلى نسيج المجتمع الكويتي ويحملون قيمه ولغته وعاداته وتقاليده بالإضافة إلى أن سكنه ومعيشته كلها في الكويت مما يدعم الاقتصاد المحلي.

أعلنت وزارة التربية في أكتوبر عام 2021م أن العدد الإجمالي للمعلمين والمعلمات في الكويت 92122 معلم وعدد المعلمين الكويتيين لا يتجاوز 67% ويتركز أغلب المعلمين الكويتيين في التخصصات الأدبية بينما يتركز المعلمين الوافدين في التخصصات العلمية وهذا يرجع إلى سوء التخطيط في نسب الطلبة في كليات التربية في جامعة الكويت.

قد يكون من الجائر تحميل المعلم الوافد سبب انخفاض المستوى التعليمي في الكويت لأن انخفاض مستوى التعليم في الكويت تتحمله الكثير الجهات الحكومية والاجتماعية لكن لا يمكن إنكار أن وجود العديد من المعلمين الوافدين في القطاع التعليمي ساهم بشكل كبير في انتشار ظاهرة الدروس الخصوصية والمراكز التعليمية التي حولت مسيرة التعليم إلى مسيرة تجارية بحتة تعتمد على المكسب المادي فقط.

لا يخفى على أي فرد يعيش في الكويت أن مستوى التعليم يتهاوى بشكل متسارع، ففي السابق كانت الشكوى أن متعلمي المرحلة الابتدائية لا يجيدون القراءة والكتابة، أما الآن ففي المرحلة المتوسطة لا يجيدون القراءة والكتابة بشكل سليم، ناهيك عن تدني مستواهم في الرياضيات والعلوم وللأسف الشديد البيانات قد تكون معدومة في المستوى المتعلم في مجال البرمجة والحوسبة الرقمية (وهذا المجال يعتبر أهم مجال علمي في الوقت الحالي).

القطاع التربوي يحتاج لوجود معلم من نفس بيئة المتعلم، لديه الحافز والرغبة والإرادة في التعليم ويعرف جيدا الأهداف العامة للتربية في الكويت ويعمل على تطبيقها حسب خطط الوزارة وتوجيهات المختصين. ولا بد أن تتم عملية تأهيل المعلمين تتم بالتعاون بين جامعة الكويت ووزارة التربية وذلك في استقطاب خريجي الثانوية العامة من فئة غير محددي الجنسية إلى الكليات التربوية العلمية واللغات التي تعاني من قلة الدارسين المواطنين فيها خصوصا المعلمين الذكور. إن مهنة التدريس في الكويت غير مرغوبة بشكل- كبير من الذكور خصوصا- لسبب توفر مهن أخرى ذات رواتب وميزات أعلى؛ لذلك فإن 70% تقريبا من المعلمين الذكور في الكويت من الوافدين.

رغم قلة عدد المعلمين غير محددي الجنسية في وزارة التربية- للأسف لم تتوفر احصائيات خاصة بأعدادهم- إلا أنهم من أكثر المعلمين تميزا في عملهم والأقل غيابا والأكثر انخراطا في الدورات التدريبية، وبإمكان وزارة التربية عمل استبيان يقيس مستوى أداء المعلمين غير محددي الجنسية للتأكد من مستواهم العلمي والفني وانتظامهم في العمل. أرى أن توظيف هيئة تعليمية من فئة غير محددي الجنسية سيحل مشاكل كثيرة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي أهمها ظاهرة الدروس الخصوصية وتدني مستوى التعليم وهجرة رؤوس الأموال إلى الخارج.

لكن من ناحية أخرى يجب تعديل عقود المعلمين البدون وهي عقود على بند أجر مقابل عمل، وبسبب هذا البند يمنعون من العمل في اللجان التي تعقدها وزارة التربية كلجان الكنترول والثانوية العامة وتقييم المنهج كما أنه لا درجات وظيفية لهم ولا أرقام ملفات مما قد يضع الوزارة في حرج عند الاستعانة بهم في أعمال خارج نطاق التدريس.

في النهاية عند البحث عن حل أي مشكلة يجب الابتعاد عن التبريرات العاطفية التي تحاول إيقاف حل لاعتبارات غير عقلانية، الكويت بلد صغير وغني ويقع بين دول كبرى إقليميا في عالم قائم على الرأسمالية وقوة رأس المال والسوق المفتوح، فمن غير المقبول رفض الاستفادة من آلاف البشر في مرحلة الشباب والعطاء والعمل وتحويل هذه القوة إلى دروب تُحمّل الدولة مستقبلا عبئًا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وحتى دوليا، فلا يعقل أن تصنع مجرما ثم تحاول إصلاحه، ولا أن تصنع أزمة إنسانية وتطلب من الغير حلها.

 

ملاحظة: للأسف لا توجد بيانات رسمية صادرة من جهة حكومية مفصلة عن فئة غير محددي الجنسية (أعمارهم، عدد الذكور والإناث، الحالة الدراسية، إلخ).

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد