dark_mode
  • الثلاثاء ٠٤ / أكتوبر / ٢٠٢٢
البدون وتجربة البرازيل: العقبات والحلول - سلطان الدويش

البدون وتجربة البرازيل: العقبات والحلول - سلطان الدويش

لا تحمل قضية الجنسية لكثيرين أي مغزى إلا عند سفرنا للخارج، أو أثناء الألعاب الأوليمبية، أو عند التصويت في الانتخابات الوطنية، فنحن لا نشغل بالنا بقضية الجنسية بصفة يومية، لكن تشكل قضية الجنسية للبدون همهم الشاغل والدائم، حيث غالبا ما تمثل أحد أكبر العقبات والعوائق التي يواجهها البدون، حيث يفتقد البدون إلى العديد من الحقوق الإنسانية والاجتماعية، ويعتبر استصدار شهادة الميلاد من أوجه المعاناة التي يواجهها أبناء المجتمع الذي ولدوا وترعرعوا به.
فنجد أن هناك الآلاف من الأطفال لا يحملون شهادات ميلاد تثبت هويتهم الشخصية بل إن منهم من ولد ومات من دون أن تكون له أي وثيقة تحمل اسمة ونسبه، مما يترتب علية حرمانه من التطعيمات حيث لا تدرج وزارة الصحة مواليد البدون ضمن كشوفاتها وتطلب من ولي الأمر تعديل وضعه كي يمنح مولوده شهادة ميلاد (1)، كما لا يتمكن البدون من الحصول على عقود للزواج؛ فنجد في فئة البدون من يحتاجون لترخيص من اللجنة قبل أن يمنحوا شهادة الزواج وكل من له أصول أجنبية أو يفشل في تصحيح وضعه لا يتمكن من تسجيل زواجه (2)، كما لا يحق لأبناء البدون الالتحاق بالمدارس الحكومية لتلقي العلم، ما دفعهم إلى التسجيل في المدارس الخاصة رغم الفقر الذي يعاني منه السواد الأعظم من أبناء تلك الفئة(3).
دور المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين:

تعد مشكلة انعدام الجنسية حالة شاذة صارخة ذات تأثيرات مدمرة على حياة ما لا يقل عن 10 ملايين شخص حول العالم يعيشون دون جنسية، ففي أكتوبر عام 2013، دعا المفوض السامي للأمم المتحدة لشئون اللاجئين إلى التزام المجتمع الدولي التام بإنهاء انعدام الجنسية، وتحدد خطة العمل العالمية لإنهاء انعدام الجنسية ما بين عامي 2014 إلى 2024(خطة العمل العالمية)، التي تم صياغتها بالتشاور مع الدول والمجتمع المدني والمنظمات الدولية للإطار التوجيهي المؤلف من 10 نقاط للعمل لا بد من تنفيذها لإنهاء انعدام الجنسية في غضون 10 سنوات، وشريطة وجود قيادة مؤثرة وتطبيق فعال لخطة العمل العالمية، فإنه من الممكن إنهاء انعدام الجنسية خلال عقد من الزمان.

ومن نقاط العمل لإنهاء انعدام الجنسية:
• حل الحالات الرئيسية القائمة لانعدام الجنسية.
• ضمان عدم ولادة طفل عديم جنسية.
• إلغاء التمييز ضد النوع الاجتماعي من قوانين الجنسية.
• منع إنكار أو فقدان أو الحرمان من الجنسية على أساس التمييز. 
• منع انعدام الجنسية في حالات خلافة الدول.
• منح الحماية للمهاجرين عديمي الجنسية وتسهيل تجنيسهم.
• ضمان تسجيل الولادات لمنع انعدام الجنسية.
• إصدار وثائق الجنسية لمن يستحقونها
• الانضمام إلى اتفاقيات الأمم المتحدة الخاصة بحالات انعدام الجنسية.
• تحسين البيانات النوعية والكمية حول أعداد عديمي الجنسية.

الاستراتيجية العامة:
من أجل مساعدة الدول على تحقيق أهداف خطة العمل العالمية، ستقوم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين والشركاء بما يلي:
• تحديد العوامل التي قد تساهم في وجود حالات جديدة من انعدام الجنسية أو التي قد تمنع حل الحالات الموجودة.
• تطوير وتطبيق خطط عمل وطنية لتنفيذ نقاط العمل المعنية.
• عقد نقاشات الطاولة المستديرة على مستوى الدولة مع الحكومات والمجتمع المدني ووكالات الأمم المتحدة الأخرى والأطراف المعنية والقيام بتقييم تشاركي مع الجاليات عديمة الجنسية لصياغة خطط عملية وطنية بناء على معلومات وافية.
• المشاركة مع القطاع القضائي والمجتمع القانوني من أجل الاستخدام الاستراتيجي للعمليات القضائية (4).

باعتماد إعلان وخطة عمل البرازيل في عام 2014، التزمت 28 بلدة وثلاثة أقاليم في منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي بالقضاء على حالات انعدام الجنسية في المنطقة وفقا للمبادئ التوجيهية لخطة العمل العالمية التي وضعتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لإنهاء ظاهرة انعدام الجنسية. لهذه الغاية، وافقت الدول على منع وقوع أي حالة جديدة من انعدام الجنسية في المنطقة وعلى وجوب حصول جميع الأشخاص عديمي الجنسية أو استعادتهم للجنسية. واتفقت أيضا على ضرورة تمكين الأشخاص الواقعين تحت خطر انعدام الجنسية من تذليل العثرات والعوائق القانونية أو العملية ليثبتوا أنهم مواطنون في بلد معين. واتفقت تلك الدول أيضأ على وجوب حماية الأشخاص عديمي الجنسية إلى أن يتمكنوا من الحصول على جنسية. ومن هنا، تدرك خطة عمل البرازيل بأن النهج الأساسي لإنهاء انعدام الجنسية هو أحد الحلول، إلا أنها
تقترح أن تعتمد الدول تدابير في المجالات الثلاثة التالية: الوقاية والحماية وحل المشكلة إذا وقعت (5).

الوقاية: فيما يتعلق بمنع انعدام الجنسية، تقترح خطة عمل البرازيل انضمام الدول إلى اتفاقية عام 1961 بشأن خفض حالات انعدام الجنسية، ومواءمة قوانينها الوطنية المتعلقة بالجنسية مع المعايير الدولية، وتيسير تسجيل المواليد؛ حيث اعتمدت البرازيل بأن شهادة الميلاد هي دليل إثبات جنسية الأطفال الذين يولدون في البلاد، حيث يجب تسجيل ميلاد أي فرد حتى يتسنى له مستقبلا استخراج بطاقة الهوية وجواز السفر.

الحماية: من أجل حماية الأشخاص عديمي الجنسية، تطلب خطة عمل البرازيل من الدول الانضمام إلى اتفاقية عام 1954، المتعلقة بوضع الأشخاص عديمي الجنسية، واعتماد أطر الحماية المحلية، ووضع إجراءات لتحديد حالات انعدام الجنسية. وفي عام 2016، اعتمدت كوستاريكا لوائح تسمح بالحماية الشاملة للأشخاص عديمي الجنسية. وفي مكان آخر، ينظم قانون إكوادور الأساسي للحراك البشري وقانون الهجرة في البرازيل اللذين اعتمدا في عام 2017 حقوق الأشخاص عديمي الجنسية، ويتطلبان وضع إجراءات لتحديد حالات انعدام الجنسية. وبالإضافة إلى ذلك، تعمل الأرجنتين وأوروغواي وباراغواي وبنما والسلفادور حاليا على وضع لوائح لمعالجة هذه المسألة، في حين أعربت كل من كولومبيا وغواتيمالا وبيرو عن اهتمامها بذلك (6).


دور الدولة تجاه البدون:
إن صدور قانون مجلس الأمة عام 2000، الذي يدعو الحكومة إلى تجنيس ألفين شخص من البدون سنويا كان من شأنه التخفيف من حدة هذه المشكلة، وفي أكتوبر عام 2004 قام أعضاء من البرلمان الكويتي بتقديم مشروع قانون يقضي بأن تقوم الدولة بمنح البدون حقوقهم المدنية المحرومين منها، وفي ديسمبر عام 2004 استجابت الحكومة الكويتية لهذا الاقتراح وقامت بمنح 600 من البدون الجنسية الكويتية، ووعدت بتحسين الأحوال المعيشية للباقين منهم، في خطوة لاستيعابهم داخل الوطن، وفي 2018 وافق البرلمان الكويتي على إلحاق أبناء البدون بالسلك العسكري (7). ووفقًا للجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية (البدون) فقد تم إصدار أكثر من 13 ألف شهادة ميلاد، وأكثر من 500 شهادة وفاة، وأكثر من 5200 عقد زواج خلال الأشهر السبعة الماضية، كما استفاد نحو 88 ألف فرد منهم من التموين، إضافة إلى استفادة نحو 13 ألف طالب وطالبة من الصندوق الخيري، وكذلك تكفل بيت الزكاة بتكاليف فحص البصمة الوراثية التي استفاد منها أكثر من 11 ألف أسرة (8).

ويجب تفعيل القانون رقم 11/98 في 25 مايو 1998 وتم إضافة مادة جديدة ليقرر حالة جديدة من حالات التجنس الاستثنائي، حيث كان المشرع قد تبنى فكرة هذا القانون كأحد الأفكار التي يجب أن تسهم في حل مشكلة عديمي الجنسية في الكويت، وهي تمثل حلا لشريحة من شرائح عديمي الجنسية (البدون) ممن أقاموا في الكويت، وقد جاء نص القانون كالتالي:
"يجوز بمرسوم بناء على عرض وزير الداخلية منح الجنسية الكويتية للأبناء الراشدين للمتجنس وقت كسب والدهم الجنسية الكويتية، وكذا الراشدين من أحفاد المتجنس من أولاد الذكور، إذا توافرت فيهم الشروط المنصوص عليها في البنود (25-3) من المادة الرابعة من هذا القانون، وكانوا قد حافظوا على إقامتهم العادية في الكويت منذ تاريخ کسب من تلقوا عنه الجنسية الكويتية لهذه الجنسية"، فإذا كان الهدف من النص حل جانب من مشكلة عديمي الجنسية (البدون) وهم شريحة يفترض بها لتكون كذلك أن تكون قد أقامت في الكويت منذ مدة طويلة تصل إلى ما قبل صدور قانون الجنسية، فإن النص بصياغته الحالية يساوي بين هؤلاء وبين من يكون له أصل اكتسب الجنسية عن قريب، وكان الأولى مساواة هؤلاء على الأقل بأولئك الذين شملهم نص المادة الخامسة بالتعديل الأخير، حيث اشترط ولادة الفرع في الكويت والإقامة فيها إلى حين صدور المرسوم الخاص بمنحه الجنسية (9).

وعليه فمن أهم المقترحات لحل المشكلة:
• إنشاء منظومة تتسم بالبساطة والسهولة والمعقولية لتسجيل من تأخر استخراج شهادات ميلاد لهم.
• ربط تسجيل المواليد بتوفير شهادة المواطنة.
• الاستعانة بدورة الإحصاء السكاني بقدر المستطاع من واقع السجلات الرسمية في حقبة الستينات والسبعينات لحساب عدد المواطنين الذين لا يحوزون شهادات للمواطنة. 
• الرعاية الصحية المجانية في جميع مرافق وزارة الصحة. 
• الرعاية الصحية لذوي الاحتياجات الخاصة. 
• التعليم المجاني في جميع المراحل الدراسية.

وخلاصة القول إذا طبقت الدولة التجربة البرازيلية في قضية البدون، فربما تمثل تلك التسوية حلا مدروسا لهذه الفئة، يضمن لهم الحياة الكريمة، والحقوق المدنية والإنسانية بكل تفاصيلها، بما في ذلك حرية السفر إلى الخارج، والعيش بصورة قانونية في الكويت، بلد الإنسانية (10).

المراجع:
1) مركز الخليج للدراسات والبحوث الاستراتيجية: البدون في الخليج الجزور والمعاناة، ص2.
2) مركز الخليج للدراسات والبحوث الاستراتيجية: البدون في الخليج الجزور والمعاناة، ص3.
3) عبد المؤمن بن صغير: إبعاد الأجانب على ضوء القوانين الكويتية وأحكام القانون الدولي: دراسة حالة البدون في دولة الكويت، مجلة جيل لحقوق الإنسان، مركز جيل البحث العلمي، العدد الأول 2013، ص83.
4) المفوضية السامية للأمم المتحدة، استنتاج حول تحديد حالت انعدام الجنسية ومنعها وخفضها وتعزيز الحماية المقدمة إلى الأشخاص عديمي الجنسية، 6 أكتوبر 2006، رقم 106 – 2006 LVII.
7) شريفة فاضل محمد بلاط: تأثير المتغيرات الدولية في مبدأ المواطنة في الدول العربية، مجلة العلوم السياسية، العدد 60، 2020، ص 176-177.
8) محمد حسين اليوسفي: حل مشكلة البدون في الكويت، مجلة البيان الكويتية، 2011.
9) أحمد السعدان: الجنسية الكويتية الأصلية (دراسة مقارنة حول مفهوم الجنسية الأصلية وحكمها في التشريع الكويتي وتطبيق الإدارة لها، مجلة الحقوق، جامعة الكويت، العدد الثالث، سبتمبر 1996، ص57.
10) جرى كتابة هذا المقال بالاشتراك مع الدكتور محمد عبد الرازق.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد