dark_mode
  • الخميس ٠٧ / يوليو / ٢٠٢٢
الكويتي البدون مورد بشري وإنسان - فاطمة مزيد حامد

الكويتي البدون مورد بشري وإنسان - فاطمة مزيد حامد

أول ما يتبادر إلى أذهاننا حال ذكر مصطلح "عديمي الجنسية" هو التعطيل التام لحياة من ينتمي إلى هذه الفئة، التعطيل التام لحياة الفرد يعني تعطيل للأسرة والمجتمع والدولة، ويمتد هذا التعطيل ليؤثر سلبا على جوانب عديدة هامة مثل الجانب الاقتصادي مما يتراجع بالجميع نحو الركود وانعدام الإنجاز والإبداع وتعسر التنمية، ويعاني مجتمع الكويتيين البدون من نسبة بطالة عالية جدا نظرا لحرمانهم من الهوية الوطنية التي تتيح لهم ممارسة حياتهم بشكل طبيعي وتمكنهم من التزود العلمي والتوظيف العملي المناسب ما ينتج عن توافرهما الحياة الكريمة كما ينبغي أن يعاش، وبالنظر إلى نتاج عدم استغلال هذه الطاقات المتوافرة كرأس مال بشري للدولة تقام على أساسها العجلة التنموية والتقدم المجتمعي تتفاقم العواقب كونهم جزء لا يتجزأ منه وأساس ضمن مكوناته التي تشكل منها منذ نشوء الدولة.

بالحديث عن حياة الفرد البدون نجد أن التعطيل يبدأ منذ المرحلة التعليمية التي يمر بها أو "لا يمر"، وأثناء مروره يواجه التهميش والتصنيف والفئوية إن كان في مرحلة استكمال التحصيل المدرسي أو في مرحلة ما بعد التخرج وصعوبة قبوله في الجامعات والكليات الحكومية والخاصة لأسباب متعددة مثل انتهاء البطاقة الأمنية أو محدودية التخصصات المتاحة أو عدم قدرته المادية على تحمل تكاليف الجامعات الخاصة داخل وخارج الكويت ناهيك عن الأسباب المجتمعية والظروف الأسرية الناتجة أيضا عن تعرقل أوضاعهم وتحول دون سفر العديد منهم للخارج مثل التزام الفرد بالإنفاق على عائلته واضطراره العمل برواتب زهيدة لجهات معينة تستغل الظرف في ظل رفض الجهات الحكومية والخاصة لهم في سوق العمل ما يؤدي إلى حرمان الفرد البدون من تحقيق طموحه العلمي الذي يمهد ويحقق طموحه العملي ويعود عليه وعلى الوطن بالنفع.

"إن تعليم الناس وتثقيفهم في حد ذاته ثروة كبيرة نعتز بها، فالعلم ثروة ونحن نبني المستقبل على أساس علمي"- القائل الشيخ زايد رحمه الله في أثر التعليم وأهميته على المجتمعات، حين تمنع التعليم أو تصعب الوصول إليه أنت تمنع أحدهم من أن يكون طبيبا ماهرا في مجاله ينقذ مرضاه أو أديبا بارعا ينشر التثقيف الفكري أو مهندسا يساهم في تعمير الأبنية وتشييد الوطن، حين تمنع العلم تمنع العمل من أن يصنع المستقبل وتمنع المستقبل من أن يكون، يقول الكاتب جلال عامر "الزراعة تسد الجوع والصناعة توفر الاحتياجات لكن التعليم يزرع ويصنع وطنا".

بالنظر إلى ما سبق يجدر بنا الإشارة إلى الأثر المترتب على المنع التعليمي والممتد بتأثيره على المرحلة العملية في حياة الكويتيين البدون، فعدم توافر الفرص العملية المناسبة التي تستغل الطاقات البشرية تولد عواقب لا حصر لها وتؤثر على السوق الاقتصادي للدولة وتؤثر على البيئة المجتمعية للفرد مما تضيق عليه سبل العيش وتحرمه من حقوقه الطبيعية كإنسان له احتياجات يفترض أن يحظى بها كما يحظى بها الإنسان الطبيعي في الحياة الطبيعية فتكاد تنعدم فرصة تكوين الأسرة وفرصة الاستقرار السكني وفرصة إدارة أمواله والتصرف بها عن طريق الحسابات البنكية وغيرها وتنعدم رفاهية العيش باختلاف أوجهها لعدم قدرته على مواكبة جوانب الحياة المتعددة لأنه مرفوض ومعدم مدنيا وهذا بدوره ينتج ضغطا بصور متباينة تجبره على الانحراف عن مساره الآمن واستقراره المعيشي وتتوجه به إلى مجالات عملية غير مناسبة تستغله بطريقة خاطئة وتدمره نفسيا وصحيا ثم إن هذا التعسر المادي يحول دون إمكانية إنفاق الفرد البدون على نفسه وعلى أسرته في نطاق أسواق الدولة.

من جهة أخرى تعاني الدولة في بعض القطاعات من الاحتياج الوظيفي وفي البعض الآخر من التكدس الوظيفي وفي جهات معينة من الاكتفاء وتستعين بالوافدين الذين يشكلون ما يقارب ال 68.2٪ من إجمالي عدد السكان بغرض سد القطاعات التي تتطلب طاقات تشغيلية، في الوزارات والإدارات الحكومية يبلغ عدد العاملين الوافدين في وزارة الصحة على سبيل المثال لا الحصر 35013 ألف وافد مما يفوق عدد العاملين من الجنسية الكويتية ويشكل 26980 ألف، وفي وزارة التربية يبلغ عدد الوافدين العاملين 28664 ألف، ويبلغ إجمالي عددهم في هذه الجهة 75331 ألف، بينما في الهيئات والمؤسسات الحكومية يبلغ عددهم 5210 ألف، أما في الجهات ذات الميزانية المستقلة كمؤسسة الخطوط الجوية الكويتية يبلغ عددهم 5936 ألف مقابل 958 موظف كويتي في نفس الجهة وذلك يعني تفوق عددهم مقابل أعداد الموظفين من الجنسية الكويتية ويبلغ مجموع عددهم الكلي في هذه الجهة بمختلف قطاعاتها 7982 ألف، أما في الشركات المملوكة للدولة ملكية تامة مثل شركة مطاحن الدقيق والمخابز الكويتية فيبلغ عددهم 4777 ألف مقابل ۱۷۸ موظفا كويتية حسب إحصائيات عام ۲۰۲۰ وبجمع عددهم الكلي في الجهات ذات الميزانية المستقلة والشركات ذات الملكية التامة للدولة باختلاف تفرعاتهم يقدر عددهم بـ 97982 ألف. أما في الأنشطة الاقتصادية يتفوق عددهم غالبا على عدد الكويتيين العاملين في ذات المجال مثلا في الأنشطة العقارية يبلغ عددهم 262086 ألف مقابل 14537 ألف عاملا كويتية، وفي تجارة الجملة والتجزئة وإصلاح المركبات ذات المحركات والدراجات النارية يبلغ عددهم 517222 ألف مقابل 20042 ألف عاملا كويتية، ومجمل عددهم في أقسام النشاط التجاري المختلفة 1698138 عاملا من الوافدين بينما يبلغ عدد الكويتيين العاملين في ذات المجال 73303 ألف - المصدر الإدارة المركزية للإحصاء | البيانات المدمجة | نظام معلومات سوق العمل.

جدير بالذكر أن هذه النسب الضخمة من الوافدين التي تشغل جهات هامة تشكل قوة لا يستهان بها تتحكم في الاقتصاد الداخلي للدولة وتؤثر على حركة الأسواق المحلية حيث ترتفع هذه الأسواق وتنمو بالقوة الشرائية للفرد بالمقابل تهبط وتركد بالضعف الشرائي، وهذه النقطة تحيد بنا إلى توجه الوافدين وكيفية تصرفهم المادي أثناء تواجدهم المؤقت حيث يعمل أغلبهم على إنفاق أمواله في بلده وبناء ما يطمح إليه من تصور مستقبلي وأمان معيشي خارج الدولة عن طريق التحويلات البنكية إلى أسرهم في بلدانهم والتي قدرت وبلغت قيمتها حوالي 4,4 مليارات دينار كويتي حسب إحصاءات البنك الكويتي المركزي عام ۲۰۱۹ - المصدر نشر في جريدة الأنباء عام ۲۰۲۰.

قيمة تحويلات مالية بمجموع ضخم كهذا يعد كفة تقرر اتجاه المنحنى الاقتصادي المحلي بشكل قاطع ما إذا تم إنفاقه سنويا على الأسواق الداخلية، ومن هنا تأتي إحدى الحلول المقترحة وضرورة تطبيقها للصالح العام ولصالح فئة الكويتيين البدون والمجتمع الكويتي بعمومه ولعمل نقلة تنموية تزدهر بالفكر والظرف الجمعي، من هنا وفي هذا الموضع تتوضح أهمية وكيفية توظيف الكويتيين البدون في الجهات العملية المؤثرة والمستغلة بطريقة لا تخدم السوق الاقتصادي ولا تخدم المجتمع، وتأتي أهمية إتاحة التعليم والقضاء على الجهل لتسخير وتطويع القدرات البشرية الفكرية وأهمية تقديم الخدمات عن طريق تنظيم التشغيل والتوظيف المناسب لتخصص كل فرد في مجاله بالمقابل تحقيق النفع للجميع . ينتج عن معالجة هذه الثغرة سد احتياجات الدولة فيما يتعلق بالنقص الوظيفي الحاد والمتوسط والبسيط في أي قطاع عملي عن طريق إعادة دراسة وهيكلة وتصحيح سوق العمل بشكل أدق وأكثر كفاءة وبترتيب خطة منهجية تعود بالنفع على الوطن لتعويض هذا الخلل والخطأ الإداري لسنوات بتوظيف فئة أخرى تصدر ما تجنيه إلى الخارج، بالتالي ينتعش الاقتصاد المحلي بتمكين الكويتي البدون من إيجاد العمل وإنفاق ما يجنيه من دخل في السوق المحلي وفي ذات الوقت يتحقق القضاء على البطالة، ومن جانب آخر حل المشاكل المتعلقة بالوضع المادي للفرد البدون وتتحقق احتياجاته الطبيعية حتى يتمكن من بناء مستقبله ومستقبل الدولة.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد