dark_mode
  • الخميس ٠٧ / يوليو / ٢٠٢٢
الحياة الخاصة للأفراد من فئة غير محددي الجنسية- عدنان العبار

الحياة الخاصة للأفراد من فئة غير محددي الجنسية- عدنان العبار

"يمكن كل واحد بهالعالم خايف من كل واحد غيره."- جون ستاينبك، عن الفئران والرجال.

المقدمة:

هناك تصور عام يشاركه الكثير من الأفراد حول العالم عن اختلاف النتائج الاجتماعية الناتجة عن توظيف فئة معينة من المجتمع دون أخرى على المجتمع ككل. توظيف الكويتيين في الكويت يأخذ الأسبقية على توظيف السعوديين في الكويت، وربما توظيف السعوديين يأخذ أسبقية على توظيف الأفغان أو الهنود في الكويت، لتحقيق المصلحة العامة. يجب أن نوظف أغلبية الكويتيين قبل توظيف الأجانب، وأن نوظف الكويتيين بأعلى المعاشات الممكنة لكي نحقق أعلى مستوى معيشة في الكويت. عندما نوظف المصري، فإنه يرسل جزء من راتبه لأهله في مصر، فنخسر الدنانير وتكسب مصر الدنانير التي خسرناها، ولو استمر هذا التصرف سنصبح مجتمع أكثر فقرا. عندما يحصل الإماراتي على وظيفة في الكويت، فأن تلك الوظيفة لن تكون من نصيب الكويتي وهذا سيجعله يجلس في منزله بلا عمل مفيد. يجب أن نشجع الإنتاج في الكويت، وأن نضع جمارك على المنتجات غير المحلية حتى لا تقتل المنافسة الوطنية. هذه كلها مقولات نصنفها اليوم تحت موضوع عام نسميه بالوطنية الاقتصادية (Economic Nationalism) [1].

بشكل عام، المغالطات ليست كلها خاطئة، بل ربما تحمل خطأ معين يجعل نتيجتها لا تتحقق بالضرورة (أو لا تتحقق أبدا). جميع الحجج المذكورة أعلاه تحتوي على مغالطة اقتصادية واحدة على الأقل. ولكنها تتحقق في أحيان معينة، عندما تكون الفطيرة الاقتصادية محدودة، وفي ظروف نظرية لا تتحقق على أرض الواقع لمدة زمنية طويلة. وللأسف الشديد، هذه الأفكار تحفز الحراك السياسي وتحفز القرارات والتشريعات الجديدة، والتي تضر المواطنين والمقيمين والأفراد من فئة عديمي الجنسية. ولكن، لكي ننظر للموضوع بصورة أوسع، ربما من الأفضل أن نستعمل منهجية نسميها في العلوم الاجتماعية بالمنهجية الفردانية [2] – وبها، نعزو كل التصرفات للأفراد، لا المؤسسات ولا المجتمع ككل: فالمجتمع لا يتصرف، بل الأفراد هم من يتصرفون، والسياسيون لا يقترحون التشريعات، بل السياسي أ وب وج ود... إلى السياسي ي هم من يقترحون التشريعات. هذه المنهجية تجعلنا ننظر للحياة الخاصة للأفراد لكي نعرف لماذا نعتبر الأفكار التي تحملها الوطنية الاقتصادية أفكار خاطئة، ومضرة للأفراد من فئة عديمي الجنسية، وهم موضوع هذا المقال. لكن قبل أن نفعل ذلك، نستطيع أن ننظر للقانون الاقتصادي الأساسي الذي ممكن أن نبني عليه علم الاقتصاد بأكمله: الإنسان يتصرف بعقلانية لتحقيق غاياته [3]. وهذا لا يعني أن تصرفات الإنسان دائما تنجح بتحقيق غاياته المرجوة، أو أن الغايات التي يدعي بأنه يريد الوصول لها هي غايته، أو أن الإنسان لا يتصرف أحيانا بشكل غرائزي. كل ما يعني القانون هو أن الإنسان، عندما يطمح للوصول لغاية، يتخذ سبيل لتلك الغاية. وهذه الغاية قد تكون بخلاف ما يظن أو يدعي بأنه سيصل له. سنرى من خلال هذا القانون لماذا تفشل أفكار الوطنية الاقتصادية عندما تطبق على أرض الواقع، ولماذا نعتبر ترك الفرد من فئة عديمي الجنسية لحاله من دون عراقيل قانونية لكي يسعى وراء غاياته ويوظف فيه مهاراته تحت إطار قانوني سيفيد سكان دولة الكويت بشكل عام، والأفراد من فئة عديمي الجنسية بشكل خاص.

الحياة العامة للأفراد من فئة غير محددي الجنسية:

الموضوع الأساسي الذي نود مناقشته هو عواقب وجود عراقيل على الحياة الخاصة للأفراد من فئة عديمي الجنسية، ونتائجه على المجتمع ككل. وسنقدم حجة تفيد بأن المزيد من الحريات لهؤلاء الأفراد سيصب لصالح أغلبية الأفراد في الكويت.

لنبدأ بالفرد من فئة عديمي الجنسية، والذين نسميهم بال "بدون" في الكويت، لأنهم من دون (أي، "بدون") جنسية كويتية. لكل إنسان غايات يود تحقيقها. أبسط هذه الغايات هي تناول فطوره في الصباح، أو قضاء حاجته في الحمام بعد استيقاظه من النوم، أو النوم في المساء بعد يوم متعب. ولكن هذه الغايات لا تتحقق بشكل طبيعي. ربما نجد نخلة في البر فنقطف منها رطبا، ولكن من المستحيل أن نجد فراش مريح في بيت شبه معزول حراريا ومكيف، ومنظومة صرف صحي معقدة كتلك التي نراها في بيوتنا، أو أغذية متنوعة يسهل علينا طهيها وتخزينها واستهلاكها في البر. هذه كلها تتطلب مجتمع كامل بشتى أشكال المهن والوظائف لكي تتحقق. وهذه متطلبات ننظر لها على أنها ضرورات في مجتمعاتنا المعاصرة، وليست كماليات (حتى لو استطعنا أن نعيش من دونها، كما تعتبر السيارة والإنترنت من الضرورات). وهذه المنتجات الاجتماعية تتطلب أن ينتجها فرد أو مجموعة أفراد قبل أن يتم استهلاكها أو استعمالها [4]، وتتطلب تصليح ما تهالك منها. وهذه الحرف تحتاج من يتعلم كيفية إنتاجها وتصليحها وتزويد منتجيها بالموارد. نسمي هذه العملية الكبرى في الإنتاج، بالمجتمع [5] - ولا ننسى أنها عملية إنتاج تتم عبر الأفراد. وكلما زاد الإنتاج وزادت كفاءة الإنتاج، بموارد أقل وتكلفة أقل (ماليا وبيئيا ويدويا) يصبح من الأسهل أن يحصل المزيد من الأفراد على هذه السلع والخدمات.

الآن، لننظر، بشكل نظري، ما يحدث عندما نزيد عدد السكان في بقعة جغرافية ما: سيزيد الاستهلاك لو استمر المجتمع في المنطقة قبيل الزيادة في نفس كمية الاستهلاك، لأن كل فرد يحتاج أن يستهلك بالضرورة. وهذا سيدفع لزيادة الأسعار، ما لم يزدد الإنتاج بشكل مكافئ. وبالتالي، نرى ما حدث في بريطانيا أثناء الثورة الصناعية [6]، زيادة عملاقة في عدد السكان بوقت قصير أدى لزيادة الاستهلاك وزيادة الأسعار في الفترة الأولى، ثم بعد اندماج فئات المجتمع أدى ذلك لثراء غير مسبوق في تاريخ الإنسانية أجمع قبل تلك الفترات. وهذا كله مرهون بعدد من القوانين التي يجب أن تكون موضوعة ومعترف فيها، واحترام عام لتلك القوانين (بما نسميه اليوم بروح القانون، أي أن القانون يطبق على الجميع). وهذه القوانين التي يجب أن تتوافر لكي تنطبق النظرية هي ثلاثة [7]:

أولها هو احترام مؤسسة الملكية الخاصة، فلكل فرد ملكية خاصة سواء نتاج عمل يده أو ما ينص عليه عقد عمله. وهذا يشمل المنازل التي يمتلكها البدون. وهذا يتعارض مع المادة رقم 878 [8] والتي تنص على أن "كل عقار لا مالك له يكون ملكا للدولة، مما يجعل الأرض التي يبني عليها الفرد من فئة غير محددي الجنسية أرض مملوكة من قبل الدولة، لأن ذلك الفرد لا يستطيع أن يمتلك تلك الأرض بطريقة شرعية ومعترف بها اجتماعيا، يحترمها (بل، ويقدسها) بقية أفراد المجتمع. وهذا أيضا يتعارض مع قدرة الدولة في التدخل بالعقود بين الأفراد فتجعل الفرد نفسه لا يستطيع أن يقدم على وظيفة أو أن يحصل على راتبه بعد دخوله للعقد إلا عندما يحقق شروط لا يقبلها الفرد، وهذا اعتداء مباشر على حرية الأفراد في ملكيتهم الخاصة - في هذه الحالة، التصرف بأجسادهم.

ثانيها هي وضع إطار قانوني وفرض هذا الإطار. ويختلف الكثير من الفلاسفة والقانونيين عن الأطراف التي يجب أن تنفذ هذه القوانين، ولكنهم يتفقون جميعا أن هذه متطلبات يجب تحقيقها في أي مجتمع، وهذا ينطبق على الشرط الثالث، وهو حماية الأفراد جميعهم من الخطر الداخلي والخارجي.

حياة الفرد الخاصة، ونتائجها:

لا يمكن لأي إنسان أن يتنبأ بالمستقبل، وهذا ليس فقط بسبب قوانين ميكانيكا الكم والديناميكا الحرارية التي تضع حواجز لهذه الأشياء كما تجعل الرجوع للماضي وتغييره استحالة – ولكن ذلك بسبب وجود التعقيد ذي المستوى العالي في العالم الواقعي. وهناك سبب منطقي يجعل من المستحيل أن نعتدي على المستقبل، وهو إثبات ما هو غير متحقق (Proving Counterfactuals) [9]. وهذا ما نفعله في العلوم عندما نتنبأ بالنتائج. ولكن في علم الاقتصاد، فنحن لا نتنبأ بالمستقبل إلا بالسلب: لا يمكن أن أصرف دينارا لا امتلك التصرف به، لا يمكن أن أستهلك ما لم يتم إنتاجه، وهكذا. فنضع قائمة (غير منتهية) من الخيارات التي يستطيع أن يتخذها الفرد، ونختار ما هو ممكن من هذه القائمة.

ينظر بعض الاقتصاديين أن تعظيم هذه الخيارات للبشر يؤدي لحالة اجتماعية أفضل احتماليا. هذا لا يتعارض مع فكرة شلل الاختيار (Choice-Paralysis) [10] في الفرع من علم النفس المسمى بعلم الاقتصاد التهذبي (Behavioural Economics). يستطيع الفرد أن يختار بين خيارين، ولكنه عندما يطمح لأفضل هذين الخيارين قد يخسر موارده ووقته في عملية التحليل من أجل الوصول للخيار. هذا لا يحصل عندما نضع لأنفسنا وجهة معينة وعند اختيار خيار معين حتى لو لم يؤدي ذلك لأفضل النتائج الممكنة (لأننا لا نستطيع أن نعرفها بشكل مسبق)، ولذلك تظل هذه الحالة احتماليا (Potentially) [11] أفضل.

عندما يكون للأفراد من فئة عديمي الجنسية الكثير من الخيارات المتاحة، ستدفعهم المنافسة لتحسين حالتهم، وستدفع هذه المنافسة لزيادة الإنتاج وتقليل التكاليف عبر الزمن، مما سيعود بفائدة أكبر على المجتمع. هذه الآلية تبين المشكلات التي يقع فيها مؤيدو الوطنية الاقتصادية لعدة أسباب.

عندما يعمل المصري ويرسل أمواله لمصر، فهو قدم خدمات للأفراد في الكويت، وهذه الخدمات تم استهلاكها ولذلك هو حقق فائدة أعظم من الفائدة التي يراها من صرف الأموال على تلك السلع والخدمات (subjective valuation) [12]. والأموال التي ذهبت لمصر ستشجع المزيد من المصريين أن يأتوا للكويت لتقديم المزيد من الخدمات. هذه الحجة تنطبق حتى على من هم غير كويتيين، ممن يودوا أن يصبحوا مواطنين كويتيين. وتصبح مشكلة بالفعل عندما تقترن المواطنة بحقوق يحصل من خلالها الفرد على سلع وخدمات من دون الحاجة للإنتاج بشكل كاف لتبرير حصوله على هذه السلع والخدمات. وعند توظيف اللبناني بدلا عن الكويتي، فهذا سيضع ضغط أكبر على الكويتي لأن يعمل ليستحق الوظائف المتبقية أو أن يخلق وظائف جديدة من خلال مشروع جديد، وهكذا. هذه الفوائد الاجتماعية كلها تصبح متحققة وأكثر إنتاجية تحت آلية الأسعار (الطبيعية) في توجيه نتاج أفراد المجتمع، مما يجعل التعاون والتقبل بين الأفراد أكثر مرونة وفائدة، ومما يجعله من الأفضل لنا أن نسمح للوافدين والأفراد من فئة عديمي الجنسية أن يعملوا هنا.

ختام:

رأينا أن هناك عوامل لو تحققت في المجتمع ستجعل المجتمع أفضل (أي مجتمع يستطيع أن يحقق فيه أكبر قدر من الأفراد غاياتهم من دون الاعتداء على الآخرين)، وتحت ظل آلية الأسعار الطبيعية سيتوجه الأفراد للخيارات التي تعظم تحقيقهم لغاياتهم. وأن زيادة عدد السكان لا تضر الأفراد بالضرورة على المدى البعيد، بل أنها تجلب منافع لا يستطيع أن يتحلى المجتمع بها من دون هذه الزيادة وهذا الضغط. ورأينا، أخيرا، بأن حجج الوطنية الاقتصادية باطلة في الهجوم على منح الأفراد من فئة عديمي الجنسية حقوقهم الطبيعية، وأن عدم الاعتداء على هذه الحقوق الطبيعية والحريات يفيد جميع أفراد المجتمع على المدى البعيد. ولذلك، يستطيع المجتمع أن يستغل قدرات البدون (بتركهم وحالهم) وهذا سيعطيهم الحرية والخيار في كيفية توظيف مهاراتهم في المجتمع. ونختم بالتذكير بأن استغلال مهارة أي فرد من فئة غير محددي الجنسية، لو تم بشكل طبيعي، يحقق لجميع الأطراف حالة أفضل مما كانوا عليه قبل العقد، ipso-facto.

 

المراجع:

1.      https://www.adamsmith.org/blog/economics/economic-nonsense-15-protection-of-domestic-industries-will-safeguard-jobs

2.      https://mises.org/library/methodological-individualism  

3.      Von Mises, L. H. E., Human Action, LvMI 2020, pp. 11 – 30.

4.      https://mises.org/wire/ten-fundamental-laws-economics

5.      Von Mises, L. H. E., The Ultimate Foundation of Economic Science, D. VAN NOSTRAND COMPANY, INC. 1962, pp. 104 - 114.

6.      Rothbard, M. N., Science, Technology, and Government, LvMI 2015, pp. 105 – 106.

7.      Friedman, M, Capitalism and Freedom, University of Chicago Press, 40th Anniversary Edition, pp. 34 - 36.

8.      https://lawyerq8.com/2019/09/12/rights-in-rem-original/

9.      Starr, William, "Counterfactuals", The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2021 Edition), Edward N. Zalta (ed.)

10.   Schwartz, B., Paradox of Choice, Harper Collins, 2004.

11.   Bodnar, Istvan, "Aristotle's Natural Philosophy", The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2018 Edition), Edward N. Zalta (ed.)

12.   https://mises.org/library/subjective-value-theory

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد