dark_mode
  • الخميس ٠٧ / يوليو / ٢٠٢٢
أدب الطفل البدون - أحمد السويط

أدب الطفل البدون - أحمد السويط

قبل أيام كان هناك مساحة حوارية على منصة تويتر بعنوان "منتدى أطفال البدون الثقافي: حكاية الأرنب Peter Rabbit"، وكان الهدف الأساسي منها الحديث عن الواقع الذي يعيشونه أطفال البدون وكيفية التعامل معه. اخترنا حكاية الأرنب بيتر، للكاتبة البريطانية بياتريكس بوتر (1902)، وهي من أهم أعمال أدب الطفل لبساطتها اللغوية حيث تتكون من جملٍ قصيرة تقابلها صور توضيحية، ناهيك عن محاكاتها لظواهر اجتماعية-سياسية معقّدة بشكل رمزي أدق تعبيراً وربما أكثر واقعيةً من أساليب السرد التاريخي التقليدية.

حكايات أطفال البدون

بدأ الحوار في مساحتنا ’التويترية‘ عن أهمية دراسة أدب الطفل في فهم الواقع الذي يعيشه الطفل البدون، وعن قدرة عمل فني بسيط مثل حكاية الأرنب بيتر على شرح ظواهر الطبقية وصراعات القوى الاجتماعية التي تنشأ من التوزيع غير العادل للأرض وثرواتها ومواردها. ذلك لما تجسده هذه الحكاية من خلال الأدوار التي تلعبها شخصياتها: أسرة السيد ماكجريجور (Mr. McGregor) التي تملك أرض بستانية تسكن فيها وتأكل من مواردها حتى التخمة دون اكتراث للآخرين، وأسرة الأرنب الطفل بيتر التي لا تملك شبراً من الأرض وتصارع من أجل البقاء على قيد الحياة تارة مع الجوع وتارة مع سطوة وبطش الإقطاعيين.

ذكرّتنا الصراعات التي يعيشها الطفل بيتر بتجارب وقصص من الواقع المأساوي الذي عاشه ويعيشه أطفال البدون نتيجة الأوضاع الـ(لا)قانونية المفروضة على أسرهم، والتي تتفاقم بممارسات التمييز الحكومي بينهم وبين أقرانهم في مختلف جوانب حياتهم، وحرمانهم من حقوق الصحة والتعليم والحياة الأسرية (المستقرة) واللعب والترفيه وغيرها من الحقوق التي يوجب القانون الدولي —اتفاقية حقوق الطفل— على كل دولة عضو في الأمم المتحدة إقرارها. ومن قصص أطفال البدون المؤلمة روى لنا أبو هادي كيف ماتت طفلته ذات العشر سنوات أمام عينه بعد صراع طويل مع المرض، وكيف أنه ما يزال يشعر بالألم والعجز لأنه لم يتمكن من إنقاذ طفلته بسبب إمكانياته المادية المحدودة وعدم امتلاكه وثيقة سفر لإرسالها للعلاج في الخارج.

ليست بنت أبو هادي الشاهدة الوحيدة على صراع أطفال البدون مع الظلم، كما لم تكن قصة أخي المعاق محمد منذ ولادته المثال الفريد لشرح تاريخ الكويت السياسي ’من الأسفل‘، فقد روى لنا أبو حسن كيف يعيش أطفاله البدون تجربة التشتت الأسري بسبب هجرته القسرية، وكيف يمرون بمرحلة من الذهول (والانكسار أحياناً) في ظل عجزه عن تلبية طلباتهم للعودة إليهم أو المجيء بهم عنده من ناحية، وعن الإجابة عن تساؤلاتهم عن سبب اضطرار اسرتهم للانقسام لسنوات من ناحية أخرى. هنا بدأ الحديث عن الصدمة التي يعيشها الطفل البدون عند معرفته بأنه بدون لأول مرة. تتنوع الأحداث المأساوية التي يتعرض لها أطفال البدون، ولكن أسباب صدمة الواحد منهم بواقعه لا تكاد تتجاوز أمرين: الهوية الاجتماعية ومستوى الثقافة السياسية بواقع البدون.

تبدأ صدمة الطفل البدون بواقع مجتمعه إما عندما يتم حرمانه من الذهاب إلى المدرسة أو طرده منها، أو عند اضطراره للعمل لمساعدة أسرته، أو عند التمييز بينه وبين أقرانهم من أطفال المواطنين في السكن أو الألعاب، إلخ، أو عندما يرى أسرته تضطر إلى طلب المساعدة من الآخرين أو المناشدة من أجل الحصول على شيء من حقوقهم البديهية، أو عندما يتنمر عليه بعض أقرانه من المواطنين جسدياً أو لفظياً بتعييره بهويته لأنه "بدون"، أو  بالتعليق على لهجته "الشمالية"، أو ملابسه البسيطة، أو مهنة أبيه "بياع الرقي"، أو سيارة أبيه "الوانيت"، أو بنعته "يا عراقي" أو "هكري"، كما حصل مع المتحدث أبو شهاب في طفولته، حين كان يسكن هو وأسرته في ملحق أحد بيوت المواطنين الكويتيين في منطقة الفحيحيل وكان واضحاً لأطفال الحي أن جارهم الجديد أقل منهم اجتماعياً لأنه لا يذهب إلى المدرسة مثلهم ولا يسكن في بيت محترم مثلهم بل في "حوطة" كانت قبل ذلك تستخدم كحظيرة للماعز والدجاج والحمام. ولا يزال التنمر على (أطفال) البدون مستمراً، بل وصل الحال ببعض مروجي خطاب الكراهية ضد البدون  بنعت البدون بـ"الأرانب" وشيطنتهم والدعوة إلى "تحديد نسلهم"، وإلى الآن لم نر من الحكومة تحرّك لحماية البدون من هذا التحريض الصريح على الرغم من أنه مجرم في القانون الدولي لأنه تحريض على الإبادة الجماعية وفقاً لنص اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.

لعل قصة الطفل البدون برّاك حسين الذي اضطر والده أن يناشد العالم من أجل علاجه وحق أسرته في حرية التنقل والسفر (انظر #انقذوا_براك_حسين) من أبرز الشواهد على استمرار العنف الذي يتعرض له أطفال البدون في الكويت نتيجة الأوضاع اللاّإنسانيّة والقيود اللاقانونية المفروضة عليهم. ولكن هناك أيضاً مما شهدناه من مآسي أطفال البدون ما يجب علينا أن نحفره في ذاكرة التاريخ لفظاعته، وهنا نستذكر فاجعة الطفل عبد العزيز العونان الذي تُرك في صراع مع مرض لم يوجد له علاج في الكويت حتى مات، ولم يشفع له سعي والده بشتى الطرق من أجل أن يعالجه في الخارج حيث كان رد أحد المسؤولين عليه: "لو تحط الكعبة فوق رأسك لن نعطيك جواز ]سفر[". وليس بأقل بشاعة ما مر به الطفل البدون علي ياسر الذي لم يحتمل قسوة الحرمان من حقوق الطفولة نتيجة الأوضاع المعيشية المفروضة على أسرته فقرر الانتحار احتجاجا وهو لم يتجاوز الحادية عشرة من العمر، وكذلك قصة الطفل البدون جراح عايد الذي حرمته التضييقات القانونية والاقتصادية المفروضة عليه وعلى أسرته من الدراسة واضطرته أن يعمل بائع ورود على الرصيف ليساعد والده المحطّم هو الآخر. أراد الطفل البدون جراح أن يبيع الورد للقادرين على شرائه، فاشتراه الموت قبل أن يكمل بيع وروده. دهسته مركبة أثناء عمله في الشارع، فسقط هو ووروده المتبقية على قارعة الطريق بلا ثمن. "وُلِد ]جراح[ من غير شهادة ولادة، ويُدفَن اليوم من غير شهادة وفاة"، هكذا نعاه أحد المواطنين الكويتيين الشرفاء.

في مساحة أطفال البدون نبشت معاناة جيل اليوم جراحات آبائهم وأجدادهم على مدى سبعة عقود ماضية، وبقي السؤال الذي (يـ)حيرنا جميعاً: كيف نخبر أطفالنا أنهم بدون؟

توعية الطفل البدون

تباينت آراء المشاركين في مساحة أطفال البدون بين مؤيد لتوعية الطفل بالواقع الذي يعيشه —حتى يتفادى الصدمات التي مرت بها الأجيال السابقة— وبين معارض لذلك بحجة أن الطفل يجب أن يستمتع ببراءة الطفولة بعيداً عن هموم الكبار. ولكن كيف لنا أن نجنّب أطفالنا هموم قضية البدون وفي الكويت أعضاء حكومة وبرلمان وفئات اجتماعية-سياسية يتعاونون على إبقائنا جميعاً في مواجهة مباشرة مع الظلم؟ يبدو أن الأمر لا بد منه. ولكن ما هو العمر المناسب لوضع أطفالنا في الصورة وتوعيتهم بالواقع الذي نعيشه والصعوبات التي سوف تتكالب عليهم كلما كبروا؟ وما هو الأسلوب المناسب لفعل ذلك؟

لا أتصور أن هناك إجابات محددة لهذه الأسئلة فاستعداد وقابلية كل طفل وأسرة من البدون أمور تحكمها ظروف وعوامل مختلفة ومعقدة. ولكن ما أعتقد أنني متأكد منه هو أننا يجب أن نفكرّ دائما في أهمية التحاور مع أطفالنا وتوعيتهم بالجوانب المظلمة من الواقع الذي (سـ)يعيشونه، آخذين بعين الاعتبار أهمية الموازنة بين عدم تغييبهم عن الواقع وعدم تحميلهم فوق طاقاتهم. يمكننا أثناء القيام بهذا الأمر الاستفادة من مشاركة أطفالنا بدراسة شيء من أدب الطفل، ولكن عند محاورتهم وتشجيعهم على أنشطة ومعارف معينة ربما علينا أن نأخذ بعين الاعتبار ما يذكّرنا به النّاقد الأدبي المخضرم بيتر هَنت (1994) في كتابه "Instruction and Delight" أن أدب الطفل لا يخلو من إشكالات القوة والإيديولوجيا —التصورات المترسخة في عقولنا، لذا علينا أن لا نفرض قوتنا على الطفل وأن لا نتعامل معه على أنه مُستقبل (جامد) للمعرفة وأننا نحن منتجون فاعلون لها، لأن الواقع قد يكون عكس ذلك —وهو في الغالب عكس ذلك، فنحن الكبار لا نملك الحقيقة (المطلقة) وأفكارنا في الغالب متأثرة بالتجارب السابقة والخوف من المستقبل.

أهمية دراسة أدب الطفل

يمكننا من خلال أدب الطفل أن نفهم ما يسميه المؤلف البرازيلي سيبستياو سالجادو (1997) "صراع المعدمين"، وهو ما وصفه المناضل الأمريكي مالكوم إكس (1963) بالصراع الأزلي بين المستحوذين على الأرض (landlords) والمحرومين منها (landless)، والأساس الذي قامت عليه ثورات الشعوب ضد طغيان الفئات السياسية التي سلبتهم حقوقهم في الأرض وموارها، كما حدث في الثورة الأمريكية عام 1776، والثورة الفرنسية عام 1789، والثورة الروسية عام 1917، بالإضافة إلى الثورة الإيرلندية عام 1921. هذا الصراع المستمر على حق الحياة في الأرض والمشاركة في مواردها يتجسد في صراع بيتر (وأسرته) مع ممارسات السيد ماكجريجور الذي لا يكتفي بالبوابات والأسوار لإحكام السيطرة على أرض استحوذ عليها بطريقة ما وحوّلها إلى بستانه الخاص، بل يستخدم الأفخاخ وأدوات الحراثة والحذاء المدبب (والفزّاعة) وغيرها لترهيب من هم أقل منه قوة ومنعهم من الوصول إلى شيءٍ من خيرات البستان.

حاول ماكجريجور أكثر من مرة أن يكرر ما فعله بوالد بيتر الذي قتله وقدمه لزوجته التي صنعت منه فطيرة تناولاها على العشاء، ولكن بيتر كان نشيطاً ويقظاً إلى درجة منعت الرجل العجوز من الإمساك به. إن شخصية بيتر المشاكسة تجسيد لسلوك المقاوم الذي يزعج الطغاة. ولكن كما تلفت انتباهنا الروائية الأمريكية ميلدريد ديلوا تايلور  (1976) في روايتها "Roll of Thunder" عن أهمية تحاور الآباء مع الأطفال بشأن مقاومة الظلم الاجتماعي والصراعات الطبقية بالأدوات السلمية المتاحة، فإنها تذكرنا أنّ المقاومة لا يجب اختزالها بالصراع المادي مع الإقطاعيين، وإنمّا هناك مقاومة الفكر والهيمنة الثقافية حيث يبدأ الطفل من معرفة كرامته وقيمته الاجتماعية وأهمية عدم السماح لكائنٍ من كان بأن يمس كرامته ويحط من قدره، وحتى لو أراد أن يسامح من يضطهده فإنه يجب أن لا ينسى الاضطهاد. ولا ننسى أهمية الشعور بالآخرين —المشاركة الوجدانية، فكما يوضح أستاذ أدب الطفل التونسي ماهر بن موسى (2016) أن خُلق "التعاطف" يحفّز نمو الطفل العاطفي والفكري. هذا ما يمكننا أن نركز عليه في صناعة ودراسة أدب الطفل البدون —ما يُقال ويُكتب للطفل البدون وعن الطفل البدون وبواسطة الطفل البدون.

إن أخطر ما يمكن أن يهدد وجود الإنسانية وسلامة الكون الذي نعيش فيه هو أن تُدمّر الطفولة، ليس بإقحام الطفل في صعوبات الحياة، فالصعوبات تصنع الإنسان، وإنما بتغييبه عن واقعه وواقع الآخرين، وتفريغه من محتواه وقيمه الاجتماعية، وإحباطه إلى درجة اليأس من أهمية وجدوى التعلّم والعمل. هذا الخطر لا يهدد (أطفال) مجتمع البدون فقط وإنما الجميع. يجب ألا نغيّب أطفالنا عن واقعهم وواقع الآخرين، ليس فقط لأننا في مواجهة مباشرة مع الظلم، ولكن لكي لا نصنع بأيدينا جيلاً لا يبالي بما يمر به، ناهيك عمّا يمر به غيره.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد