dark_mode
  • الأحد ٠٤ / ديسمبر / ٢٠٢٢
قانون السعدون وقضية

قانون السعدون وقضية "البدون" - د. فهد راشد المطيري


قدّم السيد أحمد السعدون، رئيس مجلس الأمة، اقتراحًا بقانون بشأن وضع حل شامل ونهائي لجميع طلبات الحصول على الجنسية الكويتية، ومن الواضح لكل من قرأ المذكرة التوضيحية أن "البدون" أو "عديمي الجنسية" هم المخاطبون ضمنًا بهذا الاقتراح بقانون، كما أن من اللّافت للنظر عدم إشارته على الإطلاق إلى "الجهاز المركزي" أو إلى مسمى "مقيمين بصورة غير قانونية"، وهو أمر يأتي منسجمًا مع قناعة السيد السعدون التي عبّر عنها في أكثر من مناسبة، وتتمثّل في رفضه الواضح والقاطع لسياسة الجهاز المركزي في التعامل مع هذه القضية ومعارضته المعلنة للاقتراح الذي كان مصيره الفشل الذريع والمعروف بـ "قانون مرزوق".

 

لكن إذا كانت المذكرة التوضيحية قد أشارت صراحة إلى "البدون"، ما السبب في عدم الإشارة إليهم صراحة ضمن مواد الاقتراح؟ يبدو أن السبب يكمن في عدم الرغبة إلى الإشارة على الإطلاق إلى "الجهاز المركزي"، وأي إشارة إلى "البدون" تستدعي بالضرورة الإشارة إلى هذا الجهاز، والنتيجة هي هذه التخريجة الغريبة في محاولة الاقتراح مخاطبة مَن لا يستطيع تسميتهم! لكن ما الدّاعي وراء تحاشي الإتيان على ذكر "الجهاز" في قضية كهذه؟ سبق أن ذكرنا موقف السيد السعدون الرافض لسياسة هذا الجهاز، لكن يبدو أنّ في هذا التحاشي مؤشرًا على احتضار "الجهاز" رغم كل المحاولات المستميتة في الآونة الأخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، حتى لو كانت قطرة من ماء وجه بارد! هناك أيضا مؤشر آخر، وهو أن الصراع حول هذا الملف وصل إلى مرحلة الحسم بين نزعتين متناقضتين: نزعة عقلانية-عمليّة تبحث عن حل ضمن حدود الممكن، ونزعة عاطفية-استقطابية تبحث عن المستحيل عند قُطبيْ القضية.

 

نظرا إلى أنه اقتراح بقانون، فإنّ ما تقدّم به السيد السعدون سيكون موضوعا للنقاش العام داخل أروقة المجلس وخارجها، ومن المفيد لإثراء هذا النقاش ملاحظة الحقائق التالية حول مجموعة من الفوارق الهامة بين "قانون السعدون" و"قانون مرزوق": أولا، لسنا أمام اقتراح يدّعي حسم القضية من خلال حل "شامل وعادل ورحيم"، بل نحن أمام خطوة عمليّة نحو "وضع حل شامل ونهائي"؛ ثانيا، لسنا أمام اقتراح يمنح "الجهاز المركزي" المرجعية الكاملة بشأن التعامل مع هذا الملف، بل نحن أمام اقتراح لا يعترف ضمنًا بوجود هذا الجهاز؛ ثالثا، لسنا أمام مقايضة "البدون" بالخضوع إلى القانون المقترح نظير أبسط حقوقهم الآدمية، بل نحن أمام اقتراح يعترف بواجب تأدية هذه الحقوق للمخاطبين بهذا القانون من دون قيد أو شرط؛ رابعا، لسنا أمام اقتراح يُرغم "البدون" على تقديم دليل إدانة ضدّ أنفسهم، بل نحن أمام اقتراح يطلب من كل مَن يدّعي دليلا ضدهم أن يقدّمه؛ خامسا؛ لسنا أمام اقتراح يتعدّى في صلاحياته على الحق السيادي للدول الأخرى في تقرير هوية المنتمين إليها، بل نحن أمام اقتراح يصون البلد من خطورة انتهاك مثل هذا الحق؛ أخيرا، لسنا أمام اقتراح قدّمه رئيس مجلس الأمة في "ديوانية" أمام ناخبيه ونال استحسانهم، بل نحن أمام اقتراح قدّمه رئيس مجلس الأمة من خلال القنوات الرسمية ثم تعرّض ولا يزال إلى هجوم يقوده أولئك الذين استحسنوا ودعموا اقتراح الرئيس السابق.

 

لا يقدّم السيد السعدون حلّا شاملا ونهائيا لقضية "البدون"، بل يقترح خطوة هامة على الطريق الصحيح؛ خطوة نحو إعادة الحقوق إلى أصحابها، وإنهاء كارثة إنسانية دامت عقودا وعانت منها أجيال، وأهمّ من ذلك كله، إنهاء أكبر عمليّة ابتزاز مؤسسي منظّم وأطولها على الإطلاق! لا يملك السيد السعدون، حتى مع افتراض وقوف كل النواب المنتخبين إلى جانبه، أن يقرّر موضوع منح الجنسية، فحتى المجتمع الدولي نفسه لا يملك القدرة على تقرير الحق السيادي لأي دولة في تقرير هوية المنتمين إليها، لكن السيد السعدون وأنصاره من النواب يملكون القدرة على وضع مسألة الجنسية في إطارها السيادي السليم؛ تحت مظلّة الدستور وفي إطار القانون وأمام رقابة القضاء، والاقتراح المقدّم خطوة طال انتظارها على هذا الطريق. 

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد