dark_mode
  • السبت ١٩ / يونيو / ٢٠٢١
كوابيسي وحلم أطفالي! - تحرير الفضلي

كوابيسي وحلم أطفالي! - تحرير الفضلي

في ختام حفل القسم للحصول على الجنسية، كان السلام الوطني هو الجزء الأخير من فقرات ذلك اليوم المميز جدًا،  إلا أن عبارة: "يا مهد آبائنا الأولي" كانت في بالي أثناء ترديدي لنشيد وطني الجديد! لا أعلم إن كان هذا الأمر بمثابة الحنث بما تفوّهت به - قبل لحظات - لإظهار ولائي لأستراليا!

 

اسمي تحرير- لم يعلم والداي أنه سيشبهني بعد حين-. قالوا لي أنني ولدت في مستشفى الجهراء في مارس 1991؛ لذا لم يكن مستغربًا ألّا أكون الوحيدة صاحبة هذا الاسم في مدرستي الابتدائية بعد أن اشتهر مواليد تلك السنة به. أعيش منذ ١٦ عامًا في سيدني، وبكل هذه الغربة لم أفقد الكويت فحسب، بل فقدت أيضًا القدرة على التعبير عن نفسي بلغتي الأم، العربية، لذا جاهدت كثيرًا الآن كي لا أكتب بلغة مكتسبة بعد أن اتسعت دائرة مكتسباتي لتشمل أشياء لا تتوافر لأبناء جلدتي في الكويت، أهمها أن تكتسب وطنًا، هذا الشعور الذي يشبه الانتصار على القدر بعد أن قضيت عمري ما بين (بدون) في الكويت و(لاجئة) في أستراليا.

 

في لياليَّ الأولى هنا، كنت أنتظر كل صباح النهوض للمرة الثانية من منامي، ذلك أن مجرد فكرة أن يصبح وطنك وبقية عائلتك وأصدقائك ذكريات، لا أكثر، تدفع بك إلى حافة الجنون! صحيحٌ أن هذا الأمر بدأ بالزوال تدريجيًا بعد سنوات من تواجدي هنا، إلا أنني ما زلت أستفيق كل صباح على السؤال ذاته: هل كانت سنوات حياتي في الكويت حلمًا أم كابوسًا؟

 

حرصت في أستراليا على المشاركة في الانتخابات، كان صوتي - في كل مرة - يذهب إلى حزب العمال اليساري، كنت بهذا الأمر أحاول المساهمة في صنع مستقبل أفضل لأبنائي بعد أن أصبحت أمًا للمرة الأولى في سنتي الاخيرة من دراستي الجامعية، وجاء ابني الثاني بعد حصولي على وظيفة معلمة في إحدى المدارس، وقد قالوا لي عنه في كلتا المرتين إن ابن المهاجرين هذا له الحق في أن يصبح رئيسًا للوزراء. لم أفرح بهذا الخبر، فقد جاء في بالي أيضًا أن ابن البدون في وطني – الكويت - لا يحق له الحصول حتى على شهادة ميلاد!

 

ما زالت ساعتي تشير إلى توقيت الكويت. نجتمع في الثالثة بعد الظهر لنحتفل بعيد الفطر، ويسألني طفلاي: لماذا يتأخر عيدنا عن مجتمع الجالية المسلمة؟ فأجيبهم بأن صلاة العيد انتهت للتو في الجهراء. يكون طفلاي أكثر بهجة عندما أرسم على وجنتيهما ألوان علم الكويت في ٢٥ فبراير، فببراءة طفولتهما أشعر بأنهما يحبان الكويت بقدر حبي لها. أحسست بهذا بعد أن أخبرتهما أن بإمكاننا تناول وجبات ماكدونالدز حين نسافر إلى هناك بعد أن حُرما منها هنا في أستراليا لأسباب دينية.

 

بعد سنوات عديدة من التردد، أخذني الحنين إلى رحلة طويلة نحو مسقط رأسي، يجلس طفلاي في المقعدين القريبين من النافذة، ويرسم أحدهما العلامة التجارية لماكدونالدز، مُعلنًا بذلك - قبل قبطان الطائرة - عن موعد وصولنا. أخذت دقات قلبي تتسارع، سحقًا لهذه الطائرة كم هي بطيئة، لو تركوني أركض لوصلت قبلها إلى وجهتنا. تهبط تدريجيًا، أشعر بلطف هواء الكويت وهو يصطدم بهيكلها، أفتح حزام الأمان، ألصق وجهي في النافذة، بدأت المنازل تتضح لي شيئا فشيئًا، أبتسم كأنني أنا الطفلة لا هما، ألوح بيدي للسيارات في الشارع، يفعل الصغيران الأمر ذاته أيضًا بعد أن تزاحمت وجوهنا جميعًا على النافذة.


لا شيء تغير هنا، مازالت شوارع تيماء ممزقة، سمعت أبنائي يسميانها "الأكواخ"، مازال أقرباؤنا يمسكون بأوراقهم القديمة وهم يشحذون وطنًا! صديقاتي تزوجن أيضًا، لكن لا عيد يحتفلن به بتوقيت الكويت.. أو حتى بتوقيت أستراليا! مررت على منزلنا القديم فشكى لي قاطنوه معاناتهم الموسمية الدائمة من تسرب مياه الأمطار إلى "أكواخهم"!
لا شيء تغير هنا، لكن في الوجبة الأخيرة التي تناولناها في المطار حين مغادرتنا، سألت طفلاي: هل نحن في حلم أم كابوس؟

أجاباني بأننا في حلم.. ربما لم يفهما معنى كابوس حتى الآن.



تحرير الفضلي

 

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
عرض المزيد