dark_mode
  • السبت ١٩ / يونيو / ٢٠٢١
حبال القلب - راشد خلف

حبال القلب - راشد خلف


‏يدخل سعد حجرة والدته. يتأمل وجهها الذي أنهكه الزمن. يتمنى لو يستطيع أن يقبلها على جبينها أو أن يرمي بنفسه في حضنها؛ لكنه منشغلٌ بأمر آخر ولا يريد أن يتأخر عنه. يفتح الخزانة ويأخذ منها حبلًا يضعه تحت معطفه ويخرج من باب الشقة قاصدًا الحديقة المجاورة.
‏يصل إلى الحديقة، يخرج الحبل، يُعلّقه.. وقبل أن يتدلى من الشجرة يمر أمامه شريط حياته بسرعة فائقة. كان مركّزًا نظره على أمور بعينها: موت والده، وتخرجه من الثانوية، وحرمانه من دخول الجامعة، والمرات التي أُجبر فيها على ترك وظيفته، وأخيرًا عجزه عن مساعدة والدته في دفع إيجار المنزل.
‏ كانت حياته سلاسل من حرمان، تعددت فيها الغصات، وملأتها الندوب، بيدَ أن الغصة التي تسبب بها الوطن كانت مؤلمة جدًا، أكثر إيلامًا من أن يتحملها جسده النحيل.
‏ما معنى أن يكون- وحدَه- المختلف عن أقرانه؟ ما معنى أن يتشارك معهم المحيط نفسه، وأن يحتفل معهم بالمناسبات الوطنية نفسها، وأن يردد معهم كل صباح النشيد الوطني نفسه، وأن يحيّي معهم العلم نفسه، ولكن تضعه أوراقه في خانة مغايرة لهم ويحرمه هذا الوطن الذي لا يعرف غيره أبسط حقوقه؟
‏أثناء مسيره من البيت إلى الحديقة، تزوّد سعد بأحزانه كي لا يتراجع عن قراره، وتجنّب النظر إلى وجه والدته حتى في الخيال! ذلك أن عينيها فقط كانتا قادرتين على ثنيه عن قرارٍ مصيري كهذا.
‏"أأقوياء نحن عندما نختار الموت طواعية؟ أم جبناء لأننا لا نقوى على المواجهة؟"، لا يهتم سعد بالإجابة عن هذا السؤال، لكنه متيقن أن هنالك مَن حرمه من فرصة الحصول على حياة كريمة، فقرّر أن يتركها لهم. يريد سعد النجاة من هذا المكان الذي لم يعد قادرًا على البقاء فيه، ويزعجه أن يكون عبئًا على أحد.
‏يتذكر سعد الحادثة التي دفعته لشراء هذا الحبل قبل عشرين سنة تقريبًا، حيث دخل وقتها البيت راكضًا نحو والدته مرددًا: "أين حبال قلبك يا أمي؟"
‏يومها، ابتسمت أم سعد لسؤاله الغريب واحتضنته قائلة: "لماذا يا عزيزي؟ ومن أخبرك أن للقلوب حبالًا؟" فأجابها سعد متلهفًا: "لقد سمعت المدرس يدعو الله للعائلة التي توفي ولدهم، قائلًا: "اللهم اربط على قلوبهم"، وعندما سألته عن معنى ذلك، قال لي أنه يطلب من الله أن يساعدهم ويبعد الحزن عنهم". حينها ضمّته أمه إلى صدرها أكثر وقد اغرورقت عيناها بالدموع، بينما أضاف: "أعلم يا أماه أنك حزينة منذ أن فقدنا أبي، وجئت كي أربط على قلبك،" فردّت الأم: "عليك يا عزيزي أن تتعلم أولًا كيف تربط حذاءك"، قالت ذلك مبتسمة وقد احمرّت وجنتا سعد من الخجل وهو ينظر إلى خيط حذائه المُنحل.
ظل سعد يفكر في هذا الأمر، مصممًا أن يربط على قلب أمه كي يبعد عنها الحزن، فوفّر مصروفه اليومي وذهب إلى السوق ليشتري حبلًا. "الآن أستطيع أن أربط على قلب أمي"، رددها بينه وبين نفسه والسعادة تغمره.
‏ظل هذا الحبل أجمل هدية تلقتها الأم في حياتها، وكانت كلما ألمّت بها المشاكل تحتضن الحبل وتبكي، ثم تبتسم لما يحمله قلب صغيرها من حنان.
‏في اللحظة التي تدلى فيها سعد من الشجرة، هبت الأم من نومها مذعورة باتجاه الخزانة، وعندما لم تجد الحبل، خرّت صارخة: "كيف أربط على قلبي الآن؟!"

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
عرض المزيد