dark_mode
  • الإثنين ٢٩ / نوفمبر / ٢٠٢١
أبو دحام – قصة جهاد محمد

أبو دحام – قصة جهاد محمد

تسميني جدتي "بخت". صرت تعويذتها مذ أن أوثقت خيط نذرها الأول حول مقعدي المتحرك، يومها، نجح أخي في الثانوية فأغفلوا تعب مذاكرته ونسبوا الفضل لإعاقتي! تعددت نذور أهلي وألوان خيوطهم، لكنني عندما اشتهيت ذات مرة أن أكون مجرد فتاة لا تميمة حظهم، نزعتُها كلها إلا ذاك ذا اللون الأسود، كانت به سبع عقد... بعدد سنين عمري تمامًا عندما عرفته!


ثمة قطيعة بيني وبين الوطن، كما إنني لا أعرف شيئًا عن نفسي سوى ذراع أمي التي تقيس به طولي، فعندما بلغت ثلاثًا منه؛ ألبستني الحجاب. حدث ذلك لأول مرة في موعد فحص اللجنة الطبية، ورغم كرهي الشديد لخدش الأطباء حرمة شلل أطرافي الثلاثة إلا أن الحافظات التي يصرفونها كانت لترفع أسرتي شيئًا فوق خط الفقر إذ ما هم استغنوا عن نقود شرائها. ترمي إعاقتي بثقل جسدي كله على زجاج نافذة المقعد الخلفي لسيارة أبي، وتجلس أمي بجانبي كي لا أسقط عند أي استدارة، وكلما كان الشارع مستقيمًا أكثر خُيل للفضوليين الذين ينظرون عبر النافذة أنني على ما يرام.

اعتاد أبي أن يسلك طريقًا لا يمر بجارنا الثاني من جهة اليمين، فمذ أن سمعتهم يقولون ذات طفولة أن ذلك الرجل الذي يسكن الرصيف "أبو دحام" يأكل لحم البشر، صارت كل كوابيسي تبدأ بانفراده بي وتنتهي بالتهامي! كبر كل من في المنزل وكبر معهم رعبي منه.

بنفس اتكائه ذاك، كان "أبو دحام" يتقلب من تحت رداء الفرو يمينًا وشمالًا، لم يمل الرجل رتابة الحياة التي تحيط به! يقال أن مشفى الأمراض النفسية رفض استقباله لسلامة قواه العقلية، ويقال أيضًا أن دار الرعاية الاجتماعية رفضوه لكونه "بدون"، ورغم علاقة الرعب التي تربطني به إلا أنني حفظت لـ "أبو دحام" جميل البقاء في منزلنا للأبد.

لا يُعرف لذلك الرجل أهلٌ؛ لكنه كان يملك قرابة "غفران" مع كل القاطنين في الشارع، يحجون له بالطعام ككعبة لا تحتاج إلى تأشيرة لزيارتها، كما تبرع أحدهم بمبردة مياه وُضعت جانبه، ورأيته عندما كانت أمي تدفع بمقعدي المتحرك تحت أشعة الشمس يسقي بمائها قطط الشارع. وحينما سقط المطر علينا بغزارة، غرقت "الصليبية" كلها ووحده شارعنا نجا من طوفان إهمال بعض المسؤولين لمنطقتنا. تذكرت "أبو دحام"  وأنا أستمع إلى القصص التي يرويها شقيقي عن المطر... كأنني لم أكن "بخت" وإن قالت جدتي ذلك، كأنه كان هو "البخت" وإن لم يقل أحدٌ له هذا!

بيد واحدة فقط، كنت أصفق الهواء دون صوت بفرحة وأنا أشاهد أمي تغسل السرير الطبي الذي تصدق به أحدهم لي، ورغم كل ذلك الماء المهدر كنت أشعر بروح من استلقى عليه قبلي تتمازج بجلدي كلما استلقيت عليه؛ لكنني آثرت ألا يستجدي أبي لي سريرًا آخر على كل تلك "القشعريرة" التي تصيبني يوميًا، فما عطوب جسد البدون المعاق سوى قطرات حياء أهله، كأن كل أصحائهم ليسوا سوى معطوبي الحلم والحرمان، ولربما تفوق  "أبو دحام" علينا بهذا الأمر طالما أن أحدًا لا يملك القدرة على حرمانه من رصيف نومه.

عندما كانت تغطي أمي صدري بصفحات الجرائد كي لا يسقط الطعام على ملابسي، قرأت فيما تيسر لي إعلانًا لمعرض إبداعي لذوي الاحتياجات الخاصة، وبيد واحدة وبتجارب متواضعة سابقة كان الرسم هو كل ما أملك، فاحتفظت بصفحة الجريدة تلك، وبعد عدة محاولات فاشلة قررت أخيرًا أن أرسم "أبو دحام"، ذلك الذي انتكست حالته الصحية مؤخرًا.

أفتح الباب على آخره، فيتيح من زاويته فرصة النظر إليه بدقة كبيرة من دون أن ينتبه، فما زلت أخافه حتى الآن. رأيت إحدى القطط تأكل شيئًا من تحت فراشه على الرصيف، فمد ذراعه يتحسسها، ولم ينفر الاثنان من بعضهما البعض، كأنهما يعيشان أحد أسرار الأرواح الكونية، تلك التي لا تعرف سوى الود لغة لها، فشدني ذلك المشهد لرسمه، وقررت فيما بعد أن تكون خطوط خريطة الوطن هي تجاعيد وجهه قبل أن أطلق عليها اسمه.

أضع رتوشي الأخيرة على اللوحة. بقي يومان على المعرض، ومر أسبوع على وفاة "أبو دحام". كم كان جميلًا أن أخلد ذكراه فيها بعد الفراغ الذي أحدثه رحيله، وحينما حان الموعد، استدار أبي إلى جهة اليمين لأول مرة، وجلست أمي بجانبي كي لا أسقط إثر استدارته، هيأ ارتماء ثقل إعاقتي على النافذة للعابرين أنني على ما يرام، وهُيأ إلي أنه سيعود بعد أن رأيت القطط يتمددن على رصيفه.
في طريق عودتنا، حاول والدي مواساتي على رفض المعرض لمشاركتي، حيث قالوا إن شرط بطاقة الإعاقة لا يمكن استثناؤه للبدون المعاقين، حتى أن أحدًا من القائمين على المعرض لم يكلف نفسه عناء مشاهدة اللوحة! بغضبه، استدار أبي بقوة إلى اليسار.. سقط البرواز الكبير الذي كان بجانبه إلى الأسفل، ومال جسدي بقوة إلى النافذة، وعندما استقام طريق شارعنا كان أحدهم يستلقي على الرصيف ذاته... ضحك ثلاثتنا.

لم يكن "أبو دحام" آكلًا للحم البشر، بل كان الوطن!

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد