dark_mode
  • الأربعاء ٢٢ / سبتمبر / ٢٠٢١

" بادي.." - عبد الله فيصل

                    " ١ "

الثاني من أغسطس من العام ١٩٩٠، الخامسة فجراً: كانت ساعة السيارة تُشير إلى ذلك.

" بادي " في طريقهِ إلى المعسكر ليبدأ يومه بالعمل، ذلك الرجل الذي تجتمع بهِ كل المتناقضات، حياته تبدأ عند الجديّة وستنتهي قبل أن تفقد هذا الطابع، يُطبّق الأوامر العسكرية حتى على أبنائه، نصّبه الإله أطول فردٍ بالعائلة، المسافة بين كتفيه كتلك التي تفصل بين الحقيقة والسراب، وجههُ طويلٌ مستقيم كأنهُ استماتةُ عسكري يقفُ بانضباطيةٍ تامّة، لهُ أنفُ كبير قادر على أن يشمّ رائحة الموت من خلالهِ؛ إذ كان ينبّه أقرباءه بين فترةٍ وأخرى بأنّ " عزرائيل " قريبٌ من هُنا. عيناه ضيّقتان لكنّهما تتّسعان بمفعولٍ سحريّ حين ينظرُ إلى أحدهم بتلك النظرة الحادة، ملمس يديه أخشن من جلد التمساح، يضاهي خشونة صوته الأجش.

على كُلٍّ... لم يتّفق كُلّ من أراد أن يصف هذا الإنسان إلاّ على كلمة واحدة.. " رَجُل ".


                                  " ٢ "

بحذرٍ شديد لم تتقدم عقارب الساعة سوى خطوتين إلى الأمام، وكأنّها تخشى ما سيحصل في الدقائق القادمة. انطلق بادي في سفرهِ اليومي، ذلك العسكري الأسمر الذي أكمل منذُ ثلاثة أشهر عامه الخامس والخمسين، هنالك تساؤلان يؤرقان ذهنه؛ تساؤلان لا ينفك من ترديدهما في قرارة نفسهِ صباح كل يوم: من ذا الأحمق الذي قال "لكلّ امرئٍ من اسمه نصيب"؟

" أنا بادي.. وحياتي عبارة عن سلسلة نهاياتٍ لا تنتهي ".

التساؤل الآخر عادةً ما يكون أشّد وطأةً على نفسهِ..

" نحنُ دائماً ما كُنّا نقف في خط الدفاع؛ لماذا حارس مرمانا يواصل طعناته لنا بالظهر؟ "

هنالك جانبٌ مُرهف الإحساس في حياة بادي. الموسيقا... الموسيقا هي نقطة الضعف التي لا يقوى على إخفائها، ومن ناحيةٍ أُخرى هي نقطة القوة والمناعة التي تحارب نوائب الدهر ومآثرها على قلبه، كي تصلح ما يمكن إصلاحه بعد الخراب. لو سألته من هي الموسيقا؟ سيجيبك بكل بساطة: الموسيقا عميل مزدوج.

أوبريت " الحلم العربي " الذي أُنتج في عام" ١٩٩٨ " يرافقهُ وهو في طريقه إلى مُعسكر يقبع في مُنتصف الصحراء، وكأنّ بادي عبث في الزمن؟

كيف لهُ أن يستمع إلى أوبريت أُنتج أواخر التسعينيات بينما نحنُ في أولها!

انتهى الحلم العربي؛ أو بالأحرى انتهى الأوبريت... أو كلاهما معاً، وصل بادي إلى المعسكر بعد رحلة عبر الزمن.. هُنالك أشياء غريبة لا يستوعبها العقل البشري.

ترجّل بادي من آلة السفر عبر الزمن، سيارته، أغلق الباب بقوة مفرطة بمقدورها أن تسدّ الثقب الأسود، مضى إلى مكتب الضُبّاط بخطى ثابتة وكأنّه في عرضٍ عسكري، وكعادتهِ ولج المكان دون أن يلقي التحية على زملائهِ، ذاهباً إلى الرزنامة الُمعلقة على الحائط المثقوب بالرصاص بفعلِ جُنديّ أحول أخطأ الهدف بالتدريبات. مزّق تاريخ الأمس بيدهِ. بدأ يومٌ جديد.. " ٢٠ / ٩ / ٢٠١٨ "

في الزمن لم يعبث بادي.. الزمن هو الذي عبثَ بهِ.


                                  " ٣ "

بالأمس اختار التاريخ الذي أبَعدَ حبيبته عنه قبل ثلاثين عاماً. حينها كان يستمع في سفرهِ اليومي إلى قصيدة لمظفّر النوّاب:

" سوف نبكي غداً

حينما نلتقي

تمسحين تُراب ثلاثين عاماً من الطُرقات."

على أملٍ بأن تتحقق هذه النبوءة، لكنّه وصل إلى المعسكر قبل أن يلتقي بها.

الأسبوع الماضي، قبل أن يختار التاريخ الذي يودّ أن يستلّه من غمد الذاكرة، نظر إلى نفسه في المرآة مبتسماً.

ولم تنقضِ على الابتسامة إلاّ رفّة عين.. إذ به يصرُخ:

ألاّ تودّ أن تكفّ عن خوض هذه اللعبة التي ترقص على جراحك؟ ألا يكفيك الحاضر الدّامي والمستقبل الحالِك كي تختار أن تعيش الماضي الذي يقصم ظهر البعير من زحمة المآسي التي يحملها؟

ما هي إلاّ لحظات وحطّت يداه على زر تعديل الوقت والتاريخ.. ٤/٩/١٩٩٦

اليوم الأخير لرفيق طفولتهِ.. "علي"

قبل أن يُحرر نفسه من " قيود السلطة"، فارداً يديه أجنحةً تأخذه بعيداً عن هذه الصحراء، منقذاً ما تبقى من العمر، مفرّغاً كل الذكريات من رأسه، مطهراً روحه من ذنب البقاء "هُنا".

حلّقَ بعيداً كي لا يبقى عالقاً في الماضي، كي لا تجرّه يد الطغاة إلى الهاوية ويبقى بلا هوية.

حاول بادي أن يقنعهُ بأن يعْدل عن هذا القرار... لكنّه وصل إلى المعسكر دون أية نتيجة.

كل سفره عبر الزمن ومحاولاته لتغيير الماضي.. يُفشلها وصوله إلى المُعسكر وبقاؤه "هُنا".

"هُنا" الماضي يتنكّر بزيّ الحاضر والمستقبل.


                                  " ٤ "

من ذاق مرارة الأيام وقسوتها طيلة حياته وحده الذي سيكون على يقينٍ تام بأنّ " بادي " بريء والزمن هو المجرم. وحده من سيتفهّم لماذا بادي في كُلِّ صباح حين يركب سيارته فإن أول ما يفعله هو العبث بالزمن. هو العودة إلى الوراء.

حتى في أوهامهِ وأحلامهِ كان يعود إلى الخلف، لم يُفكّر ولو ليومٍ واحد بأن يتبصّر بما يخبئ له القدر.

أتُرى بادي هو مَن علق بالماضي أم أن الماضي عالقٌ بهِ؟

أم كلاهما عالق "هُنا".

اليوم ذكرى، غداً ذكرى، بعد سنة ذكرى، وكُلّ يوم في الصباح رحلة وذكرى. بادي الرجلٌ البدوي الحَنِق.. أصبح في هذا الصباح ذكرى.

هذه الحيلة التي تعذّب الروح وتصبّرها في آنٍ واحد، كانت "السبب" في أن تضع حدّاً لكل هذا.

"هُنا" لكل هذه المآسي سببٌ واحد.. البقاء هُنا.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد