dark_mode
  • الخميس ٢٠ / يناير / ٢٠٢٢
شعب مؤقت ووطن جيني!  - جهاد محمد

شعب مؤقت ووطن جيني! - جهاد محمد

كاريكاتير عبد الوهاب العوضي


عندما تأهّل منتخب الكويت إلى كأس العالم في العام١٩٨٢، خضّبت جدتي كفّيها بالحنّاء فرحًا. رأيُتها تقوم بذلك أيضًا بعدما عادت من أداء فريضة الحج، لربما أيقنتْ هذه المرة أنها تأهّلت إلى الجنة. كما اعتادت على فعل الأمر ذاته في كل حفلات زواج بناتها، وتقول إنها نذرت ذلك- أول مرة- بعد أن شاهدهم أحد أقربائنا يبيعون موادًا غذائية في مدينة شرق، فلا أحد من "البدو" سيُقدم على الزواج من بنات "البقّال". ماتت جدتي بعد حجّتها بسنواتٍ قليلة، ولا أعلم إن كانت قد ذهبت إلى الجنة أم لا، لكنّ أمي ما زالت تعيش في جحيمِ انتظار أن تخضّبَ يديها بالحناء، فلا أحد سيُقدم على الزواجِ من بنات "قرائن" الجهاز المركزي!

بعد نشر تقرير السفارة الأمريكية الذي أشار إلى أن الكويت دولة مؤقتة، تحوّلت حدة الغضب الشعبي عند قراءته للمرة الأولى إلى سخرية في السنوات اللاحقة، رغم إيمانهم التام بشيء من صحته بالنسبة إلى الأحداث الجارية.

لطالما تعاطت الحكومات الكويتية مع "البدون" كشعب مؤقت، وليس بجديدٍ ما ذكره رئيس مجلس الأمة السابق أحمد السعدون مؤخرًا عن إضافتهم بخانة المواطنين في إحصائياتها الرسمية. بحكم العمر، يحمل الفرد "البدون" تاريخ صلاحية استهلاك مؤسسي في الدولة، كأنهم شعب دولة الفاتيكان: مواطنون بموجب وظائفهم، دون أن تحمل لهم الدولة أو المجتمع أيّا من قيم الوفاء لمّا كانوا بالأساس أحد فروع محركي عصب هذا الوطن.

إن التعاطي مع "البدون" كمدنّسين للهوية الوطنية يتوجب وأدهم عبر قوانين تجبرهم على استخراج أوراق انتماء لدول أخرى ما هو إلا استخفاف آخر بقيمة الإنسان في دولة ادّعى مسؤولوها مرارًا الانفتاح نحو القضايا الإنسانية العالمية، بل هو تأكيد آخر على تعاطي هذه النوعية من المسؤولين مع مفهوم المواطنة كثمن وليس كقيمة، يُنتقى على إثرها بعض عشرات من ذوي الحضور الإعلامي لتكريمهم بجائزة "الجنسية"، في حين يُجبَر الآلاف من الرعيل الأول لموظفي الدولة- من القطاع النفطي والمحاربين القدماء، وغيرهم- على اللوذ من هذا الحرمان بأوراق أكل عليها الجهاز المركزي بادّعاءات وقرائن وهمية وشرب.

قد لا يفهم البعض أن أحد أهم أسباب تقرير السفارة الأمريكية ذاك يأتي عبر مساعي البعض في تحويل الكويت من وطن إلى "دولة جينية"، فمصطلحات مثل: المزورون، أو المزدوجون، أو "البدون" القادمون بعد الغزو، والتي يروج لها أشخاص نوعيون كرئيس مجلس الأمة، معززًا إياها بأرقام خيالية وأمثلة كرتونية، تمثل شرخًا مجتمعيًا صارخًا، لا يبلغ أثرُه أبناء الوطن الواحد فحسب، بل يصل ارتداده لنزعة تمييزية بغيضة تجاه المقيمين هنا من جنسيات عربية وغيرها. أما "بدون ما قبل الغزو" فنحن نصدّر الأطباء منهم إلى الولايات المتحدة ونستورد منها "الاسبرسو"!

للبدون تأريخان؛ ينتهي أولهما عند أول جنسية يتم إلصاقها على صدر البطاقة الأمنية، أما الآخر فهو قائم إلى أنْ يصدر قرار إنهاء خدماتك من الوظيفة الحكومية. ستحظى، بموجب قدرتهم على استهلاكك، على حق التكدس وعائلتك في بيت منخفض التكاليف، وسيتحمل راتبك فروقات الشريحة المدرسية وأكياس المواد التموينية، وستكون رب أسرتك ما دام عمرك لم يصل الستين. بعدها سيتم عرضك في البازار الخلفي لسوق الاتجار بالبشر، وحيث أنك لا تساوي شيئًا في وطنك، ستدفع حكومتك "ثمن" الخلاص منك إلى بلدان أكثر فقرًأ- مما تتصور- بمعرفة "القيمة".

بصفتك فرد ينظر لك على أنك مؤقت، عليك أن تغض البصر عن المنطقة منزوعة الأحلام في مستقبل تائه، وأن تسير بمحاذاة حدائق عامة كانت مراجيحها قبل قليل مقاصل جاهزة للاستخدام السريع، وأن تنطفئ كبدر الفضلي، أو أن تبقى واقفًا هنا على أطراف أصابعك خشية من أن يصبح أحد أفراد عائلتك "ترند"- يترحّم عليه مرتادو التواصل الاجتماعي- لا دروس تحفظها؛ فتقوم عوضًا عن هذا بحفظ وجوه أصدقائك إنْ ابتلعهم غياب الغربة أو الانتحار، أو أن تضحك على كذبة اختباء شقيق حرمانك خلف عمود جمعية تعاونية، لكنك ليس سوى ابن الاختباء المستمر من رغبات طفلك بلُعبة، أو حتى قطعة شوكولا ذات ثمن يساوي ثمن أكياس الخبز المدعوم.

يكفي أن تقول "بدون"، تنفض بذلك الغبار عن أبجدية قضايا الوطن الأخلاقية، أو إنها بمكان ما- في قرارة نفوس أولئك المتنفذين- عقوبة "الإعدام المدني" بحق كل كويتي يعلو صوته بوجه فساد ما، والتي تنقلك- بموجب قرار إداري- إلى "جحيمنا"، عندها تشتهي أن تقفز فرحًا لحظة تسجيل المنتخب الوطني هدف ما من دون أن تقوى قدماك على ذلك، أو أن تتمنى أمك أن تلوك حنائها إيذانًا بزواج شقيقتك.. ولا فرح لبدون!


جهاد محمد

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد