dark_mode
  • الإثنين ٢٩ / نوفمبر / ٢٠٢١
جذوة - أحمد السويط

جذوة - أحمد السويط

الجذوة هي الجمرة المشتعلة التي لا لهب لها، وجمعها جذوات أو جُذا، كما تشير معاجم اللغة العربية. وتتشكّل الجذوة عندما تهدأ النار، وتكون إمّا بارزة على السطح، أو مكتومة تحت الرماد. ولو تمعنّا في طبيعة ودورة حياة الجذوة، نجدها تولد من رحم النار المشتعلة، بينما تخفت كلّما كان الجو باردًا، أو كلما قلّت العوامل المساعدة الأخرى، كالوقود والأكسجين. لا أعلم أكثر من ذلك عن كيمياء الطاقة المرتبطة بالجذوة (أو النار بشكل عام)، ولكن أعتقد أن هناك الكثير مما يمكننا تعلمه منها لو تفكرنا فيها كعنصر فاعل في الطبيعة، وليس كجماد -كما دأبت المناهج الدراسية التقليدية على تلقيننا. يمكننا الاستفادة من مفهوم الجذوة في التفكير حول ظاهرتي الحراك والتغيير الاجتماعي.

كلما سنحت لي الفرصة في المملكة المتحدة أقوم بجمع الحطب، أو شراء الفحم العضوي، لأشعل موقدًا، للشواء أو تحضير الشاي، أو لمقاومة البرد القارس. ولبرودة الجو في الشتاء هنا، فإن النار لا تمكث طويلاً حتى تخفت، ما يتطلب مني نبش الرماد بحثاً عن جذوات مشتعلة تحته، وتحفيزهن بتيارات قوية من الهواء ومزيد من الحطب حتى يشتعلن ويشعلن ما حولهن مرّة أخرى. وحيث أني لا أحب استخدام الوقود الاصطناعي، فإن عملية (إعادة) إشعال الحطب تأخذ مني جهدًا أشبه بالركض مئات الأمتار.

 في العادة، تساعدني الجذوة في تقليل الجهد الذي تتطلبه عملية إشعال الحطب. لكن هذه المرة ساعدتني على التأمل. رحت أبحث عن المعاني المرتبطة بها، فوجدتها قد وردت في الآية 29 من سورة القصص في القرآن الكريم، في سياق قصة لسيدنا موسى -عليه السلام- عندما ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. وكان ذلك حين جنّ عليهم الليل وكانوا قد أضاعوا طريق وجهةٍ يقصدونها. في ذلك المشهد، لم يفوّت موسى -عليه السلام- الفرصة عندما أبصر نارًا في محيط المكان الذي كان تائهًا فيه هو وأهله، بل سعى، لعّله يجد حول النار دليلًا يرشده إلى الطريق الذي كان يقصده، أو لعلّه، على الأقل، يحصل على ما يخفف عنه وأهله شدّة الجو الذي- كما تصوره الآية- كان باردًا جدًا.

لم يدفع موسى -عليه السلام- إلى السعي رفاهية كان يعيشها، أو وفرة كان يتمتع بها؛ بل دفعه حالة الضياع والحاجة التي كان يمر بها هو وأهله، فهم لم يمتلكوا في ذلك الوقت حتى ما يلزمهم لإشعال النار. ومن الملفت في طريقة تعامل موسى -عليه السلام- مع الموقف أخذه بالأسباب الطبيعية وعدم انتظاره معجزة من السماء لكي تساعده، وكذلك واقعيته في توقع النجاح والفشل كنتائج محتملة للمحاولة، لا سيما في قوله "لعلّي". أمّا فيما يخص إشارته للجذوة، فبالإضافة إلى كونها مصدر للدفء، فإننا نستطيع أن نتصور أنه لم يكن ينوي استهلاكها فقط، بل ربما استخدمها في إشعال المزيد من الحطب للحصول على الضوء، أو توظيفها في "مآرب أخرى"، كما كان يفعل بعصاه.

رغم مكانته عند رب العالمين، واصطفائه ككليم الله -عز وجل، لم يعتمد موسى -عليه السلام- على التضرّع إلى الله سبحانه وتعالى دون عمل. بل على العكس من ذلك، فقد جسّد دور المعلّم العامل حتى أصبح جذوة فكرية وسلوكية تشعل فيمن يشاء الاستفادة منها روح السعي وبذل الأسباب مهما كانت التحدّيات. ولعل هذا ما يحتاجه أي مجتمع يعاني من الركود والبؤس لكي يتمكن من الانتقال إلى حالة الحركة والتغيير نحو الأفضل.

نحن بحاجة إلى أن نصنع من أنفسنا ومن كل شيء حولنا جذوات فاعلة ومحفّزة في عملية التغيير الاجتماعي. الصبر جميل جدًّا، ولكن ليس على الركود والبؤس، وإنما على عناء ومشقة وألم مقاومة التحدّيات من ناحية، ومحاولة التغيير من ناحية أخرى. الأنبياء رغم أنّ رسالاتهم إيميانية بالمقام الأول، لكنهم أكثر من عمل وكافح صعوبات التغيير. وقد دفعوا نتيجة ذلك أثمانًا باهظة، فنجدهم وقد تحملوا الأذى والتنكيل والتغرّب عن الأوطان، حيث انتهى صراع سيدنا نوح - عليه السلام- مع الباطل في مجتمعه بأمر رب العالمين له بالرحيل، كما يقول سبحانه وتعالى (في الآية 40 من سورة هود): ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾، وكذلك فقد هاجر أبونا إبراهيم -عليه السلام- من موطن رسالته في العراق إلى أرض المقدس في الشام بعد أن نجا من محاولة قومه حرقه بالنار، حيث يقول الله عز وجل (في الآية 71 من سورة الأنبياء): ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾، أمّا نبينا الكريم -محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- فقد هاجر من مسقط رأسه مكة المكرمة إلى المدنية المنورة، وعانى ما عانه في غربته عن وطنه. ولم تكن هجرات الأنبياء لمصالحهم الشخصية، أو خوفًا على أنفسهم، بل فعلوا ذلك من أجل إنقاذ مجتمعاتهم، وللتمكن من تأدية رسالاتهم التي تحملوا مسؤولياتها، مؤسسين بذلك مناهج السعي والكفاح التي تحتاجها المجتمعات الإنسانية.

مع اعترافي بصعوبة الواقع الذي نعيشه، إلّا أنني أخشى أن ضريبة الاستسلام والصمت أكثر كلفة من مشقات العمل. ورغم قلّة الحيلة، إلّا أنني لا أظن أن الطبيعة تبخل على من يتدبر فيها ويحسن استغلال مواردها المادية والمعنوية المتاحة. ولعّل من إنصاف التاريخ لنا أنّ حججنا ما زالت قوية على الرغم من المقومات والجهود التي سخّرها بعض مرضى النفوس لحصارنا ثقافيًا واقتصاديًا. وقد رأينا قبل أيام كيف هزّت كلمات الشاب البدون أحمد العنزي مواقع التواصل الاجتماعي، حتى بلغ عدد المشاهدات التي حصدتها أكثر من 200 ألف مشاهدة. ورغم بساطة كلماته وعفويتها، إلّا أنها كانت عميقة في معانيها، شديدة في تأثيرها، إلى درجة أشعلت الرأي العام، وسلّطت الأضواء على قضية البدون، وحفّزت أبناء القضية، كما تحفّز الجذوة ما حولها في عملية إشعال النار. 

كما تساعدني الجذوة كل مرة في إشعال النار والحصول على الدفء لمقاومة برد الشتاء، فهي تحثني على التفكير في أن كل ما في الوجود له طاقة كامنة يستطيع من خلالها أن يكون عنصرًا فاعلًا، ومحفزًا مؤثرًا في التفاعلات الطبيعية. والإنسان ليس استثناء عن عناصر الطبيعة، بل ربما هو القاعدة، لا سيما في حركات التغيير الاجتماعي. ربما ليس من المبالغة بشيء إذا قلنا إنه لا يمكن أن يكون هناك إنسان بلا طاقة كامنة لأن يكون عنصرًا فاعلًا سببًا للتغيير في محيطة. ربما ما نحتاج أن نتحلى به أكثر هو الثقة بأنفسنا، ليس على سبيل الغرور أو تضخيم الذات، بل على سبيل شحذ الهمّة والربط بين التفكير والإيمان والعمل. بالإضافة إلى ذلك، ربما علينا التفكير باستغلال الموارد المتاحة لدينا بطرقٍ أكثر فاعلية لتحقيق التغيير الذي نطمح إليه، لا أن نقضي حياتنا ننتظر حدوث التغيير عن طريق المعجزة أو بطرق مريحة ربما لن تتوفر إطلاقًا. لقد تمكّن الجنس البشري من صناعة الحضارات والنجاة حتى الآن ليس عن طريق الراحة بل عن طريق العمل. بالعمل تمكنّا من المجيء إلى هذا الوجود والبقاء فيه إلى الآن. وبالعمل المنهجي يمكننا تغيير واقعنا إلى الأفضل.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد