dark_mode
  • الإثنين ٢٥ / أكتوبر / ٢٠٢١
قراءة في مسرحية

قراءة في مسرحية " أبو علي الأسمراني" – جهاد محمد

علاقتي بالفن تشبه إلى حد ما علاقة سرحان عبد البصير مع الزمن وهو يقول:" إحساسي بالوقت معدوم، مبشيلش ساعة"، لكني وعلى الرغم من ذلك أعجبت جدًا هذه الأيام بإعادة تمثيل ذلك المشهد من مسرحية "شاهد ما شافش حاجة" بعد ٤٥ عامًا من تقديمها لأول مرة، بمحاولة سرحان عبد البصير رشوة أفراد المباحث بكيس "الخيار" الذي بحوزته لمراوغتهم عن اتهامه بجريمة قتل! وقد تكون محاولة الرشوة هذه هي ثاني أكثر رشوة مضحكة في العالم بعد الأولى طبعًا والتي تحث البدون على قبول "بيعهم" للدول الأخرى تحت باب الجنسية الاقتصادية لحل قضيتهم، وذلك مقابل الحصول على رخصة قيادة أو علاج مجاني! فكان الأجدر أن يلتفت المعنيون إلى أشياء أخرى لبيعها غير البشر، فبحسب إحصائيات منظمة الأغذية والزراعة الأممية فإن الكويت احتلت المركز ٤١ على العالم بإنتاج "الخيار"، وهنا يجب أن يأخذ البرلمان المبادرة في تقديم مقترح حل قضية تنويع مصادر الدخل القومي، وتصدير "الخيار" ومعه سرحان عبد البصير تحت حملة إعلامية عالمية بشعار: "أن تكون خيارًا بالكويت أفضل من أن تكون "بندورة" في أي دولة بالعالم!".

توارث البدون شعور سرحان عبد البصير ذاك، صحيح أن الساعة عندما تدور فإنها تأكل من أعمارهم، إلا أن انعدام الإحساس بها قلب الطاولة لصالحهم، مع تزايد الإيمان بأن ما مضى لن يكون كسابقه في ظل "عولمة" القضايا، فانتزاع الحقوق الإنسانية الأصيلة كالمواطنة وحق تقرير المصير لم تعد أزمات محدودة في محيط الدول، ولربما كانت قضية العائلات الفلسطينية الثماني والعشرين في حي الشيخ جراح، أكثر الأمثلة الملفتة على الاهتمام الدولي بالقضايا الإنسانية بالنظر إلى عدد البيانات الدولية الرسمية المؤيدة لهم، ومن هنا فإن البدون يؤمنون قبل غيرهم أن حل قضيتهم سيكون عبر سبيلين: إما تحولات جذرية في طرق التعاطي الشعبي-الحكومي-النيابي لمجموعة القضايا المهمة ومن ضمنها قضيتهم، أو عبر توجه دولي لإنهاء معاناة عديمي الجنسية عالميًا، لذلك، فإن استفاقة أحد المسؤولين من نومه وهو عاقد العزم على حلها بمشروع قانون هو أشبه بتكرار مشهد تعطل سيارة "زيون" بمنتصف الطريق في مسرحية "ميس الريم"، وحينما طالت مدة توقفها دار هذا الحوار بينها وبين المسؤول:

المسؤول: هالسيارة ليش معروضة بالطريق؟
زيون: صار لها زمان معطلة ما قلتوا شي...هلق صحيتوا!
المسؤول: كان في شي أهم، هلق خلصت المشاكل وفضينالها.
زيون: خلينا فهمك..
المسؤول: أنا ما بفهم، كيف بدك تفهميني!
قبل أن تختتم المسرحية بأغنية "هالسيارة مش عم تمشي".

وبالفن أيضا، فإن كل جملة موسيقية عذبة أتى قبلها عشرات من عُرب نشاز لم يسمعها أحد، وحده زياد الرحباني كان استثناءً لذلك، فعن عمر ١٧ عامًا فقط كتب أحد أهم المقطوعات الموسيقية في مسيرته وكانت لمسرحية "أبو علي الأسمراني" ١٩٧٤، لكنه عندما أعاد عزفها بعد ٣٤ عامًا اختار آلات جديدة لتوزيعها لم تكن متوفرة في ذلك الوقت.

وبالغالب الفني "بطبيعة حال المقال"، فإن الفرقة أهم من المايسترو، فهو لن يقدم شيئًا للحاضرين إذا ما كان يعيد طوال السهرة "التشويح" بيده لآلات موسيقية غادر عازفوها "المسرح" بقرار من الجماهير. لذلك، فإن إعادتك لتقديم ذات المقطوعة الموسيقية مرة أخرى سيصيب جميع من حولك بالضجر، كيف لا وأنت وحدك من ستكون المايسترو والعازف والآلات أيضًا، وأعلم جيدًا أنه حينما يتمزق غشاء "الطبل" الذي تضرب به فإن يدك أنت من ستتألم بينما سيضحك الجمهور الذي أصابه ضجر شرخ أسطوانتك، أولئك الذين لن يملوا من إطلاق صافرات الاستهجان على حفلتك هذه، وحتى إن صممت أذنيك عن سماعها فإن وقعها سيصل إلى مكان أبعد تمامًا من محيط مسرحك هذا.
في مكتبة "أنطوان" بشارع الحمرا ببيروت، سألت الفتاة التي تعمل هناك عن نسخة لمسرحية "أبو علي الأسمراني" لأشاهدها وأكتب قراءتي هذه عنها، وبعد فترة من الصمت مررت يدها على شعرها الأشعث قبل أن تجيبني:

" هذه مسرحية أكل عليها الدهر وشرب، حتى إن زياد رحباني قدم موسيقاها "منفردًا" رغم بقاء أغلب المشاركين فيها على قيد الحياة... الحياة الحقيقة وليست السياسية!".

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد