dark_mode
  • الأربعاء ٢٢ / سبتمبر / ٢٠٢١
مجرد أرقام – أريج

مجرد أرقام – أريج

يضج تويتر ببعض الأصوات، منها المعتاد والذي دائمًا ما يكون متضامنًا ومنها الجديد من المتعاطفين، يعلق فلان، وتعلق فلانة لبضع أيام. بينما يستمر هدوء الكثير من الذين نسمع أصواتهم في قضايا أخرى، المختلف منها والمتشابه، أو صامتين في كل حدث. يشمت العنصريون ويبرر المتخاذلون. لا تختلف ردود الفعل كثيراً بعد كل حادثة انتحار.

 ضجيج يمتد لأيام قليلة يتلوه هدوء، كأن لم يحدث شيء، كأن لم يمت طفل أو شاب من الظلم. كأن لم تفقد طفلة والدها، وأم ابنها، وزوجة شريكها، وأخ أخاه، وصمت أيضا عن الأحداث اليومية التي تؤدي إلى هذه الحالات. الأكيد أن صمت بعض المسؤولين هو الأكثر إطباقًا، ولا أتجاهل هنا تبريراتهم الوقحة في كل مرة ينتحر فيها بدون، ويبحثون في سجله الجنائي، أو يتحججون بصحته النفسية، أو يحمل البعض الأسرة المسؤولية، كما قال الكثير عن جراح عايد الطفل الذي دهسته سيارة وهو يبيع الورد، يلومون في موته والديه وكيف يرسلانه إلى الشارع، متناسين مسؤولية الحكومة التي رمت بالآلاف مثل أسرة جراح لهذا المصير. أو كما يقول آخرون، "لماذا ينجب البدون أطفالا إذا كانوا لا يستطيعون توفير احتياجاتهم الأساسية؟" وكأن الإنجاب محصور في طبقة دون أخرى. ألا يكفي أن يولد البدون من دون توثيق مجيئه إلى الحياة؟ أليس هذا كافيا؟ أليست هذه الممارسة بحد ذاتها أداة للمسح؟ ناهيكم عن عدم توثيق الزواج لتعسيره على البدون. ألا تدل هذه الممارسات على أنه يوجد ضغط غير مباشر لمنع تكاثر البدون؟ ولا ننسى بالطبع نتائج هذه الممارسات على المعيشة. صمتهم لوجود هذه الكوارث المتكررة، هي رسالة بأنهم يريدونها أن تستمر، فهم من صنعوها أصلا. هذا الصمت والنهج يقولان لنا أن موت البدون بالنسبة إليهم هو مجرد انخفاض في قيمة أرقام.

هكذا ترانا بعض الجهات المسؤولة. نأتي للحياة ونذهب، بغض النظر عن طريقة الذهاب، النتيجة واحدة، ينقص رقم آخر لبدون آخر. "قلّ العدد"، يقولون، "بدون آخر كشفنا جنسيته الحقيقية". وإن اختفى البدون حقيقة أو بالإحصاء، المهم أن العدد انخفض.  وهذا يسهل عليهم الادعاءات: انتحار، حادثة، هجرة، أيا كان، المهم أن نختفي ليقولوا: "بدون آخر عدّل وضعه وأخرج جوازه الأصلي، ها هي إحصائياتنا، ها هي الأرقام".

منذ بداية الحصار والسلب وهم يتعاملون معنا بهذا النهج. فبعض الممارسات هدفها تقليص أعداد البدون لكي تتماشى مع روايتهم، أنهم كشفوا حقيقة انتمائهم لبلدان أخرى وأنهم غادروا لبلدانهم خلال الغزو.

منذ الثمانينات، يعاني البدون من سياسات تضييقية من تهجير، ووضع جنسيات أخرى في ملفاتهم، وعدم توثيق حالات الولادة والوفاة، فالشيء الوحيد الذي يمكن استنتاجه هو وجود توجه منذ البداية لتقليل أعداد البدون، وإن كان التقليل جسديًا أو خياليًا. وهذا التقليل يساعد في نشر الرواية السائدة لدى البعض بأن "لا يوجد عندنا بدون في الكويت، ولكن يوجد مقيمين بصورة غير قانونية وجناسيهم معلومة". كما قالوا أمام المجتمع الدولي في كل جلسة لمراجعة تقارير حقوق الانسان وبالأخص السنة الماضية. كل توقيع يجبر عليه البدون في الجهاز هو رقم أقل للبدون وإن كان وهميًا. كل حالة ولادة لا توثق، هو رقم يقلل أعداد البدون، وإن كان موجودا لكن في الخفية. كل بدون يهاجر يساهم في جعل العدد أقل. وكل حالة انتحار أو دهس، هو خفض للعدد، في الواقع طبعًا، وبالتالي تقل الأعداد. والآن نسمع عن محاولات تهجير أسر البدون داخليًا بصمت مربك من خلال سحب منازلهم الهالكة بعد إنهاء خدماتهم، ممارسة تشابه تلك التي في الماضي عندما أجبروا على ترك بيوت العشيش في الصحراء ومن ثم هدمها لتختفي مع الآثار الأخرى التي تثبت وجودهم التاريخي على هذه الأرض.

لا أريد تصوير الإنسان البدون كالميت لأنني مدركة ضرر هذا التنميط كأن البدون لا يملك أي إرادة ولأن هذا التصوير يجردهم من إنسانيتهم. ولكن حقيقة الأمر أن البدون في الكويت في مواجهة دائمة مع عدم العيش. يريد الحياة، لكن تعمل الظروف بكل قدراتها على سلبها من البدون.

من بعد خطة سياسة الضغط يواجه البدون التطهير من خلال هذه الممارسات، فيأتي ويرحل دون أثر. وتُنسب له هويات غير حقيقية. ومن بعد التحرير ظهر الترحيل الجماعي لآلاف الأسر البدون، وهجرة الكثير بحثًا عن هوية قانونية تكفل حقوقهم في أي بلد آخر في الجهة الأخرى من العالم، ولا يهم الطريقة، برًا، أو بحرًا، أو جوًا، والآن نجلس ونتابع أخبار موت البدون في سجنهم الذي يسمى وطنا، يأتون للحياة فيه، ولكن لا يعيشون. ويرحلون دون ترك أثر على أحد سوى البدون أنفسهم، تاركين ألم بدونيتهم خلفهم للبقية ليتقاسموه.

طلب مني أكثر من مرة أن أتحدث عن حالات الانتحار لدى البدون منذ تزايدت الحالات بشكل ملحوظ. في كل مرة أجد لساني مربوطا ويديّ غير قادرتين على محاولة كتابة تعليق. أكتب القليل وأقف. وأترك الكلمات تجلس تنتظرني لأكمل، وأصحو بعد أسابيع هنا في بلد الهجرة من النوم بفارق 9 أو 10 ساعات من الزمن لأجد خبر موت مأساوي لبدون آخر. أصبحت هذه الأخبار المفجعة جزءا من روتيني الصباحي. ثم أرجع عند كل خبر محاولة إكمال كلامي، لأفرغ غضبي، لتدوين الحادثة المؤلمة، لتوثيقها للتاريخ، ولكن أقف مرة أخرى وأنا أفكر أنها لن تكون الحادثة الأخيرة. وأشعر بالإحباط.

كيف وصلنا لهذه الحال؟ أسأل نفسي ماذا لو فعلنا كذا أو رفعنا أصواتنا أكثر؟ ماذا لو كتبنا أكثر؟ ماذا لو......؟

الحقيقة أنني ترددت في الكتابة لأنني لا أستطيع تخيل شعور إنسان وصل لهذا اليأس وأنهى حياته شنقا أو حرقا، وكيف هو شعور أسرهم بعد رحيلهم. والأصعب هو تخيل شعور طفل أقدم على الانتحار أو ظل يصارع الموت في الوطن من أجل لقمة عيش. ولكن أضعف الإيمان هو ألا ننساهم، وأن نتحدث عنهم، وأن نذكر أسماءهم. هم ليسوا "بدون منتحر وشهيد" آخر فقط، هم بشر، ولديهم أسماء، لديهم قصص، كان لديهم أحلام واهتمامات ومخاوف ومشاعر، لديهم أسر تذكرهم كل صباح حتى الليل، وتعيش على ذكراهم رغم ألم فقدانهم.

 

هم:

‏عايد حمد الفضلي

‏ 8-7-2019

‏زايد نعيثل عوده العصمي

‏4-11-2019

‏بدر مرسال الفضلي

‏4-11-2019

‏عبد الله ناصر الزهيري

‏7-12-2020

‏طلال فهد جابر

‏28-12-2020

‏الطفل علي خالد ياسر الشمري

‏24-2-2021

‏الطفل جراح عايد

‏5 -6 -2021

ع. ن.

2021-6-9

وغيرهم من المنسيين والذين رحلوا دون ضجة. هم ليسوا مجرد أرقام. البدون موجودون رغما عنكم.

وللمتخاذلين والصامتين: نحن نراكم، فلتذهبوا لأحلك فصل في التاريخ، سنوثقكم كذلك في رواياتنا وذاكرتنا الجماعية.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد