dark_mode
  • الثلاثاء ٠٣ / أغسطس / ٢٠٢١
خمسينيو وأربعينيو البدون – جاسم الشمري

خمسينيو وأربعينيو البدون – جاسم الشمري

خمسينيو وأربعينيو البدون.. ما الذي تبقى لهم من فضلة حلم أو غَرْفَةَ طموح؟!!

·        المشاركون: لم يتحقق لنا شيء.. وما لا يأتي في وقته لا نفع فيه.

·        طموحنا تقلص ليقتصر على أمل ألا يعيش أولادنا وضع التهميش الذي عانيناه.

·        في ربع الساعة الأخير من أعمارنا.. هل سيأتي ما كنا ننتظر؟

 

في حوالي العام ألفين وسبعة عشر أعلنت رئاسة الأركان العامة عن نيتها قبول أبناء البدون في الجيش.. كان الخبر بمثابة طوق نجاة للكثير من الغرقى الذين ينتظرون أي بادرة أمل للتعلق بأستار الوطن.. وعلى خُطا آبائهم وأجدادهم بنى الكثيرون قصورا من الوهم عن الوظيفة المنتظرة واصطف آلاف من الشباب في طوابير التسجيل تماما كما كان الآلاف من جيل الأجداد والآباء يصطفون في مساطر الجيش في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي بل وحتى في ثمانينياته، حيث التحق بالوعد المنتظر مئات فيما تحطمت على صخور سواحله أماني مئات آخرين ظلت حبيسة صدورهم وآمال تبخرت عنهم مع دخان سجائر وأنفاس نارجيلة.

وعلى أعتاب هذا الباب الموعود تحولت بعض الأحلام إلى طرائف من باب أن شر البلية ما يضحك، إذ بادر مثلا صديقنا أبو عثمان إلى تقييد اسمه في سجلات الراغبين للانخراط في الجيش.. أبو عثمان كان قد بلغ التاسعة والأربعين من عمره المديد حينذئذ.. وبحسب قانون الجيش، من يبلغ الخمسين يُقال من عمله، فيما فُتح للبدون كوّة رحمة تتمثل في التمديد لهم لخمس سنوات أخرى في الخدمة ثم خمس مثلها قبل أن يترك العمل العسكري، وعليه تندّر جمع الأصدقاء في أنّ أبا عثمان هذا ما إن يُنهي دورته التدريبية حتى يتقدّم بطلب التمديد له في وظيفته الجديدة التي كان يحلم بها قبل أكثر من ثلاثين عاما مضت كخيار وحيد لتحقيق طموحاته، رغم أنه كان خريجا من أحد معاهد الهيئة العامة للتعليم التطبيقي، وكما أقرانه يستحق أن يحظى بوظيفة جيدة في بنك أو شركة تأمين أو شركة معتبرة في القطاع الخاص إن لم يكن له مجال للالتحاق بوظيفة حكومية في دولة يمثل بها عدد الوافدين أكثر من ثلثي عدد سكانها، ما يعني توافر الفرص الوظيفية في الأحوال الطبيعية لعشرات الآلاف، إلا أنه في حال البدون ينزع القياس الطبيعي إلى الاستثناء ليصبح الواحد منهم في انتظار أمل لا يتحقق أو حلم يذوي قبل أن يتحول إلى واقع ملموس.

قصة أبي عثمان حفّزتني لأن أنظر إلى أحوال من هم في عمر الخمسين والأربعين من البدون ممن انتظروا سنوات طوال ليتحقق لهم حلم استقرار بلا طائل، تماما كحُلمي الذي رأيته ينقضي سنة تلو أخرى ليستحيل إلى مجرّد رغبة في ألّا يتعرّض أطفالي إلى ما تعرّضت إليه وأنا على أعتاب العقد السابع من عمري، ولهذا أسأل هنا بعضا من أقراني "البدون" عمّا تبقّى لهم من أحلام وما إذا كان قد تحقّق لهم شيء من أمنياتهم التي كانت تملأ عقولهم وقلوبهم قبل حوالي ثلاثين عاما، فكانت إجاباتهم كالتالي:

·        رحيم - 45

كانت طموحاتي أن أكون إنسانا بمعنى الكلمة ومواطنا أستوفي ما لي من حقوق وأؤدي ما علي من واجبات وأن أبني أسرة يتوافر لها كل مكونات الاستقرار والرفاه، ويضيف: كنت أعشق التجارة غير أن الواقع حطم آمالي. نعم، أثّر واقع أني بدون على قدرتي في استكمال حلمي بالتجارة وعلى تكوين أسرة تتوافر لها أسباب الرفاهية والعيش الكريم.. ويكمل: للأسف لم أستطع أن أواصل دراستي وأبنائي حاليا يمرون بما مررت به من ظلم وتهميش. ويردف قائلا: لم يتحقق لي شيء وعلى العكس تماما، أصبحت أعمل بكل قوتي لأوفر لقمة العيش الكريمة ولأستطيع دفع قيمة إيجار البيت الذي أسكنه، وحتى هذه اللحظة للأسف، لا أستطيع أن أوفر لي أو لأبنائي سبل العيش الكريم الذي كنت أحلم به من قبل.

·        منصور – 44

لا شك أنه كانت لدي طموحات وأحلام أحملها في داخلي وأظهرها بين الحين والآخر حين أكون لوحدي أو أمارسها على شكل لعبة حين أكون بين أقراني.

من منا لم يكن لديه أحلام وطموحات إبان طفولته؟! إن الطفولة هي الأرض الصالحة لوضع بذرة الأحلام والتي يجب أن نهتم بها حتى تثمر عند الكبر، كنت أحدث نفسي دائما بأنني سأكون طبيبا يشار إليه بالبنان، كان كل شيء متاحا، فأنا من الفائقين أقرانهم دراسيا والمتميزين على مستوى الذكاء على من حولهم، كان دافعي الكبير هو أن أجعل مني محل افتخار واعتزاز لوالديّ على الدوام. يضيف: أولى محطات الإحباط التي أثرت فيّ وأيقظتني من تلك الأحلام الجميلة هي السنة الدراسية الأولى بعد تحرير الكويت والتي اصطلح على تسميتها سنة الدمج حين منع "البدون" من الدراسة في المدارس الحكومية بل وتأخر قبول بعضهم في المدارس الخاصة، عندها فهمت ماذا يعني أن تكون "بدون"؟! أن تكون آدميا بنصف حقوق أو ربما بأقل من ذلك، أن تتنازل عن أحلامك وطموحاتك مقابل أن تبقى على قيد انتظار الشفقة، حين ساقونا مكرهين إلى مدارس خاصة تفتقر لأبسط مقومات العملية التقويمية أيقنت أنني قد دخلت مقبرة الأحلام وأخذت أدفن في كل زاوية هناك حلما من أحلامي وجزءًا من طموحاتي وانقلبت المعركة من معركة تحقيق الطموحات والأحلام لتصبح معركة للحفاظ على ذاتك وأخلاقك وعدم الانجراف في سيل انحراف وضع لك قصدا، وهنا أصبح كل شيء متشابها فلم يعد الأمر أكثر من انتظار انقضاء الأيام لتمارس حياة لا تختارها لنفسك. يكمل: أضحك كثيرا عندما يطرح علي هذا السؤال: ما الذي حققته من أحلامك؟! قد أستطيع تعداد بعض مما حققته متأخرا ولكن ما الفائدة؟!، ما فائدة أن تعطي شخصا لحما لذيذا بعد أن فقد أسنانه، أو تعطيه حذاء جميلا وهو على كرسي متحرك؟!

ويردف قائلا لي: يرددون دائما: "أن تصل متأخرا خير من ألا تصل"، ومن وجهة نظري قد يصح ذلك كله إلا في الأحلام والفرص فهي إن لم تأت في وقتها فالأفضل ألا تأتي أبدا، فإنها ستتعبك في اللحاق خلفها، ولات حين فائدة، ولله در الشاعر سعد الخلاوي حين قال:

طموحاتي اللي كانت تسابق اللحظات

تلاشت وصارت فرحتي ضحكة أولادي.. ويختم:  باختصار... هذا أنا.

·        لطيفة – 47

تخرج أخي قبلي بست سنوات وتخرجت أختي قبلي بأربع سنوات فتحطمت كل الطموحات قبل أن تولد.. تواصل: وكانت الأحلام مجرد أحلام ولا تزال.. إلا أنني اقتنصت أول فرصة لي عند افتتاح الجامعة العربية المفتوحة وأنا في سن التاسعة والعشرين وكنت أعمل وأدرس في نفس الوقت.. تضيف: كنت نوعا ما أوفَر حظًا من غيري؛ إلا أنني ما زلت في مكاني أراوح.. أشعر وكأن الجميع في تلفاز.. وأنا المشاهد الوحيد!

·        رافع - 53

عندما تخرجت من جامعة الكويت عام 1991. حاولت الانخراط في سوق العمل ولكن للأسف لم أجد الطرق سالكه أمامي كما هي أمام زميلي الذي يحمل الجنسية الكويتية والخريج معي، وكان للواسطة دورها الكبير في التحاقي بوظيفة في مجال لا يمت بصله لتخصصي الدراسي. ويكمل: ولعل في كوني من فئة البدون السبب الأساسي في عدم تحقيق أهدافي التي كنت أرسمها لنفسي خلال دراستي، إلى جانب سياسة الضغط الحكومي على الجهات المختلفة التابعة لها وعدم قبولنا في العمل فيها وكذلك الإيعاز إلى القطاع الخاص برفضنا كعناصر منتجه لديه. كل هذه العوامل كان لها بالغ الأثر السلبي في قتل الأهداف والطموحات على أسوار الواقع المؤلم ... يكمل قائلا: أما في الوقت الحالي وبعد 30 عاما من تخرجي وانخراطي في سوق العمل.. أجد نفسي لم أحقق سوى 20 % من طموحاتي وأهدافي التي كنت أنشدها شابًا. وللأمانة، بعد تجاوزي الخمسين من عمري، لم تعد هذه الأهداف والطموحات من أولويات حياتي… ولكن طموحي حاليا أن يحقق أولادي أهدافهم ويأخذوا فرصة أفضل لهم مني في بلدي الكويت.

·        سالم – 42  

كان طموحي يتمثل في امتلاك بيت لي وأن أتقاضى راتبا جيدا أو مدخولا شهريا يفي باحتياجاتي الأسرية فقط.. ولم أطمح لشيء فوق المطلوب من الرفاهية في حدها الأدنى الذي قلته.. ويضيف: وضعي بصفتي "بدون" أثر وبشكل كبير على عدم تحقيقي ولو لجزء بسيط من هذا الطموح والحلم..بل أقصى ما نطمح إليه حاليا أن نحقق أبسط الاحتاجات الأساسية لنا في هذه الحياة.. يفكر قليلا ثم يجيب عما تحقق له مما كان يحلم به: لا شيء يذكر.. والحمد لله على كل حال.

·        كافي – 45

كنت أحلم منذ صغري كوني من المتفوقين وكون عندي إعاقة.. كنت أحلم بإكمال دراستي الجامعية والعمل لأثبت للجميع أنه لا ينقصني شيء.. ثم تستدرك بالقول: لكن مع الوقت اكتشفت أن الإعاقة الحقيقية هي أني بدون..

وتضيف: كان لكوني "بدون" أثر كبير في حياتي من جميع النواحي ويكفي أني في عمر الـ 45 وما زلت ((آخذ مصروفي من الوالد)).. لم أحقق أي شيء وأعيش في اكتئاب وحسرة وخجل من تقديم نفسي لأي أحد.

·        علي – 52  

قيمة كل إنسان تكمن فيما يحمل من طموح وتطلعات يسعى إلى تحقيقها في هذه الحياة.. يجتهد ويتعب ويسخر إمكاناته لتحقيق هذه الأحلام على مختلف الأصعدة الدراسية والعملية والاجتماعية وهذا حق مشروع لكل إنسان، لا سيما وأنه لا يتعارض مع ثوابت الدين أو قيم وأعراف المجتمع.. ويستطرد.. بل على النقيض؛ فجميع الأحلام تصب بشكل إيجابي في تحقيق مُثل الدين وتقاليد المجتمع حينما تطمح في أن تكون صاحب علم ينتفع به وأن يكون لعملك فوائد تعود بالنفع على المجتمع... ويلخص طموحه بالقول: كانت رغبتي أن أكون معلم لغة عربية..

ويستطرد مجيبا: لا شك أن كوني من فئة البدون نسفت جميع هذه الأحلام والتطلعات عندما أسقطت عني أي حقوق مدنية وأوصدت جميع الأبواب التي تؤدي إلى هذه المشاريع المستقبلية وكان هذا الإيقاف كفيلا بجعلي إنسانا خطرا على المجتمع نتيجة الحرمان الكامل فيما كنت تواقا لأن أكون إبجابيا ومفيدا لمجتمعي.. يكمل: أنا من الجيل الذي تم تقييده بشكل كامل ودفع ثمن الحرمان بحيث تعطلت جميع مناحي الحياة لدي ودفنت كل أحلامي وآمالي ولم أحقق منها شيئا يذكر إلا أن إيماني بالله هو من عصمني من الانحراف.. ويجيب مستطردا: لم أحقق شيئا في ظل القيود المفروضة علي لعقود من الزمن حتى شارفت حياتي على الغروب وليس من ضوء قد ينير الظلام المقبل لتكتشف في لحظة أن كل طموحاتك وأحلامك التي شيدتها طوال هذه السنوات تبخرت فيتبادر إلى ذهنك السؤال الأهم.. من المسئول عن هذا؟

·        عايد – 49

من الأحلام التي لم تتحقق- أكيد- استكمال دراستي الجامعية وعند بدء إتاحة الفرصة لنا في الالتحاق بالجامعات الخاصة أوائل العقد الأول من هذا القرن لم أتمكن من ذلك بسبب طبيعة العمل الذي انخرطت به والخوف من خسارة هذه الوظيفة.. ويضيف قائلا: الوظيفة الحكومية كانت حلما لي في بدايات عمري وكان يتصدرها الالتحاق بالشرطة ولم يتحقق أيضا.. ويكمل: الزواج على كبر وبعد بلوغي عامي الـثاني والثلاثين كان من ضمن الأمور التي لم تتحقق في موعدها المناسب.. ويرجع السبب الرئيس في عدم تحقيق هذه الأحلام إلى: ولادتك بمسمى "بدون" حيث لم تشفع لك أوراق والدك القديمة الصادرة قبل قانون الجنسية.

·        منى – 45

كأي طالبة متفوقة وربما الأكثر تفوقاً؛ حيث أنني كنت الأولى على كافة طلاب المدرسة وليس فصلي فقط.. كنت أحلم بأن أدرس تخصص الهندسة الإلكترونية وأكمل دراسة الماجستير والدكتوراة قبل سن السابعة والعشرين.. إلا أن كل أحلامي اصطدمت بصخرة واقع البدون المأساوي لاستحالة قبول البدون في جامعة الكويت حين تخرجي من الثانوية العامة في منتصف تسعينيات القرن الماضي.. ولعدم وجود جامعات خاصة في الكويت حينها ثم لمنع استخراج جوازات سفر للبدون لاستكمال دراستهم خارج الكويت إلا في نطاق ضيق جدا وبوساطات لم تكن متاحة لي في تلك الفترة. ثم تضيف: رضخت مرغمة كباقي أبناء جيلي للجلوس في المنزل لعدة سنوات إلى أن أعاد لنا الأمل المرحوم الأمير طلال بن عبد العزيز- رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وأكرمه كما أكرمنا- بافتتاح أول جامعة خاصة في الكويت بتخصصات محدودة جدا لم يكن حلمي من ضمنها.. كنت حينها قد بلغت السابعة والعشرين وهو ذلك العمر الذي حلمت أن أكون قد وصلته وقد أكملت رسالة الدكتوراة. ومن باب أن تأتي متأخراً خيرٌ من ألا تأتي أبداً بدأت دراستي الجامعية فكنت أعمل صباحاً وأدرس مساءً لكي أُنفق راتبي على مصاريف الجامعة التي حُرم منها الكثيرون كونهم لم يحظوا مثلي بفرصة العمل براتب زهيد لم يتجاوز المائة وخمسين دينارا.. ورغم كل العوائق التي واجهتني إلا أنني حرصت على أن أتخرج بمدة أربع سنوات لأثبت لنفسي بأنني ما زلت كفؤةً وقادرة على أن أصل للدكتوراه.. وتواصل: رغم كل محاولاتنا واجتهادنا في تطوير ذواتنا إلا أن قسوة الحياة ما زالت ترهقنا وتمنعنا من أن نبرح مكاننا رغم كل ما نملك من كفاءة وقدرات فلا يزال أقصى ما تمنحنا فرصة عمل بلا إمكانية التقاعد وبلا مستحقات نهاية الخدمة وبراتب متدنٍ وأقلّ، ليس فقط مما نستحق، وإنما أقل حتى من راتب من يحمل الشهادة المتوسطة.

هي أحلام وأمنيات وقف أصحابها على رصيف الوقت.. مهمشين يرون قطار السنوات يمر سريعا وهم على وقع الانتظار.. حيارى رغم أنهم في ربع الساعة الأخير من أعمارهم ولا أمل، يحملون على أكتافهم المرهقة تعبا وانكفاء وعيون تتطلع إلى السماء.. ربما هناك ما يسر في تلك الدقائق التي ستأتي.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد