dark_mode
  • الثلاثاء ٠٣ / أغسطس / ٢٠٢١
يوم من حياة امرأة بدون -يوم في القطاع الخاص - هدية العونان

يوم من حياة امرأة بدون -يوم في القطاع الخاص - هدية العونان

في ظل خطابات تمكين المرأة وإشراك النساء في الحياة الاقتصادية والسياسية وضرورة المساواة بين الجنسين في قطاعات العمل والفرص الوظيفية والمطالبة في أن تتقلّد النساء المناصب القيادية والدفع نحو الاستقلال المادي الذي يضع حجر الأساس لتحسين بعض من ملامح حياة النساء في المنطقة، ما زالت النساء البدون في الكويت عالقات في دائرة الاستغلال الوظيفي وآليات العمل شبه الاستعبادية التي تستهدفهن كخزّان بشري احتياطي للعمالة الرخيصة والبديلة عن العمالة المهاجرة في حال لم تفِ بالغرض، إضافة إلى سهولة التخلي عنهن أو الاستعاضة عنهن بنساء أخريات من نفس الشريحة. ليس تمكينًا بل استعبادًا وأدنى درجة من الحياة الآدمية وظروف عمل تجعل من خطاب تمكين المرأة وضرورة أن تخرج للعمل بمساواة الرجل دون النظر لطبيعة الوظائف التي تعمل بها النساء البدون خطابًا مترفًا فارغًا من محتواه.

"مو عاجبچ إطلعي برا، غيرچ بنات بدون وايد على اللستة"

تقول صديقة لي على لسان المديرة الفرعية للمؤسسة التي تعمل بها: "مو عاجبچ إطلعي برا، غيرچ بنات بدون وايد على اللستة". استوقفتني كثيرًا هذه الجملة إذ تعكس تماماً آلية التعامل المهين وغير المهني مع الموظفة البدون وتختصر عليّ كتابة مقال بأكمله عن انتهاك بعض القطاعات الخاصة لحقوق العاملات البدون، وتكسّب أرباب العمل الخاص من وراء قضية الكويتيين البدون بل حتى استفادتهم من عرقلة حلّ هذه القضية، ثم التشدّق بالخطابات الإنسانية وخطابات تمكين المرأة وإشراكها في سوق العمل ووضع الأولوية لتوظيفها لأنها بدون تارة وامرأة تارة أخرى.

لكن ما هو المقابل؟

إن المقابل هو أن تحترق جسديًا ونفسيًا في وظيفة ما بين ١٠ إلى ١٢ ساعة في اليوم بمرتب شهري لا يتجاوز الثلاثمائة دينار أو حتى أقل. راتبها الشهري أقل من باقي الموظفات الكويتيات أو المقيمات، ومستثناة من كل المزايا الوظيفية بما في ذلك العلاوات والترقيات ومحرومة من التدرّج في السلم الوظيفي ولا تنعم بشيء من الاستقرار الوظيفي؛ إذ يمكن أن يتم إنهاء خدماتها بشكل غير عادل.

طبيعة الوظائف التي تعمل بها النساء البدون لا تحقق الهدف المنشود من تمكين المرأة ولا يوفر نوع من الأمان الوظيفي بحيث تستطيع الاعتماد عليه لتستقل ماديًا. الاستقلال المادي الذي تترتب عليه أمور عديدة ومهمة في حياة النساء -عامةً- كالخلاص من زواج فاشل أو الهروب من سطوة عنف أسري مثلاً!

لنستطيع أن نفهم أكثر كيف بدأت معضلة الفرد البدون -عامةً- في تحصيل وظيفة؛ علينا التعريج على الوثيقة السرية لعام ١٩٨٦.

هو مشروع قائم على التضييق والاستفزاز لهذه الشريحة والضغط عليها إلى حد التطاول على كافة حقوقها المدنية من تعليم وعمل ورعاية صحية ورعاية سكنية وحق التملّك واستخراج وثائق رسمية مثل شهادات الميلاد وشهادات الوفاة وعقود الزواج، ومفاد هذا التضييق كلّه هو دفعهم لاستخراج وثائق وهمية ليس لها وجود ولا أساس من الصحة وإثبات ادعاءات الجهاز المركزي بانتماء هذه الشريحة لدول الجوار.

وهو مشروع ليس بالجديد ولا هو اقتراح طارئ بل هو خطة ممنهجة تقوم الحكومة الكويتية وأدواتها على تنفيذها تدريجيًا منذ عام ١٩٨٦ تحت بنود ما جاء في الوثيقة السرية. إذ جاء في أحد بنودها والذي هو محور حديث هذا المقال: "التعميم على جميع الجهات الحكومية بعدم تشغيل أي فرد من هذه الفئة بما في ذلك جمعيات النفع العام والجمعيات التعاونية"

لا يزال البدون غير مستحقين للعديد من الوظائف بالكويت بسبب عدم حملهم للبطاقات المدنية المطلوبة من أصحاب العمل لتسجيلهم كموظفين قانونين، كما أن القوانين الكويتية تمنع من لا يملكون بطاقات مدنية من امتلاك العقارات أو الحصول على تراخيص العمل الخاص مما يعرقل قدرة البدون على العمل الحر، لذلك اضطر الكثير من البدون على أن يبحثوا عن وظيفة في القطاع الخاص يكون صاحب العمل فيها مستعدًا لغض النظر عن وضعهم القانوني.

يظل كابوس إيجاد الوظيفة الملائمة والتي تضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة أحد أبرز النتائج الجوهرية لهذا التضييق والاستفزاز الدائم الذي يطارد الفرد البدون ومن سن صغيرة، وعبء ذلك الكابوس يأخذ أبعادًا وأشكالًا مختلفة وفقًا لعدة أمور مثل صعوبة تحصيل شهادات عليا والخبرة العملية المحدودة والوضع القانوني غير الملائم، ويتفاقم هذا العبء حين يكون الباحث عن وظيفة ملائمة هو امرأة بدون، وذلك يعني خيارات محدودة أكثر وتضييق مضاعف يبدأ أحيانًا من الأسرة مثل أن تشترط الأسرة مكان عمل قريب من منطقة السكن أو مكان عمل غير مختلط، مما يقلّص الخيارات المطروحة أكثر أمام بعض النساء البدون، وينتهي الأمر بالتصادم مع صاحب العمل الذي غالبًا ما سيقوم بمساومة المرأة البدون على حقوقها وتهديدها بطردها أو الاستعاضة عنها في حال اعترضت.


إذًا لماذا تستمر النساء البدون في العمل في القطاعات الخاصة رغم ما يتعرضن إليه الاستغلال الوظيفي؟

عمل النساء البدون هو عمل حقيقي ليس رفاهية أو عمل لتوفير كماليات وقضاء للوقت كما يعتقد الكثير، بل إنه عمل للحاجة والاضطرار وفرص إضافية لتحسين الظروف المعيشية للأسرة البدون بأكملها، فسواعد النساء البدون حاضرة لإعالة أسرهن، لتسديد ديون متراكمة، أو لتحمل تكاليف علاج أو تعليم. إنها أسباب حقيقية ولصيقة بالحياة اليومية للعائلة البدون، إنهن يعملن تحت هذه الظروف الشبيهة بالاستعباد مضطرات إلى ذلك مثلما يضطر الرجل البدون أن يجلس ساعات طويلة تحت الشمس، إنها الحاجة وانعدام الخيارات التي تجعله يُمدد بسطته على الرصيف وليست الرغبة في التشمُّس واكتساب السُمرة مثلاً.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد