dark_mode
  • السبت ١٩ / يونيو / ٢٠٢١
نتسول الصبر - هديل

نتسول الصبر - هديل

"أتسول الصبر"

‏هكذا قال أبي لأمي حينما كان يعرج في خطواته ولا قدرة له على "التقاعد" يستفيق كل صبح وكل الأوجاع تسري في جسده.. وهو يسابق الرياح من أجلي وإخوتي وأمي.. يركض حتى يوفر لنا كل ما نحتاج.. بينما يحتاج هو لغفوة!

‏أبي العالقة أقدامه بكل الخطوات لا يغفو حتى يغط الجميع في نومٍ عميق.. آثار خطواته في كل الطرق الهالكة.. أبي الجاف بكلماته العاطفي بملامحه بصنع أوجاع الوطن.. بخلق قسوة الوطن..

‏هكذا تعلم أبي من الأوطان.. اقسُ على نفسك.. اصمت حتى تبقى الكلمات حبالك التي تستند عليها كلما وقعت.. لا تفصح عن وجعك.. لأن الأوجاع في هذا الوطن لا تنتهي!

‏أينما وضعت قدمك.. ستجرح.. ستدمي.. كل الأشياء أكلت قلب أبي.. منذ مراهقته يعمل بلا حرج في كل الأعمال.. هذا لأنه "حُرم من التعليم رغم اجتهاده".

‏تولد حتى تركض فقط.. ولا وصول لك بعد هذا الركض.. تركض ولا تدري إلى أين أنت ذاهب..

‏سمعت يوماً أمي تقول لأبي: ما بال هذا الوطن لا يرى بعينيه حتى المرضى؟.. أقدامك تعرج والوطن يصر على استنزافها.. ابتسم أبي بمرارة الحزن وقال لها:

‏"إني أتسول الصبر.. وربما نحن نتسول الصبر "

‏أيباع الصبر؟ أخاف أن ينفذ الصبر من بين يدي فأكون في صورة ما رأيت نفسي يوماً بها..

‏كلمات ثقيلة بحجم العمر الذي مر ونحن نتسول الصبر.. ستون سنة ونحن نشحذ الصبر.. تموت أحلامك وتصبر.. تدفن طموحاتك وتصبر.. تبكي كل ليلة وتطلب الصبر.. ينتحر الأطفال.. الشباب.. المراهقون.. وحتى الكهول..

‏وما زلت تقول "صبراً.. صبراً"

ولا وطن يلتفت إليك.. تمعنت في كلمات أبي حتى شعرت أن أعمارنا لا تصبر وأن أبي يبكي على حالنا وكل البكاء لا يرثي هذا العزاء القائم منذ الولادة.. وأن الوقت يمضي ونحن واقفون.. عالقون بالصبر.. غارقون بالوجع.. نسبح بالطرق الهالكة..

‏تذكرت لوهلة.. أن الأحلام التي تموت لا صبر يوقظها!

‏وأن الطموحات التي تسرق لا وقت يسترجعها.. وأي صبر هذا الذي يتحمل كل هذه الحسرات وحكايات الأسى؟

‏هلكت قلوبنا من شدة الصبر..

‏لا أعلم كيف لهذه الأوطان أن تقدس الأوراق أكثر من أعمار ٢٠٠ ألف إنسان، وكيف يموت طفل بين شحذ الصبر وتسول الحياة.. وكيف للورقة قيمة أكثر من حياة تخسرها بالصبر.. بشحذ الصبر..

‏وكيف أن حتى الموت لا يوقظ ضمائرهم.. والصرخات لا صوت لها..

‏هذا الوطن الذي ما رأى النسوة اللاتي كرسن حياتهن ما بين بقالة تبيع من أجل قوت أطفالها تحت أشعة الشمس وقسوة الحياة، ما بين العمل في كل ما يسمح لهن.. وبين حلم تغسله مع أطباق الغسيل.. تغسل أحلامها وتصف بكاءها: " من المفترض أنني اليوم أسطر الأحرف لا الأواني المنزلية".

‏من قدّر عليهن الجهل والبقاء بالمنزل؟ ويشحذن الصبر.. يتسولن الحياة..

‏النسوة اللاتي قتلهن الصبر وما زلن يكافحن.. أمي المحرومة من التعليم بفعل الوطن.. أختي المحرومة من الأمان بغربة الوطن.. وأنا المحرومة من لحظات صادقة من "الفرح" بهجر الوطن!

‏لذلك أبي الحبيب صدق حينما قال: "نحن نتسول الصبر".

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
عرض المزيد