dark_mode
  • الإثنين ٢٥ / أكتوبر / ٢٠٢١
رصيف الأمنيات - هديل العونان

رصيف الأمنيات - هديل العونان

يرن جرس المنبه قبل الفجر معلنًا بداية يومه هو.. كفاحٌ جديد في دوامة لا تنتهي.. أيام تكرر نفسها.. قلق وأرق..

شقاء يتدثره طوال الليل.. وساوس لا تهدأ البتة.. مصاريف السكن.. احتياجات العائلة.. مركبته التي تئن منذ شهرين أو ربما أكثر.. فلا يكفيه ما يجنيه لإصلاحها.. أخيرًا نفض كل ذلك وأعلن استعداده لخوض معركة جديدة على رصيف الأمنيات..

من التاجر المحبوب اشترى ما سيبيعه لاحقًا كمية لا بأس بها من "الرقي" أيقونة البدون كما ينعته دائمًا.

يجلس على ذلك الرصيف الملتهب بحرارة شمس الكويت.. ذلك الرصيف نديمه.. كاتم أسراره.. يشكو له كثيرًا صعوبة حياته.. طفولته البائسة.. تعليمه الذي تركه في المنتصف ليساعد أباه في إعالة العائلة فهو الابن الأكبر.. أحلامه التي انهارت على ذلك الرصيف معلنةً استسلامها.. دراجته النارية التي لا يستطيع والده أن يبتاعها له.. ليس قسوة إنما يعد ذلك ترفًا لا يقدر عليه.

يحكي "متعبًا" عن ناديه المفضل.. وحلم كرة القدم والمدرب إياه الذي رفض التحاقه بالنادي بعد أن عرف ببدونيته.. وتجرده إلا من ثيابه.. عن روايات دوستويفسكي.. تشاؤم كافكا.. لافتات أحمد مطر وقصائد فهد العسكر الذي يكرر قراءتها بشغف.. "حليم" وقارئة الفنجان.. موسيقى عبد الوهاب.. كوب الشاي "المهيّل" الذي يصنع مزاجه.. وعن "فتات" أحلامه..

عن الانهيارات التي لا صوت لها على حافة رصيفه المثقل بخطوات المّارة.. عن احترامهم وسوء أدب البعض منهم.. عن الشفقة التي يراها بتلك العيون.. عن إحساسه ورغبته بثقب أسود يبتلعه لينتهي كل هذا الألم..

 أخته التي ظلت تبكي ليالٍ طوال.. فليس باستطاعتها إكمال تعليمها.. ذلك الجهاز "أجهز" على أحلامها.. رغباتها.. طموحاتها.. برفضه إصدار بطاقة لا تعبر بالضرورة عن هويتها الشخصيّة التي هوت بأحلامها، بل عن القيود التي قيّدت أبناء فئتها..

ذلك الرصيف سمع حكاية فيصل الذي أتم ثلاث سنوات يدرس الطب في مصر وفي سنته "السوداء" الرابعة رفض ذلك العنجهي تجديد جوازه سفر فتجددت آلام وتبددت أحلام..

 

عن الاعتصامات السلمية التي شارك بها مطالبًا بحقوقه "المستحقة" وعن ذلك اليوم الذي خرج فيه بعد حادثة انتحار "عايد" التي هزت هاشتاق تويتر ولم تهز ضمائر لاإنسانية عاثت بأحلام "البدون" فسادًا ..

ما زال صدى كلمات المرحوم زايد: "يبا انذليت".. يتردد في رأسه ويحرق جزءًا من روحه كل يوم..

ابتسامة الطفل علي الذي أعلن عدم رغبته بحياة أدرك قسوتها باكرًا فزهد فيها ورحل.. للحظة تخيله ابنه فانهار بصمت..

عن صدمة شقيق يعقوب حين رآه متدليًّا على شجرة علق عليها رغبات وأحلام وحياة قاسية.. ورحل رافضًا فلا أسف على حياة لم يشعر فيها إلا بالموت والعدميّة..

عن حديقة احتوت بدر مرسال الذي عجزت الحياة عن احتوائه وضمه لصفوفها..

عن عبد الله وطلال، لأرواحهم السلام والسكينة والاطمئنان..

 أسوار السجن الذي ظل حبيسه شهورًا عدة.. بتهمة ملفقة "زعزعة" أمن البلاد ..

 قصة زواجه التي لم تكتمل وغصّة بقلب أمه أدركها بإحساسه.. فلا عقد ولا عائلة جديدة بلا "بطاقة"..

والجليد الذي ضم جسد ناصر الظفيري في كندا الذي مات وحرارة حبّه لمسقط رأسه ظلت مشتعلة لعلها تشعره بالدفء في بلاد الصقيع.. "أنا ما عندي جنسية بس عندي وطن "

وطن قسى عليك كثيرًا يا ناصر لروحك السلام..

حكايا الرصيف حكايا حيكت بظلام دامس لم يبد منه سوى آهات تحشرجت بها الصدور.. كتمها "هو" واستفرغها على الرصيف.. رصيف الأمنيات..

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد