dark_mode
  • السبت ١٩ / يونيو / ٢٠٢١
حزن بطعم البطيخ - هديل

حزن بطعم البطيخ - هديل

"طعم البطيخ بطعم الدم"


‏جملة تكاد تكون غريبة في أول مرة تُلقى على مسامع أي إنسان.. في بريطانيا..

‏بينما كنت أسير بلا روح، وجسدي فقط يتحرك، في بريطانيا تحديداً.. صادفت رجلاً يبيع البطيخ برفقة صديقي..

‏ما إن رأيت صورة البطيخ حتى سقطت دموعي لتثبت لي كم أنا بائس ووحيد، تشكلت أمامي صورة الوطن.. صورة حياتي التي أبكيها!

‏"وانيت، شمس ما ترحم، أطفال محرومون من طعم البطيخ، أطفال يبيعون أحلامهم مع كل بطيخة، شرطة، بلدية، دمعة أمي على باب المطار، وأبي الغاص بالديون"

‏تخيل أنني أبكي طعم الدم في فمي.. أبكي اللحظات التي صارعتها أركض من الشرطة.. أبكي طموحي الذي كان يسقط في كل مرة أركض من البطيخ ومع البطيخ!


‏تخيل أن هذه اللحظات كانت أخف على قلبي من منظر البطيخ أمامي في ربوع لندن!

‏تخيل أن طعم البطيخ كان في فمي ألذ، وكان له طعم الدموع على أقل وصف!

‏لكن الآن أشعر به كطعم الدم في فمي، كطعم الموت، كطعم انتحار علي، كصرخة يعقوب  الأخيرة حينما تدلى من الشجرة بعد أن كان البطيخ أضعف من أن يحمل عنه بعض الهموم، كان غصن الشجرة أحن على رقبته! ولا حيلة لي أقدمها عوضاً عن البكاء في روحي!


‏ما إن رفعت رأسي حتى رأيت صديقي يبكي بحالة هستيرية، والبطيخ يعصره..  وكأنه يحاول عصر كل خيباتي بين يديه!


‏كان أفشل من أن يعصر خيباتي بين يديه.. أن يعصر عمري.. وددت أن أوبخه على عصر البطيخ ، البطيخ الذي كان دومًا أحن من الوطن، البطيخ الذي يعاصر همومنا..

‏كانت لي رغبة باحتضان البطيخ لكنني خفت أن ينعتني أحدهم بالمجنون كمن يحتضن وطنه، أحلامه ، أطفاله، حياته التي تركها خلفه!


‏وبكل قوة قلت له: "اترك البطيخ ترى ما تشوفك وأنت تعصرها ولا تحس يا أحمق".

‏ضحك صديقي بطعم الدموع وردد: "لكن لماذا أنتم هكذا.. لما تحبون وطن يأكل أعماركم، لماذا تبكي وطن شكّل لك حياتك بصورة البطيخ!"


‏رفعت رأسي وقلت له..

‏إن الوطن كما يقولون هو الأرض لا الورقة.. هو ارتباط أرواح..


‏في بريطانيا تحديداً كل شيء متوفر، دراسة، تجارة، حياة، كرامة، لكني أبكي وحدتي رغم كل شيء!

‏أبكي الصحراء، أبكي الشمس، أبكي الأجواء!

‏كل شيء هنا مختلف، حتى شوارعهم تبدو لي غريبة.. حتى وجوههم وثيابهم لا تشبه شيئًا من وطني..

‏رغم كل حقوقي التي حصلت عليها هنا، لكن قلبي ما زال ينزف من جرح الهوية!

‏إني أعاني من جرح لا يشفى، قضيت عمرًا كاملًا ما بين البكاء والهروب..

‏أهرب من أحلامي.. ومن الذي يفضل مصادرة البطيخ على مصادرة الظلم.. تركت خلفي أصدقاء عمري يتنهدون على أبواب المطار.. وحب عمري الذي لم أستطع الارتباط به..

‏تركت أمي لا تنام حتى تمسح على فراشي، وأبي الذي كسر غيابي ظهره..

‏أنا مخذول، وأشعر بطعم الدم في فمي، ليتني دُفنت بحضن البطيخ.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
عرض المزيد