dark_mode
  • السبت ١٩ / يونيو / ٢٠٢١
البدون ونظرية

البدون ونظرية "تفتيت الصخر" - إيمان شمس الدين

كثيرٌ من الظواهر الاجتماعية السلبية يعود منشؤها غالبا إلى غياب العدالة الإجرائية، وتسييل نظريات العدالة التي كفلتها الدساتير، إلى قوانين إجرائية تحقق العدالة على أرض الواقع، فتغيب معها كافة الفروقات الطبقية من جهة، والتمييز العنصري القائم على أساس العرق والهوية (دينية، جغرافية، ثقافية، قبلية.. الخ).

ويعتبر ملف قضية "البدون" مصداق واضح يمكن من خلاله شرح غياب العدالة الإجرائية، وازدواجية معايير جلية في كيفية التعامل مع القضايا الإنسانية، وتخاذل كثير من المؤسسات الحقوقية في حسم هذا الملف العالمي والإنساني.

نظرية التفتيت:

تتعاطى هذه النظرية بمنهج التفتيت البطيء للبناء المتماسك، مستمدة أسسها من كيفية تفتيت الصخر، خاصة ذلك الصلب منه، وكون السلوك الاجتماعي وبنية الهوية من البنى الصخرية التي تتطلب أمد طويل وسياسات مرحلية، تستخدم من خلالها أساليب خفيفة ومتوسطة وحادة من حيث سلب المقومات الأساسية لحقوق الإنسان في العيش الكريم، ومن ثم الانقضاض عليه لتحقيق الهدف الاستراتيجي من عملية التفتيت المنهجي.

فمنذ عام ١٩٨٦ م العمل على تفكيك بنى هذا المجتمع الذي أُطلِق عليه تعسفًا "البدون" قائما على قدم وساق، ورغم استفادة البعض من البدون عدديًا في الإحصاء العام لزيادة الحصة النفطية بما يتناسب وعدد السكان المحليين، حيث اعتبروا كويتيين في الإحصاء السكاني، و "بدون" في الهوية السكانية، إلا أن مسار التفكيك من قبل بعض الجهات كان تدريجيًا ناعمًا وفق مراحل هي:

1.  التجريد؛

2. التضييق؛

3. التقييد؛

4. التشتيت.

أ‌.       التجريد:

أي من كل الصلاحيات والمقومات والاستقلال المادي وبدأ كالتالي:

1. إلغاء البطاقات المدنية الخاصة بهم كهوية تسهل لهم عملية التعليم والطبابة والعمل، والعيش بكرامة؛

2.  إصدار قرارات تمنعهم من العمل في أي جهة حكومية؛

3.  منع تسجيل الأطفال من فئة "البدون" في المدارس الحكومية، نحو تجهيل منهجي للأجيال القادمة تتوارث الجهل جيل عن جيل، لإضعافهم وتحويلهم إلى مجتمع هش غير قادر على أي حركة،

4.  تشديد إجراءات العمل وشروطه في الشركات الخاصة، ووضع شروط تحول دون توظيفهم؛

5.  الحرمان من الخدمات الصحية إلا وفق شروط مشددة وغالبًا تعجيزية. 

ب‌.   التضييق:

بعد سحب كل صلاحياتهم، بدأت بعض الجهات المعنية تضييق دائرة وجودهم وانتشارهم في المجتمع، حيث دفعهم العجز المالي، وعدم وجود قدرة إعالة وتمكين ماديين ومعنويين، إلى الانسحاب من المناطق السكانية خاصة الكويتية منها، لعدم مقدرتهم على تكاليف العيش في تلك المناطق وبناء عشوائيات على مرأى ومسمع الأغلبية ذات القدرة المالية المرتفعة، وتفتقر هذه العشوائيات إلى أقل مقومات العيش الكريم كالماء والكهرباء، فضلًا عن عدم مقدرة كثيرين منهم أصلًا على العيش في منزل، وهي مرحلة فك الاندماج بالمجتمع، وعزلهم تدريجيًا في مناطق خاصة بهم، لمنع أي تعاطف اجتماعي معهم من خلال السيطرة على الإعلام، وصناعة رواية تتناسب وأهداف تحقيق مخرجات اجتماع عام ١٩٨٦م، أو منع أي محاولات صناعة وعي جمعي للمحيط بقضيتهم ومنهج بعض الجهات المسؤولة في التعاطي مع حقوقهم الأساسية، وهو ما يمكن أن يشكل وسيلة ضغط داخلية هائلة في تلك الفترة، فكان لزامًا عزل قضيتهم عن المجتمع، لظروف سياسية داخلية وخارجية.

 ج. التقييد:

كان ذلك من خلال عدة أمور أهمها:

1.  العمل على دفعهم للاستقرار في مناطق الطرف لا المركز، أي أطراف الكويت، وفي تلك الفترة كانت هذه الأطراف تعاني أصلًا من تمييز خدماتي واضح حتى مع أبناء الكويت، وهذا العزل المنهجي السكني كان بمثابة جدار الفصل العنصري، الذي عزل البدون سكانيًا وطبقيًا.

2. تأسيس مركز ألزمهم بالتقيد فيه، بحجة العمل على حل القضية وإصدار هويات مؤقتة لهم إلى حين الانتهاء من الحلول وكانت الخطوة الخفية هي تغيير مسمى ملف القضية من "البدون" إلى "المقيمين بصورة غير قانونية"، للتفلت من الالتزامات المتعلقة بهذه الفئة في العالم. بالإضافة إلى منع كل من لم يسجل في هذه الجهة المعنية من أي حق، بل ربط المقومات الأساسية لهذه الحقوق بالبطاقة التي تصدرها الجهة المعنية، التي تمارس تعسفًا شديد العنصرية كثيرًا من الأحيان في إصدار البطاقات، من خلال جملة الشروط التعجيزية التي تضعها غالبًا من أجل إصدار البطاقات.

3.  مواجهة محاولات كثير من البدون في انتزاع حقوقهم الأساسية، بالسجن أو الملاحقات الأمنية، أو اضطرار البعض للهجرة تحت ضغط هذه الملاحقات، رغم قضائه فترة محكوميته، نتيجة محاولته للعيش كإنسان كامل الحقوق والكرامة.

د: التشتيت:

فَرّقْ تَسُدْ، هذا مبدأ استعماري قديم، لكنه ما زال ساريًا إلى الآن، حيث قامت بعض الجهات وخاصة من خلال المتصدين لقضية البدون، بالعمل على تشتيت جهود البدون في نضالهم الحقوقي من خلال:

1.  الادعاء بتجنيس البدون المستحقين من حملة إحصاء ٦٥، وكانت هذه الخطوة الأولى في دق إسفين الخلاف بينهم، حيث عارضت شريحة كبيرة هذه الخطوة، واعتبرت أن هذا إجحاف في حق الآخرين من الذين لا يحملون هذا الإحصاء، وانقسم البدون بين مؤيد ومعارض.

2. كانت أي محاولة سلمية لحل القضية تواجه غالبًا بشكل متعسف، حيث يتم اعتقال كل من يشارك بأي مظاهرات ووقفات احتجاجية سلمية، وفي السجن غالبًا يتم استعمال آلة الدين كوسيلة فك ارتباط بين أقطاب القضية، وبالتالي تشتيت أي جهد مشترك من جهة، وإحداث شرخ ديني عقائدي مذهبي يكون كفيلًا ببناء جدار طويل الأمد، يمنع أي محاولات للم الشمل وتوحيد الجهود لأجل انتزاع الحقوق وإثباتها.

3. التشتيت تحت شعار الديموغرافيا، وإشاعة أخبار مفادها أن أغلبية المستحقين يعودون لجغرافيا ومذهب محدد، مما يشيع جو من الحَنَقْ والرُّهابْ المذهبي بين أطراف القضية المستحقة.

هذه العملية المرحلية المتشابكة في مراحلها طولًا وعرضًا، أخرت كثيرًا من التفاعل الشعبي والاجتماعي مع القضية، خاصة مع التشويه الإعلامي المُمَنْهَج غالبًا ضد القضية، وعدم جدية المنظمات الحقوقية بالأعم الأغلب لاعتبارات سياسية وازدواجية المعايير الإنسانية عند كثير من أصحاب القرار، في الضغط على الجهات المعنية لإغلاق الملف نهائيًا.

فمواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واضحة حول الجنسية والزواج وحق التعليم والعمل والطبابة في مواده ١٥ و ١٦ و٢٣ و٢٦، والإعلان العالمي هو مرجعية معيارية يجب ألا تخرج عنها دساتير الدول، وفي الدستور الكويتي نجد هذه المواد متحققة فيه من خلال المادتين ٩ و١٠ حول الأسرة والطفولة، والمادة ١٣ حول التعليم، والمادة ١٥ حول الرعاية الصحية، والمادة ١٨ حول الملكية الخاصة، والمادة ٢٤ حول العدالة، والمادة ٢٩ حول المساواة، والمادة ٣١ حول الكرامة الإنسانية ومنع التعذيب.

إلا أن الإشكالية تكمن في طرح السؤال التالي: ما هو مدى إلزامية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للدول الأعضاء في الأمم المتحدة- أي القيمة القانونية لهذا الإعلان؟

اعتبر المشاركون في تحرير الإعلان ومعظم فقهاء القانون الدولي آنذاك أن هذا النص مجرد إعلان مبادئ أخلاقية تسترشد بها الدول عند وضعها لدساتيرها، وغير ملزم من الناحية القانونية، ففي هذا السياق كتب Joseph L. Kunz  أن الإعلان تأثير أخلاقي لا غير ولا يمكن أن يكون ملزمًا على المستوى القانوني، كما دافعت ممثلة الولايات المتحدة الأمريكية Eleanor Roosevelt عن فكرة أن حصول توافق على الإعلان لن يكون ممكنًا إلا حول نص غير ملزم للدول.

ومن جهته يرى Manuel diez de Velasco أن “أهمية الإعلان العالمي تكمن في تأثيره الكبير على دساتير ما بعد الحرب وعلى الرأي العام الدولي”، أما Jorge Castaneda فيعبر عن الرأي السائد عند اعتماد الإعلان بقوله: “إن الرأي السائد هو أن أغلبية الأعضاء المتدخلين في صياغته لم تكن لديهم نية وضع وثيقة ملزمة، أي وضع على عاتق الدول مسؤولية الالتزام القانوني باحترام وضمان الحقوق المتضمنة في الإعلان، بحيث أن الدول التي سوف تنتهكها ستضع مسؤوليتها في الميزان" (مولود خطابي، القيمة القانونية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هيسبرس)، وكانت هذه الآراء في بدايات عهد هذا الإعلان، إلا أنه مع تطور الزمن تغيرت المواقف مع تطور الرؤى حول نظم الحكم ودور الشعوب فيها وحقوقهم.

ولعل هذه الأوراق القليلة غير كافية للتفصيل في هذا الصدد، لكن باختصار اعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فيما بعد مرجعا قانونيا أساسيا في الأمم المتحدة، وهو مصدر للمبادئ العامة لقانون الوظيفة العمومية للأمم المتحدة، وكان لتقارير الاستعراض الدوري الشامل في مجلس حقوق الإنسان دورًا مهمًا في دعم قضايا حقوقية في الدول، وإن كانت في كثير من الأحيان شكلية لا ترقى إلى مستوى التطبيق مع ارتقائها إلى مستوى التقنين، لكن المشكلة في العالمين العربي والإسلامي تكمن غالبا في تطبيق القانون، أي كما قلنا في المقدمة في العدالة الإجرائية.

إلا أن إلزامات الفضاء السياسي، إلى جانب ضرورات العديد من الأنظمة التي تتعارض كثيرًا مع خيارات الشعوب، تعارضت مع هذا الإعلان ومع نشاط المنظمات الحقوقية، وأَخّرَت كثيرًا تحقيق العدالة الإجرائية وتحويل القوانين لمجرد حبر على ورق كدساتير في كثير من الدول، لأن التقنين في الفضاء الحقوقي يُجَمّل شكل الدولة في المجتمع الدولي، حتى لو غاب التطبيق لهذه القوانين والعدالة الإجرائية واقعيًا، وتحول ملف حقوق الإنسان لوسيلة غالبًا سياسية للمساومة على تحقيق مصالح الدول المُتَنَفِّعَة. إن الكويت من الدول التي وقعت على اتفاقية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهو توقيع يضع على عاتفها مسؤولية التعامل مع ملف البدون بالاتجاه الإيجابي للحل.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
عرض المزيد