dark_mode
  • الإثنين ٢٥ / أكتوبر / ٢٠٢١
البدون بين حقائقَ عشر ووهمٍ مؤكد - د. غانم النجار

البدون بين حقائقَ عشر ووهمٍ مؤكد - د. غانم النجار

في قضية البدون ما هو مؤكد وواضح ولا جدال فيه وفيها ما هو مثير للجدل وقابل للنقاش. هناك عشرُ حقائق وربما أكثر، ووهمٌ رئيسيٌ واحد.

١) الحقيقة الأولى هي أن القضية ليست صنيعة البدون أنفسهم، بل صنيعة حكومة متهتكة غير قادرة على حل المشاكل، تسعى إلى تعقيدها، بدلًا من حلها، وأن البدون يمثلون واقعًا اجتماعيًا ثابتًا راسخًا لا ظاهرة طارئة عابرة، ولا بد لأي حل أن يتعامل معهم على هذا الأساس بوصفهم مكونا مجتمعيا أصيلا.

٢) الحقيقة الثانية هي أنه وعلى مدار مدة طويلة من الزمن تم إدماج البدون في المجتمع عبر ممارسة سياسة الأمر الواقع، كما كان عبر التشريع واللوائح والنظم، ولم يكن هناك اعتراض من السلطة أو من الشعب بل تشجيع على الإدماج والاندماج، وكانت معاملة البدون عبر تلك الفترة هي معاملة الكويتي ذاتها وينقصها الجنسية.

٣) الحقيقة الثالثة هي أن التعليم، وهو الأساس في الحراك الاجتماعي، كان مفتوحًا ومتاحًا للبدون مثلهم مثل الكويتيين حتى أواخر الثمانينيات، ولم يقتصر على قبولهم في التعليم العالي مثل جامعة الكويت ومعاهد التطبيقي فحسب، بل كان البدون يحصلون على بعثات حكومية للخارج، وهي سياسة منطقية، عندما كان للمنطق حضور في المجتمع، كما أنها سياسة إنسانية، عندما كان للإنسانية وجود بيننا، بل ثبت بالدليل القاطع بأنها كانت سياسة مفيدة، حيث أسهم البدون المتعلمون في رفد المجتمع بخبراتهم وعطائهم وتفانيهم، وبرز ذلك بشكل جلي في حقبة الغزو.

٤) الحقيقة الرابعة هي أن عددًا كبيرًا من البدون تم توظيفهم في الأجهزة الأمنية وبالذات الجيش والشرطة، وبلغت نسبتهم في الجيش قبل الغزو مباشرة ٨٠٪ من منتسبيه تقريبًا، وهي نسبة تفوق نسبتهم في المجتمع، وتدل على الثقة العالية التي كان يوليها النظام لأفراد البدون. وكدليل على مزيد الثقة، نجد أنه حين تعرض الشيخ جابر الأحمد رحمه الله للمحاولة الغادرة للاغتيال، اتضح أن أفرادًا من البدون كانوا ضمن الحرس الشخصي لصاحب السمو، كما كانوا في قوة الحماية لقصر دسمان- مقر إقامة صاحب السمو حين الغزو. وغير ذلك كثير من الأدلة التي تثبت أن كم الثقة التي وُضعت في البدون كانت عالية، ولم تبدر أي بوادر تستدعي سحب تلك الثقة.

٥) الحقيقة الخامسة هي أن محاولات الإدماج الصادقة والحريصة على استقرار الوطن لم تكن مجرد شعارات، بل رافق ذلك تعديل لقانون الجنسية يشجع البدون على التجنس وفقًا لمعيار التعليم. حيث تم خلال مجلس ١٩٧١ إضافة فقرة جديدة للمادة الخامسة من المرسوم ١٥|١٩٥٩ بقانون الجنسية، بقانون رقم ٤١|١٩٧٢ في ١٠ يوليو ١٩٧٢ بإضافة "مادة أولى ثالثًا" بالنص التالي: ”من ولد في الكويت، وحافظ على إقامته العادية فيها حتى بلوغه سن الرشد، بشرط أن يكون قد درس في مدارسها، حتى إتمام الدراسة الثانوية، وأن يكون محمود السيرة حسن السمعة، وألا يكون منتميا الى جنسية اخرى“، أي أن التعديل كان خاصًا بالبدون. وقد حصل على الجنسية بموجب هذا القانون عدد كبير من البدون. وتتجلى نجاعة هذا القانون، في بُعديه الإنساني والواقعي، في تشجيع البدون على التجنس عن طريق التعليم، حين كانت شهادة الثانوية العامة- حينذاك- شهادة مهمة. إلا أنه وفي ظل غياب مجلس الأمة، وتعليق الدستور، وانفراد السلطة التنفيذية بالقرار، تم إلغاء هذا القانون بقانون رقم ١٠٠|١٩٨٠ بتاريخ ٢٠ ديسمبر ١٩٨٠، وكان مبرر الحكومة للإلغاء ”وجود أضرار ترتبت على التطبيق، ومن ثم إحالة من كانت تنطبق عليهم المادة الملغية الى المادة ٤ بعد تعديلها“. وبالتالي، يصبح القول بأن مشكلة البدون تتعلق ببشر ألقوا بجوازاتهم في الصحراء للاستفادة من مميزات الجنسية الكويتية، كما أعلنت الحكومة في تقاريرها المتواصلة والمقدمة في ٢٠١٠ و٢٠١٥ و٢٠٢٠ للاستعراض الدوري الشامل في جنيف، كلامًا مرسلًا، بل باطلًا ولا أساس له.

٦) الحقيقة السادسة هي أنه ومنذ البدء بالإجراءات غير الإنسانية، بعد عام ١٩٨٦، بهدف معلن هو الضغط على البدون لإظهار جوازاتهم المخفية، فإن تلك الإجراءات، حتى وإن أبدت شكليًا استهدافها المجتمع  البدوني، فإنها في واقع الأمر تستهدف المجتمع كله، حيث سيتم تطبيقها على المجتمع كله إن عاجلًا أو آجلًا، فإجراءات التضييق التي تطبقها الحكومة على البدون يتم تصنيفها بأنها انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، كالحق في العمل، والحق في التعليم، والحق في التعبير، والحق في التنظيم، والحق في الجنسية، والحق في الزواج، والحق في الميلاد، والحق في التجمع السلمي، والحق في التنقل، وهي كما نلاحظ تتم ممارستها على الجميع دون استثناء.

 ٧) أما الحقيقة السابعة فهي أن ”الحراك البدوني“، الذي بدأ في ٢٠١١، كان عنصرًا فاعلًا في تحريك القضية، وكان تطورًا لحراك المجتمع المدني الكويتي، اتساقًا مع الندوة التاريخية الجماهيرية، والتي كنت مسؤولًا عنها، بتنظيم جمعية حقوق الإنسان وجمعية الخريجين، والتي تحدث فيها البدون أنفسهم، للمرة الأولى للفضاء العام، وكانت بعنوان ”البدون يتحدثون“، وحضرها أكثر من خمسة آلاف إنسان في نوفمبر ٢٠٠٦، كما حضرها عدد كبير من نواب مجلس الأمة، فجاء الحراك البدوني في تيماء والصليبية، منطقيًا، ومعبرًا عن ردود فعل على الحالة المأساوية التي يمر فيها البدون، ليشكل عنصرًا ضاغطًا على السلطة مما اضطرها أن تعلن وللمرة الأولى عن وجود ٣٥ ألف ملف للبدون في إحصاء ١٩٦٥، مما يسقط الادعاءات بأن البدون طارئون . فكان أن ردت السلطة بعنف وقسوة ضد البدون، لم يكن لهما داع وبالذات ما جرى حينها في تيماء، حين كان التحرك سلميًا، وقد تجاوبت وزارة الداخلية في بداية الأمر مع دعوات بعدم استخدام العنف، إلا أن ذلك الفعل الإيجابي لم يتجاوز المرتين، ثم تم استخدام العنف والقسوة من دون مبرر.

٨)  الحقيقة الثامنة هي أنه اتضح أن الاستمرار في التضييق على حق البدون في التنقل كان يحقق فوائد مادية غير مشروعة لبعض المسؤولين عن ملفات البدون، سواء عن طريق بيع الجوازات المزورة، أو تسهيل بعض الشهادات بمقابل مادي، أو مشاريع أكبر- فشلت في مهدها- لشراء جوازات من دول أخرى بمبالغ تتجاوز مئات الملايين تدفعها الدولة.  وكان آخر أشكال ذلك الاستغلال ما ظهر في التقرير الأمريكي، منسوبًا إلى وزارة الداخلية، باستلام مسؤول مبالغ طائلة تجاوزت الخمسين مليون دينار لإصدار جواز سفر. ويعني ذلك أن التضييق على البدون يأتي بمنفعة مادية مباشرة على بعض المسؤولين المعنيين بتلك الملفات. 

 ٩) أما الحقيقة التاسعة فهي أنه صار في حكم  المؤكد بأن البدون، أو أي تسميات أخرى، لا يمكن أن يزيد عددهم عما هو معروف، فلا مكان لمدّع جديد للبدونية، وهي حجة عادة ما تستخدم ضد الحلول المطروحة.  وقد أصبح ذلك واضحًا من مأساة الجوازات المزورة التي صنعتها وشجعتها أجهزة حكومية، وربما استفاد منها بعض المسؤولين، فجرى تشجيع البدون على شراء جوازات مزورة، وتم السماح لمكاتب أجنبية بدخول الكويت، والإعلان عن بيعها الجوازات، بمعرفة السلطات الأمنية، ثم يتم منحها إقامة رسمية مع علم السلطات بأنها جوازات مزورة. وعندما انتهت مدة تلك الجوازات، ورفضت الدول المعنية تجديدها، وأصدرت الشهادات التي تفيد بأن الجوازات مزورة، نفضت الأجهزة الأمنية الكويتية وبالتالي الحكومة يدها، ورفضت إعادة قيدهم في سجلات البدون التي كانوا فيها بمعرفة الحكومة. فمسألة ادعاء البدونية غير ممكنة إن لم تكن مستحيلة.

١٠) أما الحقيقة العاشرة فهي أن قضية البدون صارت تمثل إزعاجًا دوليًا للكويت في المحافل الخارجية على مستوياتها كافة، من دول أو منظمات دولية غير حكومية ومجتمع مدني، وربما أكثرها تركيزًا هو الاستعراض الدوري الشامل لمجلس حقوق الإنسان في جنيف والذي يتم فيه تقديم توصيات تطالب الكويت بحل قضايا تخالف فيها الكويت معايير حقوق الإنسان، ودائما تأتي قضية البدون في مقدمة القضايا المطروحة على الكويت على الرغم من أن كل ذلك الضغط الخارجي بالإمكان أن ينتهي بحل القضية بشكل نهائي.

الشاهد أن تهميش البدون، وعزلهم اجتماعيًا، والضغط عليهم، وحرمانهم من أبسط حقوقهم، في وقت عجزت فيه الحكومة عن الحل، مستمرةً بالترقيع وإرضاء الطرف الأقوى في المجتمع، واستمراء الضغط والتضييق على البدون على أساس أنهم الفئة الأضعف، وأن الأقوى يأكل الأضعف، لن يؤدي إلا إلى مزيد من المعاناة والأذى للمجتمع كله وليس البدون فحسب. مما يوصلنا إلى الوهم الأساسي في قضية البدون، وهو أنه من الممكن حل قضية البدون بتجاهلها، أو أن حلها يكون بالرهان على الزمن، أو أنها ستحل نفسها بطريقة سحرية، أو بترحيل البدون.

إن من يتصور ذلك، إنما يعيش في وهم كبير، ستكون نتائجه كارثية، لا على المجتمع البدوني فحسب، بل على المجتمع برمته.

وختامًا نؤكد على أن فرصة الحل موجودة وممكنة وقابلة للتنفيذ وستكون نتائجها خيرًا وبركة على المجتمع ككل بما في ذلك المجتمع البدوني كجزء أساسي من المجتمع الكويتي.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد