dark_mode
  • الأحد ٠٤ / ديسمبر / ٢٠٢٢

"كشخة" حقوق الإنسان! – جهاد محمد

ثمة تسطيح ساذج لمفهوم "حقوق الإنسان" البدون في الكويت، عبر اختزال هذا الأمر بأكياس الغذاء وحملات كسوة الشتاء، وهو الأمر الذي يعكس خلطًا سافرًا بين حقوق المواطنة الكاملة والحاجة المعيشية، مصورًا البدون إياهم بمجموعة فقراء أولى بمعروف الإحسان إليهم بالصدقة والزكاة، حتى أصبح المشهد الخيري مؤخرًا شكلًا من أشكال "العمل التجاري" وفق نموذج "الفاشن" لعارضي قنوات التواصل الاجتماعي، ولك في الموقع الإلكتروني للجهاز المركزي للبدون خير مثالٍ على هذا التبجح المقيت للمفهوم الإنساني الشامل بإدراج أسماء وشعارات الجمعيات الخيرية التي تسمح أنظمتها الداخلية بقبول "استجداء" البدون!

لم تعد جمعيات النفع العام رديفًا شعبيًا للبرلمان أو مصدرًا من مصادر تشكيل "لوبيات" ضغط سياسي أو مجتمعي، ويعلل القائمون عليها قلة تأثيرها على المشهد الكويتي بظهور مواقع التواصل الاجتماعي، وبخلاف إدانة أنفسهم بتقصيرهم بهذا الجانب وعدم مقدرتهم على فهم العلاقة الطردية بين الأرض والورق (المشاهدات والتقارير) في العمل الحقوقي، فجمعية حقوق الإنسان أصبح تركيز أعضائها على انتخاباتها أهم بكثير من العمل المنوط بهم، أما ديوان حقوق الإنسان المشهر بقانون عام ٢٠١٥ فهو بمثابة ذر الرماد الحكومي بأعين الهيئات الدولية ذات الصلة، فضلًا عن إبقاء بعض أعضائها المختارين حكوميًا ضمن متلازمة "برستيج" المناصب التي يعانون منها.
سنويًا، تقدم المنظمات الإنسانية الدولية العديد من تقارير الإحاطة للبدون، تصل بعضها لنقاشات محتدمة مع ممثلي الحكومة الكويتية، في حين أن جمعية حقوق الإنسان بآخر تقاريرها بهذا الصدد في الخامس من مايو ٢٠١٩ قدمت تقريرًا "ناعمًا" دون معرفة كاتبيه بأبسط قواعد التفريق بين اللغتين الحقوقية والأكاديمية؛ حيث اهتموا بإخراج الكتاب تحريريًا أكثر منه مضمونًا، مستعينين بديباجة جاء في فقرتها الأخيرة أن جمعية حقوق الإنسان الكويتية تعمل جنبًا إلى جنب مع الحكومة! فكم كان حريًا بجمعية حقوقية كهذه أن تنصب نفسها جهةً مجتمعيةً تعمل على تصويب العثرات الحكومية لا أن تدعمها كتفا إلى كتف في تضخيم مصاب البدون الجلل، فضلًا عن بقية فقرات افتتاحيتهم التي تحدثت عن المكانة الرفيعة للكويت في "سماء الإنسانية العالمية" مسقطين أنفسهم بأنفسهم في فخ عنوان الإصدار الجميل شكلًا والفقير نصًا: البدون هوامش في بلد الإنسانية.
أما ديوان حقوق الإنسان، فما عليك إلا النظر في كيفية تعاطيه مع خبر انتحار شاب بدون في مخفر الوفرة شهر ديسمبر الماضي لترى أنه منسلخٌ عن الواقع تمامًا على الرغم من اشتراطات تعيين أعضائه التي نص أحدها على عملهم بمجال حقوق الإنسان لثلاث سنوات. يقول رئيس لجنة الشكاوي والتظلمات في الديوان المحامي علي البغلي- وهو بالمناسبة برلماني ووزير سابق- في تصريح صحافي بجريدة الأنباء أنه طلب من وزارة الداخلية- الجهة المسؤولة عن انتحار الشاب البدون- معلومات عن الحادثة ونتائج التحقيق فيها حتى يتنسى للديوان عمل ما يلزم.
هذا الديوان الذي وُلد "كهلًا" يعجز أعضاؤه حتى عن ممارسة أبسط أدواره في البحث عن الحقيقة الكاملة لانتحار شاب. هذا ديوان لا يُنتظر سماع شيء منه أو عنه سوى عام ٢٠٢٢ عندما يحين موعد تجديد أعضائه.
لن نذهب بعيدًا في الأمثلة، انظر فقط في تحولات الأيام الأخيرة لدول المنطقة في التعاطي مع الملفات الإنسانية سيئة السمعة، ومحاولاتها ترتيب الأوراق مع بداية التحول العالمي المنتظر قيادته من قبل الإدارة الأمريكية الجديدة. سيكون إنشاء هيئات "خرساء" أمر غير كاف لغض البصر عن بعض القضايا المصيرية في السجل الكويتي في مجال الحقوق الإنسان محليًا، بدءًا بالبدون وليس انتهاءً ببعض القضايا الحقوقية مثل العمالة الوافدة والاتجار بالبشر، حتى لو ظلت الآلة الإعلامية تطنطن ليل نهار بالسجل الحافل للمساعدات المعيشية في الخارج، لن ينفع حينها تصريح مبتذل لعضو جمعية حقوقية، ولن يسمع العالم الإيضاحات الكويتية الرسمية كالتي جاءت في التقرير الحكومي أغسطس ٢٠١٧ ردًا على ملاحظات لجنة حقوق الإنسان الدولية- الفقرة٤-: "يتم منح بطاقات تموينية للبدون تشمل على الازر والسكر والزيت والدجاج ومعجون الطماطم والعدس"، فالعالم يفرق جيدًا بين أكياس العدس الحكومي وكراتين معجون طماطمها، وبين انتحار شاب احتجاجًا على سلب حقوقه المدنية كاملةً، واذهبوا هذه المرة إلى المثال الأكثر قوةً ونفوذًا في العالم، عندما استجابت الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها العالم كله كما فعل رجل الأمن الجاثم على عنق جورج فلويد.
حتى لا تحوّل "كشخة" المنصب الحقوقي في جمعية أو ديوان صاحبَها إلى شيطان أخرس يمارس بين العام والآخر أضعف الإيمان قولًا لا فعلًا، وقبل أن ينتظر هو وزملاؤه المعونات الحكومية السنوية، لا بد من دور أكبر للمجتمع المدني في العمل على عودة الحياة لمباني هذه الجمعيات قبل الأشخاص المتواجدين فيها... فالتاريخ لم يذكر قط أن عاد ميتٌ إلى الحياة.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد