dark_mode
  • الأربعاء ٢٢ / سبتمبر / ٢٠٢١
تاريخ قضية تعليم البدون في الكويت - أحمد السويط

تاريخ قضية تعليم البدون في الكويت - أحمد السويط

مقدّمة

عندما علمت بفاجعة انتحار الطفل البدون (علي) يوم الثلاثاء الموافق 23 فبراير2021، بدأت أتساءل مذهولاً: كيف يمكن أن يقدم طفلٌ لم يبلغ الثانية عشرة من عمره على الانتحار؟ ولكن سرعان ما داهمتني ذكريات من طفولتي عن أحداثٍ حاولت فيها إيذاء نفسي احتجاجًا على الأوضاع المعيشية التي فُرضت عليَّ أنا وأمثالي من أطفال البدون في الكويت، لا سيما الحرمان من التعليم. لقد جلب إلي رحيل علي الفاجع تجارب أليمة نبشت جرحًا عميقًا سيظل يذكرني بقبح المجتمع الذي يختزل الانتماء والمواطنة في ورقة تُمنح وتُمنع بحسب مزاج طبقة اجتماعية مرفّهة لا تستقبح أن تتضمن ممارساتها السياسية العنصرية حرمان طفل من التعليم ولو أدّى ذلك إلى انتحار الطفل أو تدمير المجتمع. لتسليط الضوء على قضية تعليم البدون في الكويت من رحم المعاناة، سأبني على تجارب مررت بها في مراحل مختلفة من عمري بصفتي أحد أبناء فئة البدون وباحث في تاريخ قضية البدون لا سيما فيما يتعلق بحرمانهم من التعليم وعرقلة تعليمهم وتنميتهم الفكرية. أمّا الآن فسأبدأ مع قصة مواجهتي الأولى مع الإقصاء الاجتماعي والحرمان من التعليم.

مواجهتي الأولى مع حرمان البدون من التعليم

عندما سمعت خبر انتحار علي، كنت للتو قد أنهيت إحدى جلسات الاستشارات النفسية التي أتلقّاها في المملكة المتحدة لما أمرّ به من أعراض انسحاب للمعاناة التي عشتها على مدى خمسة وثلاثين عاماً في الكويت، لا سيما بسبب الحرمان من التعليم في مراحل مختلفة من عمري. ورغم أن المستشارة النفسية التي تشرف على حالتي منذ بداية جائحة كورونا قد ساعدتني في الحديث عن ذكريات مؤلمة كثيرة، إلا أن خبر انتحار الطفل أثار أكثر الذكريات إيلامًا، ألا وهي المواجهة الأولى بيني وبين الإقصاء الاجتماعي الممنهج ضد البدون وحرمانهم من التعليم والتنمية الفكرية. كان ذلك في أواخر شهر سبتمبر عام 1992، حيث ذهبت أنا ووالدتي وأخي الأصغر -سيرًا على الأقدام- للتسجيل في مدرسة أهلية خاصة في منطقة الفحيحيل، وكان قد مضى على بدء الدراسة أكثر من أسبوع. لم تكن المسافة التي قطعناها في طريقنا إلى المدرسة طويلة، حيث لم تكن تبعد سوى ميلين عن الحي الذي كنّا نسكن فيه على امتداد ’شارع البدويّة‘ الذي كان يفصل بين بنايات استثمارية يسكنها غير المواطنين من جانب وبيوت حكومية وقسائم يسكنها المواطنون من جانب آخر، ولكن العودة إلى المنزل كانت صعبة وقاسية، حيث أن إدارة المدرسة رفضت تسجيلنا أنا وأخي الأصغر للدراسة؛ أولاً لأننا لم نمتلك بطاقات مدنية، وثانياً لأن والدتي لم تمتلك المبلغ الذي اشترطت إدارة المدرسة أن ندفعه كوننا كنّا متأخرين عن بدء الدراسة، حيث طلب قسم المحاسبة من والدتي أن تدفع مبلغ التسجيل والدفعة الأولى عني أنا وأخي كوننا متأخرين، ولم تتمكن والدتي من ذلك.

كانت تلك تجربتي الأولى مع الحرمان من التعليم، ولكنها لم تكن الأخيرة، وقد بلغ أثرها درجة أنني حاولت الانتحار احتجاجًا على الإحباط والغبن اللذين مررت بهما حينئذ، فبعد كل البكاء الذي بكيته قبل بداية العام الدراسي من أجل الحقيبة المدرسية التي ملأتني رائحتها شوقًا للدراسة، وبعد النحيب في الأيام التي فاتتني من العام الدراسي، تلك التي كنت أجلس فيها على الشباك في الصباح الباكر أشاهد أبناء الجيران من الجهة المقابلة من الشارع ينتظرون باصات المدارس بزيهم المدرسي، أو يركبون سيارات أهاليهم متوجهين إلى المدارس، وبعد أن وصلنا أنا ووالدتي وأخي أخيرًا إلى المدرسة، ورأيت بعض الأولاد يمارسون الرياضة في حصة التربية البدنية، جاء رد المدرسة بالرفض، لنرجع أنا وأخي ووالدتي محبطين.

لا أعلم كيف كانت مشاعر أخي وأمي عندما رفضت المدرسة السماح لنا بالدراسة، أو ما كان يدور في ذهنيهما، ولكنّي أتذكر جيدًا كيف جنّ جنوني وكأن أحدًا اقتلع روحي وتركها في المدرسة ثم ألقى بجسدي خارج أسوارها. كنت أبكي بحالة هستيرية، ألقي بجسدي على التراب تارةً، وتارةً أركض باتجاه الشارع العام، صارخًا بأمي "إذا ما دخلتيني المدرسة راح أنام بالشارع وأخلي السيارات تدعمني". كم أشعر بالذنب الآن كلما تذكرت أنني في طفولتي كنت أضغط على والدتي وأحمّلها وزر حرماني من التعليم، رغم أنها بريئة من ذلك براءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب.

أمّا الآن وبعد أن وصلت إلى مرحلة دراسة الدكتوراة وبدأت البحث في قضية البدون بشكل منهجي، أتمنى أن يمكّنني هذا المقال من أن أوضّح بعض ملابسات قضية تعليم البدون في الكويت بوضع القضية في سياقها التاريخي الذي لا يمكن فصله عن الممارسات السياسية التي تستهدف تعليم البدون في الكويت منذ عقود من الزمن، وللتصدي للموضوع بشكل منهجي سوف أحاول الحديث حول الأسئلة التالية: ما هي الجذور التاريخية لقضية تعليم البدون في الكويت؟ كيف تتم عرقلة تعليم البدون في الكويت؟ ما هي الدلالات والآثار السياسية والاجتماعية المرتبطة بعرقلة تعليم البدون؟ أما الآن فنبدأ مع السؤال الأول.

ما هي الجذور التاريخية لقضية تعليم البدون في الكويت؟

مرّت قضية تعليم البدون في الكويت بمراحل مختلفة شكلّت ملامحها منعطفات تاريخية تخللتها ممارسات سياسية وقرارات حكومية انعكست آثارها سلبًا على الواقع الاجتماعي الذي يعيشه البدون. وقبل التطرق إلى الممارسات المستخدمة في عرقلة تعليم البدون، والدلالات والآثار السياسية والاجتماعية المرتبطة بعرقلة تعليم فئة اجتماعية كاملة، لا بد من البدء بلمحة مختصرة عن مراحل حرمان البدون من التعليم وعرقلة المسيرة العلمية لمن تمكّن منهم من بعض التحصيل العلمي.

يعتقد الكثير أن ظاهرة حرمان البدون من التعليم نشأت منذ تبني الدولة وثيقة 1986 ’السرّية‘ التي نصت على التضييق على البدون في الكويت وتحويلهم من سكان بادية الكويت عديمي الجنسية إلى ’مقيمين بصورة غير قانونية‘، ولكن الأدلّة التاريخية تشير إلى أن حرمان البدون من التعليم وعرقلة تنميتهم العلمية والاجتماعية أعمق بكثير، فعلى سبيل المثال تظهر مقابلة لتلفزيون دولة الكويت تعود إلى سبعينيات القرن الماضي أطفالًا من البدون يلعبون في الشارع وقت الدوام الرسمي للمدارس، وذلك بسبب إقصائهم من التعليم بشكل أو بآخر، وعندما تسأل مراسلة التلفزيون بعض الأطفال عن سبب تواجدهم في الشارع بدلاً من المدرسة، يعبّر الأطفال عن تعرّضهم للتمييز في التعليم بسبب عدم امتلاكهم شهادات ميلاد أو جنسية، ويسلطون الضوء على دور الظروف الاجتماعية المفروضة على البدون في عرقلة مسيرتهم التعليمية. وتكشف ردود أحد الأطفال على أسئلة المراسلة عن أسباب إحباطه من التعليم كما يلي:

المراسلة: ليش الصبح أشوفك بّرا منت بمدرسة؟

الطفل: أنا كنت أدرس صباحي بس بعدين حوّلت مسائي

المراسلة: ليش حولت مسائي؟

الطفل: صارت ظروف... يعني أدور وظيفة

المراسلة: ليش ادّوّر وظيفة؟

الطفل: ... مافي أحد بالبيت غيري... والوالد طايح شايب

المراسلة: زين الحين منو يكد عليكم عيل؟

الطفل: الوالد الحين

المراسلة: الوالد تقول شايب؟

الطفل: إي شايب يشتغل حرس أسواق

المراسلة: وأنت تفكر تطلع من المدرسة عشان تكد عالبيت؟

الطفل: إي والله ... عشان حنّا مالنا مستقبل بالدراسة

المراسلة: ليش ما لكم مستقبل بالدراسة؟

الطفل: ما في جنسية ... وايد من الربع خلصو رابعة ثانوي طايحين الحين ولّا شرطة ولّا جيش

المراسلة: ما فيها شي يعني بالجيش والشرطة...إنما يعني انت ودك في وظيفة أخرى يعني؟

الطفل: إي والله الصراحة يعني ودنا بوظايف ثانية بس ما صاح بدينا شي

المراسلة: يعني ودك بوظائف بس مو صاح بادينِك؟

الطفل: إي

المراسلة: وودك يعني ... تتمكن من العمل أكثر ...موجذي؟

الطفل: إي والله

كما تشير كلمات الطفل البسيطة فإن قضية تعليم البدون لا تقتصر على القوانين التي تحرمهم مباشرة من التعليم، بل إنها مرتبطة بعوامل سياسية واجتماعية واقتصادية فُرضت عليهم منذ إقصائهم من حق المواطنة في ’الدولة المدنية‘ بدءًا من عام 1960، واستقطابهم للعمل في القطاع العسكري، بل واستغلالهم فيه، حيث أن العسكري البدون لم يكن يوما كغيره من العسكريين فيما يتعلق بالحقوق والامتيازات، لا سيما من ناحية التطور المهني، فلا يحصل العسكري البدون على ترقيات أعلى من ’وكيل ضابط‘ مهما بلغت كفاءته أو درجته العلمية أو مدّة خدمته. ولعل المعنى الذي يريد الطفل إيصاله عندما يربط سبب إحباطه من التعليم بكون مستقبل البدون بعد الدراسة لا يتجاوز ’إمّا جندي أو شرطي‘ هو أنه كانت هناك عوامل غير مباشرة تعمل على عرقلة تعليم البدون إلى جانب الحرمان المباشر بقوّة القانون. ولعل استقطاب أبناء فئة اجتماعية معينة بذاتها في القطاع العسكري وخلق ظروف تحول دون تطورهم علميًا أو مهنيًا يعكس معضلة لم يستطع المسؤولون التعامل معها في مراحل تأسيس الدولة إلّا بالتضحية بمكون اجتماعي كامل وتحويلهم أو الإبقاء عليهم كبدون حتى لا يعزفوا عن العمل العسكري الذي لن يجدوا بديلاً عنه في حال الإبقاء عليهم كبدون، أي أنه ربما كانت الحاجة إلى خلق فئة مهمّشة تضطر للعمل وسد الفراغ في القطاع العسكري مسوغًا كافيًا (في نظر السلطة السياسية) لحرمان شريحة معينة من حق المواطنة. وهنا تتبادر إلى الذهن مجموعة التناقضات والمفارقات التي تعكسها تسمية مجموعة من الناس ’بدون‘ أو ’مقيمين بصورة غير قانونية‘ على الرغم من أنهم جزء لا يتجزأ من الأساس الذي قامت عليه سيادة الدولة على حدودها الجغرافية (لا سيما في البادية الشمالية والشمالية الغربية) منذ العشرينيات، وعودة شرعيتها بعد الغزو العراقي عام 1990، كما أنهم جزء من القوة البشرية التي ركبت الخيل ودافعت عن الكويت وأهلها قبل قيام الدولة المدنية  (لا سيما في معركة الصريف)، ولم تتردد عن قيادة الدبابات في الحرب دفاعًا عن الوطن في أوقات لم يكن يُسمح لهم باستخراج رخص قيادة السيارات.

 وفي نفس المقابلة يوضّح الطفل أشكالًا أخرى من التمييز المؤسسي والاجتماعي ضد البدون، حيث يتم حرمان أطفالهم الذين لم يبلغوا السادسة من العمر من الالتحاق بتعليم الصغار (رياض الأطفال) الذي كان متاحًا لغيرهم، محذراً من آثار ذلك الحرمان على الأطفال الذين يلجؤون إلى اللعب في الشارع نتيجة الفراغ، مما يعرّض حياتهم للخطر لا سيما وسط إهمال البنى التحتية للطرق وعدم تنظيم المرور واستهتار بعض قائدي المركبات في الأحياء التي يسكنونها، وليت الحكومة أصغت إلى نداء هذا الطفل قبل أن يتعرض أخي (ضاحي) للدهس أمام منزل أسرتي في إحدى المناطق الشعبية المهملة عام 1978، حيث أزهقت روحه البريئة قبل أن يكمل السابعة من عمره شاحنة نقل مياه دلّت طريقها إلى الأحياء الفقيرة نتيجة إهمال الدولة للبُنى التحتية، وحيث لم تجد الشاحنة قانونًا ينظم سيرها ويمنعها من دهس أطفال المهمّشين.

لم يكن شقيقي (ضاحي) الضحية الأولى لقضية حرمان البدون من التعليم والتهميش الاجتماعي، فقد فقدت أسرتي عام 1993 شقيقي الآخر (مطر) الذي مات غرقًا في البحر حيث اضطر أن يعمل بعدما تم حرمانه من التعليم العالي وبعد الاضطهاد الذي واجهه من بعض موظفي وزارة الداخلية والتجارة والبلدية (اللجنة الثلاثية) الذين اعتقلوه بسبب عمله في كراج سيارات في منطقة الفحيحيل الصناعية ووضعوه في صندوق سيارة الشرطة الخلفي لإذلاله والتنكيل به فقط لأنه بدون. قرر مطر بعدها أن يعمل في مكان بعيد عن المضايقات الحكومية، وكإنسان بدون، فإن المكان الوحيد الذي عصمه من المضايقات الحكومية هو الموت. وإلى جانب مطر فقد تدمّر الكثير من أفراد أسرتي بسبب حرمانهم من (مواصلة) التعليم في زمنٍ يرتبط فيه التحصيل العلمي ليس فقط بفرص الحصول على العمل، بل بالمكانة الاجتماعية وفرص الزواج وتكوين الأسرة، وقد لا يخفى على أحد كيف أنه من دون هذه الفرص كثيرًا ما يجد الإنسان نفسه بلا قيمة أو هدف، وقد ينتهي به المطاف إلى الإقدام على إنهاء حياته كما فعلها الكثير من شباب البدون مثل بدر مرسال الفضلي وطلال الخليفي الذي أضرم النار في جسده في شهر ديسمبر الماضي.

إذاً فإن قضية تعليم البدون تعود إلى بداية العمل بقانون الجنسية الكويتي عام 1960، وليس كما يظن الكثيرون بأنها جاءت نتيجة سياسة التضييق على البدون بدءًا من عام 1986. وبالنسبة لآثار الحرمان من التعليم على الإنسان البدون وعرقلة تعليمه فلا تقتصر على الإحباط والتهميش بل تؤدي أحيانًا إلى الموت، وهذه الآثار تنتج عن ممارسات سياسية وقانونية من السذاجة أن لا يتم التعامل معها على أنها محسوبة وممنهجة لأسباب سنطّلع على بعضها الآن.

كيف تتم عرقلة تعليم البدون؟

بعد أن تخرّجت من الثانوية العامة بشقّ الأنفس (على حسابي الخاص)، بدأت مرحلة جديدة من الصراع من أجل إكمال تعليمي، وكان الصراع مع القوانين التي تمنع البدون من التعليم الجامعي والإحباط الذي عايشته بعدما رأيت أن مصير أشقائي وشقيقاتي الذين تخرجوا من الثانوية العامة يكون إمّا الغرق في البحر، أو البطالة والانهيار النفسي نتيجة الحرمان من فرص مواصلة التعليم أو العمل في بيئة آمنة. وبعد خمس سنوات من تخرجي من الثانوية العامة سنحت لي الفرصة لإكمال تعليمي الجامعي في إحدى الجامعات الخاصة، ورغم تفوقي وتخرجي بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، إلّا أن جامعة الكويت رفضت السماح لي بإكمال دراساتي العليا، مما اضطرني إلى مراسلة العديد من الجامعات العالمية بحثًا عن بعثة دراسية، وبالفعل حصلت على بعثة دراسية مدفوعة التكاليف بالكامل من إحدى الجامعات في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2015، ولكن قامت بعض الجهات الأمنية بعرقلة الأمر وسحب جواز سفري (مادة 17)، وتم استدعائي من قبل مكتب أمن الدولة في ’الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية‘، وتعرضت لتحقيق مكثّف من 4 ضباط لمدة ساعتين سألوني فيها عن أصول أسرتي وغيرها من التفاصيل التي لا أعلم ما صلتها بالدراسات العليا حتى الآن، كما أنني تعرضت لاتهامات ضمنية كان من بينها "شبينك وبين الأمريكان عشان يعطونك بعثة دراسية مدفوعة بالكامل؟"، وعند إصراري على استرجاع جواز سفري واستمراري بالمطالبة بحقي بالتعليم والسفر، تم وضع قيد أمني علي ومنعي من مواصلة دراستي لمدة 4 سنوات، ولم تُجدِ مع المسؤولين نداءات وجهتها منظمات حقوق إنسان دولية منها منظمة الكرامة واليونيسكو بشأن قضية حرماني من حقي في مواصلة تعليمي داخل أو خارج البلاد. وبعد أن حرمتني الجهات الأمنية تعسفياً من البدء بدراساتي العليا، أصبح إجمالي المدة التي ضاعت من حياتي العلمية والعملية بسبب الجهات الحكومية 11 سنة، اثنتان منهم قبل المرحلة الابتدائية وخمس بعد الثانوية وأربع بعد مرحلة البكالوريوس، ناهيك عن الخسائر المادية والمعنوية التي تبلغ أضعاف قيمة البعثة الدراسية التي حصلت عليها من الجامعة الأمريكية بشكل رسمي وفرص العمل والدخل التي كان من الممكن أن أكون قد حصلت عليها لولا قيام جهات حكومية بحرماني من التعليم تارة وعرقلة مواصلة تعليمي تارة أخرى.

إذًا فإن العراقيل التي يتم فرضها على الإنسان البدون لكي لا يتعلم أو لا يكمل تعليمه لا تقتصر على الجوانب القانونية والمادية بل تشمل ممارسات سياسية تبلغ في قسوتها أنها تجيّر الأجهزة الأمنية لترهيب وملاحقة طلبة العلم بدلًا من المجرمين وسرّاقي المال العام. أمّا الآن وخلال سنتين فقط من انتقالي للحياة في المملكة المتحدة، فقد تمكنت من إتمام دراسة الماجستير والبدء بدراسة الدكتوراة. لذلك رغم كل المساوئ التي قد تكون في وطني الجديد، إلّا أنني أستطيع أن أقول أنه يحترم الإنسان أكثر من وطني الأم الذي ومع شديد الأسف مارس بعض المسؤولين فيه علي وعلى مجتمع البدون بشكل عام أشكالًا من التعسف والاضطهاد ننتقل إلى الحديث عن بعض دلالاتها الآن.

ما هي الدلالات والآثار الاجتماعية والسياسية المرتبطة بعرقلة تعليم البدون؟

كما رأينا حتى الآن فإن قضية حرمان البدون من التعليم وعرقلة تعليمهم ليست طارئة بل تمتد إلى ما قبل سياسة التضييق على البدون التي تم العمل بها بشكل رسمي عام 1986، كما أن القضية مرتبطة بالضرورة بممارسات التهميش والاستغلال السياسي التي تطوّرت أشكالها وأدواتها، فبعد طرد أطفال البدون من المدارس الحكومية بدءًا من منتصف الثمانينيات من القرن الماضي لإيصال رسالة ’النفي الاجتماعي‘ لأسرهم، وبعد حرمان البدون من التعليم العالي بشكل كامل (في الفترة 1986-2002) لخلق جيل متأخر عن حركة التعليم والتغيير العالمي بحوالي عقدين من الزمن، انتهجت الدولة متمثلة بـ ’الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية‘ في السنوات العشر الأخيرة (منذ عام 2010) نهجًا جديدًا يدخل تعليم البدون كعاملٍ أساسيٍ في المعادلة السياسية، ويحوّله إلى أداة ضغط سياسية لابتزاز الطلبة البدون وأولياء أمورهم، وعلى رأسها وزارة التربية والتعليم، وبتواطؤ من بعض أعضاء السلطة التشريعية (شاهد ’النهج البرلمان- الحكومي تجاه قضية البدون في الكويت‘ في ’أن تكون بدونًا في الكويت أفضل من أن تكون مواطنًا في أي دولة في العالم‘) ووسائل الإعلام الرسمية التي طالما ساهمت في شرعنة تهميش البدون سواءً عن طريق تشوية صورتهم وشيطنتهم أو التعامل معهم ومع قضيتهم وكأنهم غير موجودين.

فبالإضافة إلى التمييز ضد البدون وحرمانهم من التعليم الحكومي، وقيام المؤسسات التعليمية الخاصة بامتهان كرامة الأطفال البدون وإخراجهم من الفصول أمام زملائهم ، وحرمانهم من الكتب الدراسية والخدمات التعليمية الأخرى (كالمنصات الإلكترونية للتعلم عن بعد) عند تأخر أولياء الأمور عن دفع الرسوم، يقوم الجهاز المركزي بالتحكم بتعليم البدون عن طريق اشتراط سريان مفعول البطاقة الأمنية كشرط أساسي للتسجيل في المؤسسات التعليمية أو الحصول على شهادات التخرج، وبنفس الوقت فإن الجهاز المركزي لا يصدر أو يجدد البطاقة الأمنية للبدون إلّا بعد إخضاعهم لإجراءات  استصدار هوية غير قانونية، وهي إجراءات لم تعد سرًا بالنسبة للمجتمع الكويتي أو المجتمع الدولي.

وهكذا فإن قضية حرمان البدون من التعليم وعرقلة تعليمهم تتصل بممارسات سياسية واقتصادية تضمنت أهدافها خلق فئة اجتماعية مهمّشة يتم استغلالها في قطاعات وظيفية معينة في مراحل معينة من بناء الدولة المدنية، وبعد انتفاء الحاجة للبدون (أو تقلصها)، أصبح تعليم البدون يستخدم كوسيلة ضغط لابتزازهم وإجبارهم على الرضوخ إمّا لمزيد من التهميش والإفقار المادي والمعنوي أو الاستسلام لسياسية ’تغيير الوضع‘ القسرية التي يراد منها تحويل البدون إلى ’أجانب قابلين للإبعاد’ عن وطنهم، بعد أن تم بالفعل تحويلهم إلى عديمي جنسية غرباء في وطنهم ما بين عامي 1965 و1985، ثم إلى ’مقيمين بصورة غير قانونية‘ منذ عام 1987. وأمام كل هذه الانتهاكات الممنهجة ضد فئة اجتماعية كاملة ولمدة عقود من الزمن، لا أعلم ماذا ينتظر المجتمع الكويتي حتى يتّخذ موقفًا جدّيًا تجاه ممارسات سياسية خطيرة قد تستهدفه يومًا ما، كما تم ويتم استخدام الحرمان من الجنسية وحق المواطنة كأداة ترهيب وابتزاز سياسية ضد الكثير من المواطنين.

هل تحتاج قضية البدون أكثر من شهادة رئيس مجلس الأمة واعتراف وزير التخطيط السابقين بأنه قد تمّ استغلال هوية البدون اقتصادياً وجيوسياسيًا منذ عام 1965 إلى عام 1985، أو تصريح مازن الجراح أن الدولة تمارس الضغط النفسي والاجتماعي على البدون منذ عام 1986؟ هل ننتظر فاجعة أعظم من انتحار الطفل البدون (علي) قبل أيام، أم استفزازًا أكثر من طرد أطفال البدون من منصات التعليم والمعلمين البدون من وظائفهم بعد أيام من فاجعة الطفل علي حتى نتعامل مع الممارسات التي تستهدف البدون والنتائج الفاجعة التي تنتج عنها والتي لا يقتصر ضررها على البدون أنفسهم بل على المجتمع الكويتي ومكانته الأخلاقية والإنسانية؟

وأخيراً وليس آخراً، أهدي هذه المقالة لروح أخي المرحوم مطر الذي علّمني القراءة والكتابة في المنزل عندما أغلقت المدارس أبوابها بوجه البدون. إنّما أكتب في ذكراه لكي أستنكر النظام الذي حرمه من التعليم العالي ودفعه إلى العمل في البحر حيث لفظ آخر أنفاسه وهو في الحادية والعشرين، ولكي تبقى قصته وقصتي شاهدتين على ضآلة الظلم مهما بلغ جبروته أمام سناء العِلم مهما بلغت بساطته.


بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد