dark_mode
  • السبت ١٩ / يونيو / ٢٠٢١
حين ينتحر طفل

حين ينتحر طفل "بدون"، من المسؤول؟ - د. فهد راشد المطيري

"دخل طفل في الحادية عشرة من عمره.. في غيبوبة بعدما عثر عليه مشنوقا.. ومُعلّقا على مشجب..".

هذه كانت أول جملة في خبر نُشر في "القبس" و"الأنباء" وغيرهما من صحفنا المحلية، لكن لا يذهب ذهن القارئ بعيدا، فالخبر ليس له علاقة بانتحار الطفل "البدون" ذي الحادية عشرة من عمره في 23 فبراير الماضي، أو بالأحرى، لنقل إنّ على ذهن القارئ أن يذهب بعيدا، وبعيدا جدا، فالخبر متعلّق بانتحار طفل فرنسي في مايو من عام 2011، ويبدو أن صحفنا المحلية كانت تعتقد آنذاك أنّ إنهاء طفل لحياته أمر جلل يستحق تسليط الضوء عليه حتى لو جرت المأساة في أقاصي الأرض، لكن لسبب ما، حين انتحر الطفل علي خالد الشمري، لم تجد بعض الصحف الكبرى حاجة إلى مجرّد الإشارة إلى طفل أنهى حياته في "الصليبية". إلى جانب صحيفة "الراي" التي نقلت الخبر في سطرين، تراوحت ردود الفعل عند الصحف الكبرى بين صمت تام في أسوأ الأحوال، ونقل التصريحات المستهلكة لنواب المجلس حول المأساة في أفضل الأحوال. هناك أيضا مَن فضّل نقل بعض أخبار مجريات التحقيق حول "الحادثة"، كمثل جريدة "الأنباء" التي أوردت الخبر أيضا في سطرين ينتهيان بعبارة " هذا ولم يعرف ما إذا كان الطفل أقدم على الانتحار أو كان يمارس إحدى الألعاب أو أن الموضوع للتقليد"!

يشير عنوان هذا المقال إلى مأساة ويطرح سؤالا حول هوية المسؤول عنها، وبالرغم من بساطة السؤال، لا تبدو الإجابة عنه على هذا القدر من البساطة. طرح الكاتب مبارك الدويلة السؤال نفسه في صحيفة "القبس"، ثم أجاب عنه مؤكّدا "أن سياسة الجهاز المركزي للبدون هي السبب الأول والأخير ليس فقط في انتحار الطفل، بل في انتحار الشباب والشيّاب البدون قبل ذلك". بالرغم من أن مسؤولية بعض سياسات الجهاز المركزي لا ينكرها سوى أنصار الجهاز نفسه، ومن ضمنهم صحف متواطئة تفضّل الإشارة إلى "الألعاب الإلكترونية" و"التقليد" بوصفها أسبابا "وجيهة" بدلا من مجرّد الإشارة إلى تلك السياسات اللّاإنسانية، لا يبدو ما يقوله الكاتب الدويلة دقيقا حين يصف سياسة الجهاز بأنها "السبب الأول والأخير". لا شك في أن هناك مسؤولية مباشرة عن مأساة "البدون"، لكن المسؤولية المباشرة شيء، و"السبب الأول والأخير" شيء آخر. لا شك أيضا في أننا حين نكون أمام أي سياسة عامّة، فنحن أيضا أمام مسؤولية مشتركة بين أطراف عدة: هناك من يقرّر، وهناك من يرسم، وهناك من يأمر، وهناك من ينفّذ، وهناك من يُبارك، وهناك أيضا من لا يكترث! أين دور الجهاز المركزي ضمن هذه الأدوار كلها؟ ليس الدور الأول بطبيعة الحال، ولا حتى الدور الثاني، فالذي أوصى بإنشاء الجهاز المركزي هو المجلس الأعلى للتخطيط، كما لا يمكن أن يكون دور الجهاز هو الدور الأخير، فقد يستفيد الجهاز المركزي من عدم اكتراث الغالبية من الشعب ببعض سياساته ضد "البدون"، لكنّ له من السلطة التي منحه إياها القانون بحيث لا يأبه بمن يكترث أو لا يكترث بسياساته، وحتى حين تزداد شدة السخط على سياساته في مناسبات محددة، لا يظهر مسؤولو الجهاز إعلاميا إلّا من خلال قنواتهم الإعلامية الموالية ولهدف مباشر ويتمثل في تلميع صورة الجهاز أمام الرأي العام.

ماذا عن الأدوار الأخرى في السياسة العامّة حول قضية "البدون"؟ في مقاله الذي سبقت الإشارة إليه، يذكر الكاتب الدويلة حقيقة خطيرة حيث يقول: "وصل الأمر إلى مطالبة الجمعيات التعاونية بإنهاء خدمات من يعمل لديهم ممن لم يجدد بطاقته الأمنية، ومطالبة لجان الزكاة والجمعيات الخيرية بحرمانهم من أي مساعدة لوجه الله، وهم يعلمون جيداً أنه في كل ذات كبدٍ رطبةٍ أجر، دون الالتفات إلى الانتماء والجنسية، كما أنهم يدركون جيداً أنهم بذلك يتسببون بالموت البطيء لمئات العوائل من البدون!". علامة التعجّب التي وضعها الكاتب في آخر هذه الفقرة جاءت في محلّها، ليس فقط لما هو مذكور، بل أيضا لما هو غير مذكور، فالكاتب لا يشير مع الأسف إلى مصير تلك المطالبات الموجهة إلى الجمعيات التعاونية والخيرية ولجان الزكاة للقيام بتنفيذ أوامر الجهاز، هل تمّ تنفيذها؟ لو طرحنا هذا السؤال على ضحايا الجهاز، فستأتي الإجابة قطعا لتؤكّد على امتثال العديد من تلك الجمعيات واللجان لتعليمات الجهاز، وإذا كان هذا صحيحا، فإن الجهاز يأمر والعديد ينفّذ، وهنا من الصعب الاقتناع بأن سياسة الجهاز هي "السبب الأول والأخير" لمعاناة "البدون"!

بالطبع، هناك حجة "العبد المأمور"، وهي حجة واهية في ظلّ هامش الحرية المتاح، ولهذا، أقل الممكن هو الرفض وتحمّل نتائجه التي لا تعدو أن تكون في الغالب نتائج متعلقة بفقدان امتيازات، لكن يبدو أن "العبيد المأمورين" عبيد لرغباتهم وطموحاتهم ومناصبهم، وإلّا ما معنى ألّا يقدّم مسؤول واحد استقالته احتجاجا على ما يجري من تعسّف وتضييق؟ من السهل التحجج بتنفيذ القانون حتى مع إيماننا بعدم عدالته، لكن من المفيد أن نتذكّر كلمات الكاتب الأميركي دوايت ماكدونالد: "لا ينبغي لنا اليوم أن نخشى من كاسري القانون بقدر خشيتنا ممن يمتثلون إليه"!

لنعد إلى السؤال الجوهري: من المسؤول عن انتحار الطفل البدون؟ الكلمة المحورية في هذا السؤال هي كلمة "البدون"، وتعمّد إغفالها سيقود حتما إلى حجج سخيفة لا تدور إلّا في عقلية برجوازية ترى العالم من منظورها السطحي والضيق، لهذا سنتجاوز الإشارة إلى "الألعاب الإلكترونية" أو مجرّد "التقليد"، إنْ لم يكن احتراما لعقولنا، فليكن على الأقل احتراما لأسرة الضحية! لماذا نشير إلى كلمة "البدون" بوصفها كلمة محورية في السؤال المطروح؟ لا سرّ في الأمر، فالبدون ضحايا سياسة عاّمة تحظى بمباركة قطاع كبير من منظمات المجتمع المدني، وهي مباركة تتخذ عادة من الصمت شكلا لها، وأسباب الصمت عديدة، منها ما يتعلّق بعقلية رجعية، ومنها ما لا يختلف عن تلك المتعلقة بحجة "العبيد المأمورين".

هل يكفي انتماء الطفل المنتحر إلى "البدون" كي ندلّل على أنّ السبب في انتحاره مرتبط بأغلب السياسات اللاإنسانية ضد "البدون"؟ بالطبع لا، لكن حين نضع في الاعتبار أنّ حالات الانتحار أو الشروع فيه ضمن صفوف "البدون" تجري بمعدّل حالة إلى حالتين سنويا في العشرين سنة الأخيرة فقط، فإنّ الفصل بين تلك السياسات وظاهرة الانتحار بين صفوف "البدون" لا يصدر إلّا من عقول لا تقوم بوظيفتها على أكمل وجه، وحين نضيف إلى ذلك حقائق أخرى تتعلق بتفاصيل معاناة هذه الشريحة الاجتماعية المهمشة والمضطهدة، ومنها حرمان عشرات الألوف من أطفالهم شهادات ميلاد حتى تُذعن أسرهم إلى القبول بالتوقيع على مؤشرات الجنسية غير القانونية، فإنّ محاولات الفصل بين مأساة "البدون" والسياسة العامّة ضدّهم لا تصدر إلّا من عقول خاملة أو ضمائر ميّتة! لاحظ أن هذه المحاولات تختلف عن القطع بعدم وجود علاقة بين سياسة الجهاز وانتحار الطفل، فمثل هذا القطع يحتاج إلى أدلة أكبر بكثير من حيث قوتها من الدليل الأوضح حتى كتابة هذه السطور، وهو دليل يشير إلى استحالة فصل معاناة "البدون" ونتائجها الكارثية عن بعض سياسات الجهاز وعواقبها الوخيمة، فلو كان سبب الانتحار هو الفقر، فإنّ بعض تعليمات الجهاز أدّت إلى إفقارهم حتى أصبح العديد منهم زبائن عند بيت الزكاة والجمعيات الخيرية ومن دون نتائج ملموسة في حالات كثيرة، ولو كان سبب الانتحار هو الحالة النفسية، فإنّ بعض سياسات الجهاز قد أرهقتهم نفسيا، ولو كان سبب الانتحار هو "مجرّد مشكلة عائلية"، فإن المشكلات العائلية لا تهبط مصادفة من السماء، بل هي في حالة "البدون" تحديدا نتائج مباشرة في الغالب لسياسة التضييق المنظّم ضدهم منذ عام 1986 في كل ما يتعلّق بنواحي حياتهم اليومية، بل حتى حين نشر بعض أنصار الجهاز المركزي معلومات شخصية عن أسرة الضحية بصورة لاقانونية ولاأخلاقية، وذلك للإشارة إلى أن بطاقاتهم الأمنية "صالحة"، وبالتالي، للدلالة على عدم مسؤولية سياسة الجهاز عمّا جرى، لا يسعنا فصل الحالة المادية المرهقة لأسرة الضحية عن بعض السياسات اللّاإنسانية ضد "البدون"، بل لم تشفع لهذه الأسرة الكريمة معاناة بعض أفرادها من بطش الغزو العراقي  لتواصل المعاناة طوال ثلاثة عقود من الزمن في ضيق السكن وتأمين مصدر الرزق الكريم إلى أنْ فُجعت بانتحار طفلها.

سهل جدا – تحت تأثير خيبة أمل كبيرة وما أكثر الخيبات من هذا النوع – أن نقول: "كلنا مسؤول عن انتحار الطفل البدون"، ولكن أنْ نقول "كلنا مسؤول" يشبه من حيث القيمة أنْ نقول "لا أحد مسؤول"، ففي الحالتين لا توجد جهات محددة يُمكن لنا أن نوجّه إصبع الاتهام إليها، في حين أن الضحية، مثل كل ضحايا "البدون" الآخرين، كائن بشري له اسم كامل ومحدد هو علي خالد ياسر الشمري، فمن المسؤول تحديدا عن انتحاره؟ لسنا جميعا مسؤولين، فمن قرّر أبشع سياسة ابتزاز منظّم في تاريخنا السياسي الحديث، ومن رسمها، ومن نفّذها، ومن باركها، ومن سكت عنها، ومن تخاذل في مقاومتها، أنتم جميعكم، وأنتم وحدكم، مسؤولون، بشكل أو بآخر، عن كل حالة انتحار بين صفوف "البدون".  

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
عرض المزيد