dark_mode
  • الأحد ١٤ / يوليو / ٢٠٢٤
التهميش الاجتماعي: جرح بطيء ومستمر في قلب المجتمعات - إيمان جوهر حيات

التهميش الاجتماعي: جرح بطيء ومستمر في قلب المجتمعات - إيمان جوهر حيات

تعد مشكلة التهميش الاجتماعي من أكثر التحديات التي تواجه البشرية صعوبة؛ فهو كسمّ قاتل يتغلغل ببطء وثبات في أعماق المجتمعات، مهددًا بتمزيق نسيجها الاجتماعي، وإلى تكريس الفوارق الطبقية والاقتصادية، وإثارة التوترات الاجتماعية، وزيادة معدلات الجريمة، وتقويض الاستقرار السياسي والاقتصادي للدول.


تعريف التهميش:

هو تجاهل أو استبعاد فرد أو مجموعة من أفراد المجتمع من المشاركة الكاملة والمتساوية في الحقوق والفرص الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ويمكن تحليل التهميش من منظورين: الاجتماعي والنفسي.

 المنظور الاجتماعي: 

 التهميش يعبر عن العمليات والهياكل التي تؤدي إلى استبعاد فئات معينة من المشاركة الفاعلة والمتساوية في المجتمع. قد يحدث التهميش على أساس العرق، الدين، الجنس، الطبقة الاجتماعية، الإعاقة، أو أي خصائص أخرى. ويتعرض الأشخاص المهمشين لقيود كثيرة تعوقهم من التمتع بالحقوق الأساسية. 

المنظور النفسي:

يؤثر التهميش على صحة الفرد النفسية ورفاهيته. يشعر الأفراد المهمشون بالعزلة وعدم الانتماء، وقد يعانون من انخفاض في التقدير الذاتي والثقة بالنفس، ويصابون بالاكتئاب والقلق ومشاكل صحية نفسية أخرى نتيجة للتمييز والظلم الذي يتعرضون له، وغالباً ما يكون لأسباب خارجة عن إرادتهم.

بشكل عام، يؤدي التهميش الاجتماعي والنفسي إلى وأد الطاقات البشرية وحرمان الأفراد من المشاركة الفاعلة في المجتمع، و يعيق ذلك تطور المجتمع بشكل عام.

يجب أن نتساءل: كيف يمكن للأشخاص الذين يشعرون بالإحباط والاستياء واليأس أن يضيفوا قيمة إلى مجتمعنا ووطننا؟

تتجلى أهمية تناول هذه القضية في الأثر الضار الذي يتركه التهميش على الأفراد المتأثرين وعلى المجتمع بشكل عام حيث يؤدي التهميش إلى تفشي الفقر، والجريمة، والعنف، بالإضافة إلى تقويض النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي.

والهدف من فهم أبعاد الاستبعاد أو التهميش الاجتماعي هو محاربة الحواجز الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحتى الثقافية التي تمنع بعض الأفراد أو الفئات من التمتع بحياة مزدهرة ومنتجة.

 من الأمور المهمة التي أدرجتها الأمم المتحدة في أهداف التنمية المستدامة لعام 2030، هو القضاء على جميع أشكال التمييز، والتمييز هو عملية يتم من خلالها تجاهل أو إقصاء فئة معينة من المجتمع بناءً على سمات مثل العرق، الجنس، الأصل وغيرها.

حيث أن تهميش أي فئة من المجتمع يمثل خطورة كبيرة على المجتمع والدولة بشكل عام، و مثال على ذلك التهميش والتمييز هو تدهور أحوال عديمي الجنسية في الكويت وأبناء الكويتيات المتزوجات من غير كويتي.

هذه العملية لا تقتصر على الفئات المذكورة أعلاه فحسب، بل يمكن أن تمتد إلى أشكال أخرى من التمييز بناءً على المعتقد والمذهب، الانتماءات القبلية والفئوية، والطائفية، والمرجعية الثقافية والسياسية، التي وللأسف تزخر بها الساحة المحلية ووسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنصات الإعلامية، وتُستغل بشكل مخزي من قِبل بعض الفئات التي تقتات على تفتيت المجتمع. 

هذه الأنماط من التمييز الذي يترتب عليها تهميش الآخر المختلف تساهم في تعزيز التفاوتات الاجتماعية والاضطرابات السياسية، وبالتالي تعرقل التنمية والتقدم.

وقضية عديمي الجنسية من بين أكثر القضايا إلحاحًا في الكويت، أو ما يُطلق عليهم "البدون" أو كما أطلقت عليهم الحكومة مقيمين بصورة غير قانونية، وعلى الرغم من تعاقب الحكومات والمجالس النيابية، وتراكم المقترحات لإيجاد حلول إنسانية وحقوقية وقانونية تحد من معاناة تلك الفئة المظلومة وتنصف حقوقهم، لا يزال هؤلاء البشر المعثرين حتى يومنا هذا يواجهون تحديات كبيرة في الحصول على الخدمات الأساسية، ويلاقون تضييق ممنهج على أبسط حقوقهم الإنسانية. هذا التهميش وهذا الهدر في الطاقات البشرية لن يعودا على هذا المجتمع وهذا البلد بالخير.

وذلك بحد ذاته أمر يدعو للريبة والقلق حيث إن التهميش الاجتماعي ليس مجرد قضية تؤثر على الأفراد المهمشين فقط، بل هو أيضا مشكلة تؤثر على المجتمع والدولة بأكملها. إنها مسألة ليست الغاية منها تحقيق العدالة والمساواة فقط، بل أيضا من أجل تحقيق التنمية المستدامة والسلام والاستقرار.

لذا، يتطلب الأمر تغييرا جذريا في الطريقة التي تتعامل بها السلطتان التنفيذية والتشريعية مع قضايا التهميش والإقصاء الاجتماعي. فهي ليست مشكلات تتعلق بالأفراد المهمشين فقط، ولكنها تؤثر أيضا على النسيج الاجتماعي بأكمله. يتطلب الأمر تضافر الجهود من جميع الأطراف في المجتمع، لضمان الاندماج الاجتماعي والمساواة للجميع.

علينا أن نتذكر أن التهميش الاجتماعي يمثل مشكلة عميقة ومعقدة. ولا يمكننا إيجاد حلول فعّالة لأي مشكلة بدون تحديد الأسباب الحقيقية التي أدت إلى ظهورها، ومواجهتها بجدية ومسؤولية. يجب وضع خطة علمية وموضوعية لمعالجة الأسباب الأساسية التي تؤدي إلى التهميش، وإجراء تغييرات على مستوى السياسات والقوانين والأطر الثقافية، وكسر التابوهات الفكرية، وتعزيز مبادئ العدالة الاجتماعية وتوفير فرص متساوية للجميع. يجب أن نتجنب المقاربات الترقيعية، والوعود التي تسعى لإلهاء الناس، والمناورات السياسية البغيضة التي لم ينتج عنها سوى المزيد من الاحتقان والتخلف والتراجع. 

ختاماً:

 تحقيق الاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة يتطلب تعاون وتضافر الجهود من الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والأفراد. يجب أن نعمل على بناء شراكات قوية وتعزيز التعاون المشترك لتحقيق الأهداف المشتركة.

 ينبغي أن تتبنى المؤسسات الحكومية وجمعيات النفع العام والقطاع الخاص مبادرات وبرامج تهدف إلى تعزيز المشاركة المجتمعية وتنمية المهارات وتحسين الظروف المعيشية للفئات المهمشة.

علاوة على ذلك، يجب أن يكون هناك تركيز على تطوير نظم التعليم وتوفير فرص التدريب المهني للشباب، حيث يعد الاستثمار في الشباب وتأهيلهم وتمكينهم في تحمل المسؤوليات أمرًا حاسمًا في بناء مجتمع مستدام ومزدهر.

نحن بحاجة إلى قيادة حكومية قوية ورؤية واضحة تضع مصلحة المجتمع والدولة في المقام الأول. يجب أن تتخذ الحكومة إجراءات جادة لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية والمساءلة، وذلك لضمان استخدام الموارد بطريقة فعالة وعادلة وكسب ثقة المجتمع.

 إن معالجة قضايا التهميش والإقصاء وتحقيق التوازنات الاجتماعية هي خطوات أساسية نحو بناء مجتمع مزدهر ومستقر يحقق تطلعات جميع مكوناته.

فالتهميش داء الأوطان! 

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد