dark_mode
  • الأحد ١٤ / يوليو / ٢٠٢٤

"أيتام من العشرين" – أحمد السويط

العنوان مقتبس من قصة وردت في لقاء عمار تقي مع فائق الشيخ علي في برنامج الصندوق الأسود حول محاولة النظام البائد في العراق بدوافع عرقية-طائفية تزوير تاريخ الثورة التي أطلق شرارتها قائد مجموعة قبائل بني حجيم (شعلان أبو الچون) ضد الاستعمار البريطاني في 30 يونيو عام 1920 في منطقة تسمى الرميثة في محافظة المثنى جنوب العراق، حيث قام النظام آنذاك بعمل فيلم وثائقي أسماه "المسألة الكبرى" يهمّش فيه دور قبائل الجنوب في مقاومة الاستعمار وينسب تضحياتهم إلى غيرهم خلافاً للحقائق التاريخية.

شغلت "ثورة العشرين" اهتمام الكثير من الدراسات والأبحاث العلمية وقد جمعت المؤلفة أمل فينوغرادوف بعض أهم المصادر التاريخية حولها في صفحة 123 من كتابها "إعادة النظر في ثورة 1920 في العراق: دور القبائل في السياسة الوطنية" الذي نُشر في المجلة العالمية لدراسات الشرق الأوسط عام 1972، وهذا الاهتمام ليس من فراغ وإنما لما لها من دور في تاريخ نضال الشعوب المستضعفة ضد الاستعمار وآثاره عليهم إلى الآن. بالنسبة لنا فأهمية هذه الحالة مضاعفة وتكمن في عناصر كثيرة لعل أحد أهمها أن منشأها أقرب ما لنا جغرافياً من مواطن مواجهة هيمنة الاستعمار الأجنبي، حيث إن جنوب العراق وشمال الكويت توأمان ملتصقان جغرافياً —كما جنوب الكويت وشمال المملكة العربية السعودية— علاوة على التداخل الاجتماعي-الثقافي بين الجانبين حيث ما زالت مساكن بعض العوائل قائمة في جنوب العراق حتى بعد استقرارهم في الكويت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

بالنسبة لتصدي الثورة للاستعمار فإن التاريخ متخم بملاحم شعب الرافدين بمختلف أطيافه، لا سيما الدور التأسيسي لقبائل بني حجيم التي كانت "غير خاضعة بالمرة لأية سلطة مدنية" كما تعبّر المستشارة السياسية البريطانية غيرترود بيل في كتابها "فصول من تاريخ العراق القريب" (ص 444). أمّا بعد استيلاء الإنجليز على السماوة فيقول عالم الاجتماع والمؤرخ علي الوردي في الجزء الخامس من كتابه "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث" (ص 278): "كانت عشائر بني حجيم تواصل القتال بلا هوادة، وقد ظلت كذلك حتى بعد استسلام العشائر الأخرى، وهي لم تلق سلاحها إلا بشروط فرضتها على الإنجليز".

لعل التمسك بالحرية والكرامة هو ما دفع القبائل التي يصفها الوردي (ص 277) بأنها "تعيش على البساطة والكفاف والخشونة" أن تواجه بعصا "المقوار" ورمح "الفالة"  وقلع "سكة القطار" أعظم قوة استعمارية في العالم (آنذاك) وتجبرها على أن تستيقظ من عجرفتها وتستجيب لمطالب أصحاب الأرض بإقرار حكومة عراقية لهم بدلاً من الحاكم السياسي البريطاني. وعلى الرغم من أن كل من الاعتراف باستقلال العراق وتنصيب الملك فيصل حاكم له عام 1921 لم يكون سوى حلّا لمصلحة الإنجليز لاحتواء الأوضاع التي أدركوا أنهم قد تورطوا فيها، إلّا أن مجرّد إجبار الغول على المثول لإرادة لهو إنجاز ينحني له التاريخ.

ولكن العنصر الأهم في تاريخ ثورة العشرين —من وجه نظري— ليست "العجرة" بل الفكرة، وأعني بهذا القيمة الثقافية التي ولدت من رحم الثورة ثم كبرت لتحافظ عليها، فكما أثبت "المگوار" أن بلاد الرافدين عصيّة على هيمنة "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس" فقد تصدّت فكرة الشاعر حداوي الظالمي لمحاولة النظام البائد تزوير تاريخ الثورة ونسبه للقبائل الموالية له، حيث قابل الظالمي حملة الترويج لفيلم "المسألة الكبرى" بأبياته الشهيرة:

 

لَوَنْ شعلان يدري انباگت الثورة

چا فَج الّتراب وطلع من قبره

مهي بجسر السوير المسألة الكبرى

الشاهد عدنا الشاهد: كلنا ايتام من العشرين

بهذه الأبيات البسيطة يكشف الشاعر الظالمي ما وراء فيلم "المسألة الكبرى" على أنه مخطط سرقة للثورة، وأن قائد الثورة (شعلان) لو علم بهذا الأمر لأزاح التراب عن قبره وخرج منه محتجاً. ثم يؤكد الظالمي أن المسألة الكبرى الحقيقية هي شرارة الثورة التي انطلقت من منطقة السوير في الرميثة والتضحيات التي قدمها أبناء أرض الجنوب (وليس الشمال كما يصورها الفيلم)، الدليل على ذلك أنهم "أيتام من العشرين".

نحن أيضاً أيتام منذ العشرين وبسببها. عشرين القرن الذي مزّقت فيه "اتفاقية سايكس-بيكو" و"مؤتمر العقير" أراضينا وفرّقت شعوبنا وسلّطت بعضنا على بعض. العشرين التي تم توظيفها في قوانين الحداثة لإلغاء قيمة الإنسان المطلقة فينا وتحويله إلى كائن أصلي أو متجنس أو عديم جنسية —حسب رغبة ومصلحة "صاحب الدينار". هذا الإرث الاستعماري الذي يتغذى على إيهام كل منا بأن قيمة غيره أقل أو أعلى من قيمته تجاوز برجعيته شريعة الغاب التي انتهجها الاستعمار بادئ ذي بدء.

في ثورة العشرين دروس لمن يهوى الحرية والكرامة والخلود في الجانب المشرف من التاريخ، ولإن التاريخ عبرة خير من أن يكون مفخرة. يقول الوردي (ص 13) في قراءته النقدية للثورة: "إن عِداءنا للإنكليز يجب أن لا يكون سبباً لتشويه الحقائق، فلقد ذهب الإنجليز ولكن الحقائق تبقى، وأصبح من الواجب علينا أن نسجل الحقائق كما هي لنستمد منها العبرة، أمّا إذا بقينا نصطنع الحقائق لأنفسنا كما نشتهي فإن ذلك قد يؤدي إلى أفدح الضرر في نهاية المطاف". ولَعل الشاعر البدوي حداوي الظالمي أكثر بلاغة وإيجازاً في التعبير عن فضيلة العبرة على المفخرة بقوله "كلنا ايتام من العشرين" بدلاً من قول "نحن أبطال من العشرين".


بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد