dark_mode
  • الثلاثاء ٠٣ / أغسطس / ٢٠٢١
أزمة الهوية الوطنية - د. فايز الفايز

أزمة الهوية الوطنية - د. فايز الفايز

منذ نشأة الكويت الحديثة مرت الدولة بمراحل كثيرة متغيرة، كان بعضها حاداً في التأثير لا على هويتها فحسب، بل أيضًا على وجودها واستمرار كيانها، كما حصل في الغزو العراقي الغاشم، هذه الهوية التي طالما كانت محلًا للتجاذب والاختلاف بين أطياف الشعب في تحديد من هو الكويتي. ومن هذا المنطلق سأحاول مناقشة مفهوم الهوية الوطنية والذي كثيرًا ما تم استخدامه لمعارضة منح البدون الجنسية أو حتى منحهم حقوقهم المدنية. سأحاول في هذا المقال القصير شرح مفهومي الهوية والهوية الوطنية وسبب نشأة هذا المفهوم الخاطئ وتداعياته وسأحاول أن أطرح حلًا وطنيًا جامعًا لها.

 

مفهوم الهوية

يعرّف ليون ويستليه الهوية بأنها إحساس الأفراد أو الجماعة بذاتهم، بمعنى أنني نا" أمتلك أو "نحن" نمتلك خصائص تميّز كينونتنا، بحيث تميزني عنك وتميزنا عنهم. ويضيف عالم الاجتماع أنتوني غدنز أن الهوية عبارة عن منظومة من التفاهمات بين مجموعة من البشر حول ماهيتهم وكيانهم، ويؤكد غدنز أن المجتمع العالمي الحديث يتسم بالتمايز والاختلاف لا بالتجانس وإلغاء المختلف وإقصاءه (ليون ويستله، كتاب ضد الهوية، ص 12).

 

مفهوم الهوية الوطنية

ومن التعريف السابق نفهم بأن الهوية هي خصائص مميزة لكيان ما سواءً كان فرداً أم جماعة، وعليه فإن الهوية الوطنية ينبغي لها أن تكون هي الخصائص المميزة نسبة للوطن ككل وليست لفرد معين أو جماعة ما. وعليه فإن الهوية الوطنية تنطلق من الشعور بالانتماء المشترك لأعضاء المجتمع إلى شيء يعتبرونه مشتركاً بينهم. يشرح سعد الدين إبراهيم في كتابه المجتمع والدولة في الوطن العربي أن "مسألة الهوية تنطوي في الأساس على معانٍ كبرى رمزية وروحية وحضارية جماعية، تعطي الفرد الإحساس بالانتماء إلى جسم أكبر، وتخلق لديه الولاء والاعتزاز بهذا الجسم الأكبر" (سعد الدين ابراهيم، كتاب المجتمع والدولة في الوطن العربي). وعليه لا ينبغي أن تكون الهوية الوطنية مقتصرة على لهجة فئة دون أخرى، ولا طائفتها، ولا جغرافيتها دون سواها، بل إن كل من يسعى لإلغاء المختلف عنه هو في الحقيقة يشوّه مفهوم الوطن وهويته.

 

منشأ المفهوم المغلوط  للهوية الوطنية

يعزو أ. د. عبدالهادي العجمي- في لقاء له في برنامج أما بعد على قناة القبس- سبب نشأة المفهوم المغلوط للهوية الوطنية إلى تعميم اسم قرية الكويت ليكون اسماً للدولة، مما جعل ممن يقطن القرية يظن أنه هو الوحيد "الكويتي" نسبة لقريته والباقين دخلاء غرباء عليهم لأنهم بالفعل من مناطق أو قرى أخرى، وهذا انعكس على أكثر من صعيد في تقبّل "الكويتي الآخر" كالتحسس من لهجات المناطق خارج قرية الكويت مقارنة بلهجتي شرق وقبلة داخل قرية الكويت واستنكار بعض ثقافات المكونات الاجتماعية الأخرى وعاداتها كما هو ملاحظ هذه الأيام أو اعتبار المواطنين من طوائف أخرى مواطنين درجة ثانية!

 

والخطير في الأمر أن المفهوم الحالي والخاطئ لم يتطور ذاتيا، بل تم تحصينه وتنميته عبر صور نمطية لاعتبار مميزات فئة من المجتمع أنها هي الهوية المعتمدة والمحاولة لتعميم هذه الصورة كقالب للكويتي في الإعلام، وقد تحقق ذلك إما بإغفال المكونات الأخرى أو إظهارها بمظهر سلبي، وهذا ما أشار له وزير الإعلام الأسبق محمد السنعوسي في برنامج الصندوق الأسود حين لمح لوجود خطوط حمراء على بعض المشاهد مثل ظهور عالم شيعي أو كنيسة في مشهد درامي! وكذلك الضجة بخصوص الشماغ بتوصيفه أنه لا يعبر عن الهوية الكويتية والتي نقلها المذيعون على لسان أحد المسؤولين في الإعلام الرسمي والذي حاول إنكار هذا التصريح والالتفاف عليه. أو حتى إظهار شخصيات البدو على أنها شخصيات غير متعلمة غالبًا في الأعمال الدرامية.

 

فهذا المفهوم المشوّه للهوية الوطنية تسبب بتصاعد الشرخ بين مكونات المجتمع، فإن كان النهج قائمًا على الاستئثار بالهوية الوطنية لمن كانوا داخل السور ضد من كانوا خارجه فإننا نراه بشكل أكثر حِدَة ضد البدون! فإذا برر أحدهم بأن الهوية الوطنية مرتبطة بمن سبق في استيطان هذه البقعة الجغرافية، فإن البدون كما يصفهم المؤرخ مهنا حمد المهنا يرجع أغلبهم لقبائل المنتفق بن عامر بن صعصعة وهم الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عام الوفود في التاسع الهجري وهم سكان هذه البقعة الجغرافية الممتدة من جنوب العراق وحتى البحرين منذ أكثر من ألف وخمسمائة سنة، وعليه فهم السكان الأصليون للكويت والبقية هم من قدموا عليهم لاحقا واستطونوا ديارهم! فهم السكان الأصليين إن صح التعبير–Indigenous– في هذه البقعة الجغرافية وما سواهم مستوطن ولاحق لهم، وقد وصفهم ديكسون في كتابه الكويت وجاراتها حينما ذكر قبائل المنتفق وفروعهم سواء ممن أسماهم عريبدار (عريب دار) أو من القبائل البدو والتي كانت بوادي الكويت أحد مرابعها صيفا أو شتاءً. (الكويت وجاراتها، هـ. ر.ب ديكسون صفحة 103)

كان عنوان الهوية الوطنية ولا زال يستخدم لا للدلالة على إرث ثقافي أو اجتماعي، وإنما وسيلة للاستئثار الاقتصادي بثروات البلد، فبينما ثروات الكويت موجودة خارج السور، فإن الحكومة- آنذاك- قامت بتوزيع الثروات على سكان داخل السور عبر تثمين بيوتهم ويُقال أنها حرمت البدو والذين قامت بإخلاء ديارهم بغية التنقيب واستخراج النفط بلا تعويض! وكان اقتصار التثمين على البيوت لا الخيام بداية التمييز ضد شرائح المجتمع- بحسب أ. د. عبدالهادي العجمي- في لقائه في برنامج أما بعد على قناة القبس-، بل إن الحكومة استغلت أعداد البدون وسجلتهم في كل إحصاءاتها منذ 1965 حتى الغزو العراقي الغاشم على أنهم كويتيو الجنسية، في حين لم يستفد البدون من عائدات النفط المسجلة بأسمائهم!

 

تداعيات المفهوم المغلوط ونتائجه

إن من بين تداعيات المفهوم المغلوط للهوية الوطنية أن يكون صوت المواطن الكويتي في الدوائر الداخلية يعادل صوتين من مواطني الدوائر الخارجية تقريبا! مما يعني أن قلة عددية في الداخل تستأثر بالقرار السياسي للبلاد بعد استئثارها بالثروات! وأدى هذا المفهوم لاستسهال إخراج البدون من استحقاق الجنسية، بل واستغلال حقوقهم الإنسانية أيضا كوسيلة ضغط لتهجيرهم وسجن من يحتج منهم ودفع العديد منهم للانتحار، ولأنهم غير ممثلين برلمانيا بسبب انعدام جنسيتهم، وإن فرضنا حصولهم على تعاطف كل نواب المناطق الخارجية؛ سيبقى ممثلوهم من الدوائر الخارجية أقلية برلمانية لا تستطيع تمرير قانون للجنسية أو قانون للحقوق المدنية، وهو الإخفاق الذي شهدته المجالس السابقة.

 

تصحيح مفهوم الهوية الوطنية

أكاد أجزم أن أولى الأمور بالتصحيح في الكويت هي الدعوة لإصلاح مفهوم الهوية الوطنية، لتكون هوية جامعة لكل الأديان والطوائف والأصول واللغات واللهجات بلا تمييز بحسب اللون أو العرق أو الجنس على مختلف الأصعدة، بل بتشجيع التنوع والاختلاف ليكون أساسًا للتنمية والتطور، فإذا كانت الهوية جامعة لن ينشأ عنها شعور بالظلم والتمييز من أي مكوّن تجاه مكوّن آخر، فبتصحيح المفهوم السياسي سيتلاشى الاستئثار السياسي والاقتصادي لأي مكون على حساب الآخر، وسينعكس اجتماعيًا على تنامي أواصر العلاقات الاجتماعية فلا يكون هناك أي تمييز ضد أبناء الكويتيات والبدون في استحقاقهم للجنسية والحقوق معا كونهم مكوّنا أصيلا لهوية المجتمع.

 

أقول هذا وأنا أعلم بأن التصحيح مهمة أشبه بالمستحيلة، لأن من يستأثر بالقرار السياسي والثروة والإعلام والتربية سيقاوم التفريط بهذه الحظوة، ولكن صوت الشعوب ووعيها باستحقاقاتها التاريخية هما المعوّل عليهما عبر التوعية والتصحيح التدريجي، فهما قادران على تصحيح مفهوم الهوية الوطنية لتكون جامعة بحق لا ما يحاول أن يرسمها ويروج لها المستأثرون، وأن أولى الخطوات تكون عبر الدعوة لمؤتمر وطني عام يخرج منه المشاركون بتصور صحيح للهوية الوطنية ووضع آلية لتحقيقها على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والإعلامية والاجتماعية.

 

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد