dark_mode
  • الأربعاء ٠٨ / فبراير / ٢٠٢٣
أهكذا تُخفّض أعداد البدون؟ - أحمد السويط

أهكذا تُخفّض أعداد البدون؟ - أحمد السويط

التقيت بـ"أبي يعقوب" لأول مرة قبل سنتين في بيت أقرباء لي يعيشون في مدينة مانشستر (المملكة المتحدة) منذ زمن طويل. قبل دخولي المجلس نبهني قريبي الذي كنا في ضيافته أن الرجل يعيش حالة من الاكتئاب بسبب عدم قدرته على التأقلم مع الحياة في الغربة، وأنه متلهف للعودة إلى الكويت بأي وسيلة كانت، وقد يطلب مني أن أساعده في ذلك. أجبت قريبي بأن لا يقلق، وأنني سأحاول أن أقنع صاحبه ببعض ’الكلمات الإيجابية‘ لعله يتقبل واقعه الجديد.

دخلت المجلس ثم قدمنا قريبي إلى بعضنا البعض: "الدكتور أحمد، ولد خالي ... بويعقوب صاحبنا." في البداية كان صامتاً، ولكن لغة جسده ونظراته المتوترة كانتا مليئتين بالكلام. بعد قليل جلسنا على الأرض لتناول الغداء. كان أمامي مباشرة، ولكن لا أخفي سرّاً أنني حاولت ألا تقع عيني في عينه، ليس هرباً من أسئلته المرتقبة، ولكنني لم أحتمل رؤية انكساره الذي بدا على قسمات وجهه المكسو بالشيب والكمد. كنت أتظاهر بالتركيز في الأكل، ولكن ما إن رفعت رأسي صدفة حتى وجدته يتفرّس في وجهي، وما هي إلّا ثوان حتى سألني: "كم صارلك هني؟" لم أعطه إجابة مباشرة على سؤاله، وإنما تعمدت أن أسرد له قصة دراستي في كلية لندن الجامعية (UCL) حتى لا أعطيه فرصة الخوض في معاناته أمام الجميع.

بعد الغداء تفرّق الشباب في المنزل، البعض في المطبخ لغسل الأطباق التي تناولنا منها الطعام، والباقي خرجوا للحديث والتدخين في حديقة المنزل. بقينا أنا وأبو يعقوب في المجلس نشرب الشاي. سألني عن مدى تقبلي للعيش في بريطانيا: "شلون تشوف الحياة هني؟" فأجبته بصراحة أن "الغربة صعبة" ولكنني في مهمة للدراسة. ولكن بشكل عام هناك أمور إيجابية كثيرة، فالأبواب هنا مفتوحة لنا لنتعلم ونعمل ونكتسب خبرات جديدة من العيش في مجتمع متعدد الثقافات، فأجابني بأن الأمر مختلف وأشبه بالمستحيل بالنسبة له لأنه قد تجاوز الخمسين من العمر، ولم يتعلم القراءة والكتابة من قبل حتى باللغة العربية، كما أنه ليس لديه أية خبرة في العمل النظامي.

كنت أظن أن مشكلة أبي يعقوب تكمن فيما يسمى "الصدمة الثقافية" وحاجز اللغة (الإنجليزية) والمهارات الذي سيمنعه (مؤقتاً) من العمل. حاولت أن أطمئنه من هذا الجانب بأن النظام الاجتماعي في المملكة المتحدة لا يتخلى عنه ولا يكلفه ما لا طاقة له به، بل سيستمر بتوفير المسكن والإعانة الاجتماعية الشهرية له، ويتيح له فرص التدريب في اللغة والمهارات المهنية، إلى أن يجد هو أو يوفر له مركز العمل (Jobcentre) وظيفةً مناسبة. ثم سألته: "شنو كان وضعك بالكويت؟" فأجابني أنه كان يسكن في منطقة ’الجليب‘ وكان دخله الشهري حوالي 200 دينار يجنيها من باص له يوصل فيه بعض طلبة المدارس والعمّال. فقلت له: "من صجك يا بويعقوب، تترك هالبراد والطبيعة الحلوة وكل هالفرص وترجع الجليب اللي شوارعها كلها مجاري؟! فأجابني فوراً بتنهيدة طويلة: آآآآآآه ... يخوي الكويت بمجاريها عندي أحلى من كل الدول."

لقد كنت ساذجاً عندما اختزلت معاناة أبي يعقوب في أمور مادية –كالسكن والراتب والتعليم والعمل– وغفلت عن عمق الغبن الذي كان يشعر به. ربما لم أدرك حينها معنى أن يتهجّر الإنسان من أرض وطنه، ويحرم من والدته وزوجته وأبنائه وأحفاده وأقربائه وأصدقاء طفولته رغما عن إرادته، ليعيش في الغربة كالمسجون. هكذا عبّر لنا أبو يعقوب عن شعوره بحرقة وغبن قبل وفاته بساعات قليلة، قال لنا وهو يجهش بالبكاء: "أحس أني مسجون. فقدت عقلي، مابي أموت بالغربة."

لعلي الآن حقاً بدأت أفهم معنى مثلنا الشعبي "المربى جتّال." نعم، هكذا كان حال فقيدنا أبي يعقوب. حنّ إلى مرباه، وسعى للعودة إليه، ولكن عندما وصل إلى مطار الكويت تم منعه من الدخول وإرجاعه إلى حيث أتى لأن جنسية ابن شبه الجزيرة العربية "مطر ضاحي ناصر الشريفي" في سجلات المطار "صومالي." بقي فقيد البدون أبو يعقوب على أمل العودة إلى وطنه إلى أن فارق الحياة بسكتة أصابت قلبه الذي أحب الكويت. "ومن الحب ]كما ينسب للأصمعي[ ما قتل."

أبو يعقوب من ضمن البدون الذين أكّد صالح الفضالة "أن مساعي «الجهاز المركزي» حالت دون بلوغ أعدادهم 440 ألفاً." أهكذا (حقّاً) تخفّض أعداد البدون؟

بالنسبة للمسؤولية الجنائية عمّا حل بإنسان تم التضييق عليه ودفعه إلى التهجّر من وطنه، ثم منعه من العودة إليه إلى أن مات كمداً، فهذا سؤال نوجهه للمختصين في القانون. ولكن الآن وبأسرع وقت ممكن هناك مسؤولية أخلاقية وتاريخية بأن تتم الاستجابة لمناشدات أهل الفقيد أبو يعقوب (وروحه الجريحة) وأن يتم تسهيل عملية نقل جثمانه إلى وطنه الكويت ودفنه فيها. هذا أقل ما يمكن تقديمه لإنسان أفنى حياته حباً خالصاً لأرض وطنه.

لروح أبي يعقوب السلام.

بلاتفورم على وسائل التواصل الاجتماعي

اشترك معنا

اشترك في قائمتنا البريدية لتصلك أعدادنا أولًا بأول

كاريكاتير

news image
news image
news image
news image
news image
news image
عرض المزيد